جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (61)
(جَنَّاتِ) بَدَلٌ مِنَ الجَنَّةِ لِأَنَّ الجَنَّةَ تَشتَمِلُ عَلَى جَنَّاتِ عَدنٍ لِأَنَّهَا جِنسٌ([1])، أَو نَصبٌ عَلَى المَدحِ (عَدْنٍ) مَعرِفَةٌ لِأَنَّهُ عَلَمٌ لِمَعنَى العَدنِ وَهُوَ الإِقَامَةُ، أَو عَلَمٌ لِأَرضِ الجَنَّةِ لِكَونِهَا مَكَانَ إِقَامَةٍ (الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ عِبَادَهُ) أَي عِبَادَهُ التَّائِبِينَ المُؤمِنِينَ الَّذِينَ يَعمَلُونَ الصَّالِحَاتِ، وَلِأَنَّهُ أَضَافَهُم إِلَيهِ إِضَافَةَ اختِصَاصٍ، وَهَؤُلَاءِ أَهلُ الِاختِصَاصِ (بِالْغَيْبِ ۚ ) أَي وَعَدَهَا وَهِيَ غَائِبَةٌ عَنهُم غَيرُ حَاضِرَةٍ، أَو هُم غَائِبُونَ عَنهَا لَا يُشَاهِدُونَهَا (إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ) أَي مَوعُودُهُ وَهُوَ الجَنَّةُ (مَأْتِيًّا) أَي هُم يَأتُونَهَا.
لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا ۖ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (62)
(لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا) فِي الجَنَّةِ (لَغْوًا) فُحشًا، أَو كَذِبًا، أَو مَا لَا طَائِلَ تَحتَهُ مِنَ الكَلَامِ وَهُوَ المَطرُوحُ مِنهُ، وَفِيهِ تَنبِيهٌ عَلَى استِحبَابِ تَجَنُّبِ اللَّغوِ وَاتِّقَائِهِ حَيثُ نَزَّهَ اللهُ عَنهُ الجَنَّةَ وَهِيَ الَّتِي لَا تَكلِيفَ فِيهَا (إِلَّا سَلَامًا ۖ ) أَي لَكِن يَسمَعُونَ سَلَامًا مِنَ المَلَائِكَةِ، أَو مِن بَعضِهِم عَلَى بَعضٍ، أَو لَا يَسمَعُونَ فِيهَا إِلَّا قَولًا يَسلَمُونَ فِيهِ مِنَ العَيبِ وَالنَّقِيصَةِ، وَقِيلَ مَعنَى السَّلَامِ هُوَ الدُّعَاءُ بِالسَّلَامَةِ، وَلَمَّا كَانَ أَهلُ دَارِ السَّلَامِ أَغنِيَاءَ عَنِ الدُّعَاءِ بِالسَّلَامَةِ كَانَ هَذَا لِلإِكرَامِ (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) أَي يُؤتَونَ بِأَرزَاقِهِم عَلَى مِقدَارِ طَرَفَيِ النَّهَارِ مِنَ الدُّنيَا، إِذ لَا لَيلَ وَلَا نَهَارَ فِي الجَنَّةِ لِأَنَّهُم فِي النُّورِ أَبَدًا، وَإِنَّمَا يَعرِفُونَ مِقدَارَ النَّهَارِ بِرَفعِ السَّتَائِرِ وَمِقدَارَ الليلِ بِإِرخَائِهَا، وَالرِّزقُ بِالبُكرَةِ وَالعَشِيِّ أَفضَلُ العَيشِ عِندَ العَرَبِ فَوَصَفَ اللهُ جَنَّتَهُ بِذَلِكَ، وَقِيلَ أَرَادَ دَوَامَ الرِّزقِ كَمَا تَقُولُ أَنَا عِندَ فُلَانٍ بُكرَةً وَعَشِيًّا تُرِيدُ الدَّوَامَ.
تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا (63)
(تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا) أَي نَجعَلُهَا مِيرَاثَ أَعمَالِهِم يَعنِي ثَمَرَةَ أَعمَالِهِم وَعَاقِبَتَهَا، وَقِيلَ يَرِثُونَ المَسَاكِنَ الَّتِي كَانَت لِأَهلِ النَّارِ لَو آمَنُوا، لِأَنَّ الكُفرَ مَوتٌ حُكمًا([2]) (مَن كَانَ تَقِيًّا) عَنِ الشِّركِ([3]).
وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ۖ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (64)
(وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ۖ ) وَالكَلَامُ عَنِ المَلَائِكَةِ، وَالتَّنَزُّلُ عَلَى مَعنَيَينِ: يَأتِي بِمَعنَى النُّزُولِ عَلَى مَهَلٍ وَبِمَعنَى النُّزُولِ عَلَى الإِطلَاقِ، وَالأَوَّلُ أَليَقُ هُنَا، يَعنِي أَنَّ نُزُولَ المَلَائِكَةِ لَيسَ إِلَّا بِأَمرِ اللهِ (لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) ([4]) أَي لَهُ مَا قُدَّامَنَا وَمَا خَلفَنَا مِنَ الأَمَاكِنَ وَمَا نَحنُ فِيه فَلَا نَقدِرُ أَن نَنتَقِلَ مِن مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ إِلَّا بِأَمرِ اللهِ وَمَشِيئَتِهِ، وَهُوَ الحَفِيظُ العَالِمُ بِكُلِّ حَرَكَةٍ وَسُكُونٍ وَمَا يَحدُثُ مِنَ الأَحوَالِ لَا تَجُوزُ عَلَيهِ الغَفلَةُ وَالنِّسيَانُ([5])، فَكَيفَ لَنَا أَن نَتَقَلَّبَ فِي مَلَكُوتِهِ إِلَّا إِذَا أَذِنَ لَنَا فِيهِ.
رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ۚ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (65)
(رَّبُّ) أَي هُوَ رَبُّ أَي مَالِكُ (السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا) ثُمَّ قَالَ لِرَسُولِهِ لَمَّا عَرَفتَ أَنَّهُ مُتَّصِفٌ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ (فَاعْبُدْهُ) فَاثبُت عَلَى عِبَادَتِهِ (وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ۚ) أَيِ اصبِر عَلَى المَشَاقِّ لِأَجلِ عِبَادَةِ الخَلَّاقِ أَي لِتَتَمَكَّنَ مِنَ الإِتيَانِ بِهَا (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ) شَبِيهًا وَمِثلًا، أَو هَل يُسَمَّى أَحَدٌ بِاسمِ اللهِ غَيرُهُ، لِأَنَّهُ مَخصٌوصٌ بِالمَعبُودِ بِالحَقِّ، أَي صَحَّ أَن لَا مَعبُودَ يُوَجَّهُ إِلَيهِ العِبَادَةُ بِحَقٍّ إِلَّا هُوَ وَحدَهُ لَم يَكُن بُدٌّ مِن عِبَادَتِهِ وَالِاصطِبَارِ عَلَى مَشَاقِّهَا.
([1]) مَعنَى الجَنَّةِ إِذَا أُرِيدَ بِهَا الجِنسُ: الَّتِي يُقَامُ فِيهَا إِلَى الأَبَدِ.
([2]) وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَدخُلُ الجَنَّةَ إِلَّا المُؤمِنُونَ، فَلَا يَدخُلُهَا غَيرُ المُؤمِنِ مَهمَا عَمِلَ مِن صُوَرِ الأَعمَالِ الصَّالِحَةِ.
([3]) أَي أَنَّ الكُفَّارَ بِكُفرِهِم هُم فِي حُكمِ مَن مَاتُوا.
([4]) وَهَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ لِأَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ عَلَى التَّأوِيلِ، فَلَو أَخَذتَ هَذِهِ الآيَةَ مَعَ ظَاهِرِ قَولِهِ تَعَالَى: (فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ) لَكَانَ التَّعَارُضُ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، وَالقُرآنُ يُصَانُ عَنِ التَّعَارُضِ وَالخَلَلِ، فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِن تَأوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ (فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ) ، سورة الأعراف ، بِمَا يَتَنَاسَبُ مَعَ الآيَةِ: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) وَالمَعنَى: أَي نَترُكُهُم فِي العَذَابِ كَمَا قَالَ النَّسَفِيُّ فِي تَفسِيرِهِ.
([5]) وَلَا تَجُوزُ عَلَيهِ كُلُّ صِفَاتِ النَّقصِ فَهُوَ سُبحَانَهُ مَوصُوفٌ بِكُلِّ كَمَالٍ يَلِيقُ بِهِ مُنَزَّهٌ عَن كُلِّ نَقصٍ فِي حَقِّهِ (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11)) ، [سُورَةُ الشُّورَى:11].