(مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا )(51)
([1])(مَّا أَشْهَدتُّهُمْ)
أَي إِبلِيسَ وَذُرِّيَتَهُ.
(خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)
يَعنِي أَنَّكُمُ اتَّخَذتُمُوهُم شُرَكَاءَ للهِ فِي العِبَادَةِ، وَإِنَّمَا يَكُونُونَ شُرَكَاءَ فِيهَا لَو كَانُوا شُرَكَاءَ فِي الإِلَهِيَّةِ، فَنَفَى مُشَارَكَتَهُم فِي الإِلَهِيَّةِ بِقَولِهِ: (مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) لِأَعتَضِدَ بِهِم فِي خَلقِهَا أَو أُشَاوِرَهُم فِيهِ، أَي تَفَرَّدتُ (أَيِ اللهُ) بِخَلقِ الأَشيَاءِ فَأَفرِدُونِي فِي العِبَادَةِ.
(وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ)
أَي وَلَا أَشهَدتُ بَعضَهُم خَلقَ بَعضٍ، كَقَولِهِ تَعَالَى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ)([2]).
(وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ)
أَي وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الشَّيَاطِينَ الَّذِينَ يُضِلُّونَ النَّاسَ وَلَا مُتَّخِذًا غَيرَهُم.
(عَضُدًا )
أَي أَعوَانًا ([3])، فَوَضَعَ المُضِلِّينَ مَوضِعَ الضَّمِيرِ ذَمًّا لَهُم بِالإِضلَالِ، فَإِذَا لَم يَكُونُوا عَضُدًا لِي فِي الخَلقِ فَمَا لَكُم تَتَّخِذُونَهُم شُرَكَاءَ لَيِ فِي العِبَادَةِ
(وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقًا(52)
( وَيَوْمَ)
وَاذكُر يَومَ.
(يَقُولُ)
اللهُ لِلكُفَّارِ يَومَ القِيَامَةِ تَوبِيخًا لَهُم.
(نَادُوا)
بِصَوتٍ عَالٍ.
(شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ)
أَنَّهُم فِيكُم شُرَكَائِيَ لِيَمنَعُوكُم مِن عَذَابِي، وَأَرَادَ الجِنَّ، وَأَضَافَ الشُّرَكَاءَ إِلَيهِ عَلَى زَعمِهِم تَوبِيخًا لَهُم، لَيسَ أَنَّهُ أَثبَتَ لِنَفسِهِ شَرِيكًا سُبحَانَهُ، بَل هُوَ اللهُ وَحدَهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُو.
(فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا )
أَي فَاستَغَاثُوا بِهِم فَلَم يُجِيبُوهُم وَلَم يُغِيثُوهُم وَلَم يَنصُرُوهُم، إِذ لَا يَكُونُ ذَلِكَ.
(وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقًا)
مَهلِكًا، مِن وَبِقَ يَبِقُ وُبُوقًا إِذَا هَلَكَ، أَو مَصدَرٌ كَالمَوعِدِ، أَي وَجَعَلنَا بَينَهُم وَادِيًا مِن أَودِيَةِ جَهَنَّمَ وَهُوَ مَكَانُ الهَلَاكِ وَالعَذَابِ الشَّدِيدِ مُشتَرَكًا يَهلِكُونَ فِيهِ جَمِيعًا، رُوِيَ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ المَوبِقَ اسمُ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ، أَوِ المَوبِقُ هُوَ البَرزَخُ البَعِيدُ، أَي وَجَعَلنَا بَينَهُم أَي بَينَ المَلَائِكَةِ وَعُزَيرٍ وَعِيسَى وَبَينَ هَؤُلَاءِ الكُفَّارِ أَمَدًا بَعِيدًا، لِأَنَّ الكُفَّارَ فِي قَعرِ جَهَنَّمَ وَهُم فِي أَعلَى الجِنَانِ.
(وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا) (53(
( وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ)
أَي وَلَمَّا رَأَى الكَافِرُونَ النَّارَ فِي الآخِرَةِ وَعَايَنُوهَا
(فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا (فَأَيقَنُوا أَنَّهُم مُخَالِطُوهَا وَوَاقِعُونَ فِيهَا.
(وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا)
وَلَم يَجِدُوا عَنِ النَّارِ مَعدِلًا يَنصَرِفُونَ إِلَيهِ، لِأَنَّهَا أَحَاطَت بِهِم مِن كُلِّ جَانِبٍ فَلَا يَقدِرُونَ عَلَى الهَرَبِ، نَسأَلُ اللهَ أَن يُجِيرَنَا مِنَ النَّارِ.
(وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا) (٥٤)
ليُعلَم أَنَّ أُولَئِكَ الكَفَرَةَ لَمَّا افتَخَرُوا عَلَى فُقَرَاءِ المُسلِمِينَ بِكَثرَةِ أَموَالِهِم وَأَتبَاعِهِم وَبَيَّنَ تَعَالَى بِالوُجُوهِ الكَثِيرَةِ أَنَّ قَولَهُم فَاسِدٌ وَشُبهَتَهُم بَاطِلَةٌ وَذَكَرَ فِيهِ المَثَلَينِ المُتَقَدِّمَينِ الغَنِيِّ وَالفَقِيرِ وَمَثَلَ الحَيَاةِ الدُّنيَا جَاءَ بَعدَهُ.
( وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ )
وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى مَا سَبَقَ، وَالتَّصرِيفُ يَقتَضِي التَّكرِيرَ، وَالأَمرُ كَذَلِكَ، لِأَنَّهُ تَعَالَى أَجَابَ عَن شُبهَتِهِمُ الَّتِي ذَكَرُوهَا مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، وَمَعَ تِلكَ الأَجوِبَةِ الشَّافِيَةِ وَالأَمثِلَةِ المُطَابِقَةِ بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى حَالَهُم.
(وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا)
فَهَؤُلَاءِ الكُفَّارُ لَا يَترُكُونَ المُجُادَلَةَ البَاطِلَةَ، وَكَانَ الإِنسَانُ أَكثَرَ شَيءٍ جَدَلًا، أَي أَكثَرَ الأَشيَاءِ الَّتِي يَتَأَتَّى مِنهَا الجَدَلُ إِن فَصَّلتَهَا وَاحِدًا بَعدَ وَاحِدٍ خُصُومَةً وَمُمَارَاةً بِالبَاطِلِ، يَعنِي أَنَّ جَدَلَ الإِنسَانِ أَكثَرُ مِن جَدَلِ كُلِّ شَيءٍ، وَقَد صَحَّحَ بَعضُ المُفَسِّرِينَ كَونَ الآيَةِ عَلَى العُمُومِ، فَيَدخُلُ فِيهَا الكَافِرُ وَالمُؤمِنُ العَاصِي الَّذِي يُجَادِلُ كُلٌّ مِنهُمَا بِالبَاطِلِ، وَمُجَادَلَةُ الكَافِرِ أَدخَلُ فِي البَاطِلِ وَأَوغَلُ، فَأَكثَرُ النَّاسِ كَثِيرُ الجَدَلِ الَّذِي لَا خَيرَ فِيهِ.
(وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَىٰ وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا )(55(
(وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَىٰ)
أَي سَبَبُهُ، وَهُوَ الكِتَابُ وَالرَّسُولُ، وَالمَعنَى لَمَّا جَاءَهُمُ الهُدَى وَهُوَ الدَّلِيلُ الدَّالُّ عَلَى صِحَّةِ الإِسلَامِ وَثَبَتَ أَنَّهُ لَا مَانِعَ لَهُم مِنَ الإِيمَانِ وَلَا مِنَ التَّوبَةِ وَالِاستِغفَارِ بِالإِسلَامِ وَالتَّخلِيَةُ حَاصِلَةٌ وَالأَعذَارُ زَائِلَةٌ فَلِمَاذَا لَم يُقدِمُوا عَلَى الإِيمَان.
(وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ)
تَأكِيدٌ لِيُؤمِنُوا، أَي وَيَدخُلُوا فِي الإِسلَامِ لِيُغفَرَ لَهُم لِأَنَّ استِغفَارَ الكَافِرِ هُوَ دُخُولُهُ فِي الإِسلَامِ([4]).
وَلَكِن مَا مَنَعَ هَؤُلَاءِ الكُفَّارَ مُشرِكِي مَكَّةَ عَنِ الدُّخُولِ فِي الإِسلَامِ
(إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ)
إِلَّا انتِظَارَ أَن تَأتِيَهُم سُنَّةُ الأَّوَّلِينَ وَهِيَ الإِهلَاكُ.
(أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ)
أَوِ انتِظَارَ أَن يَأتِيَهُمُ العَذَابُ أَي عَذَابُ الآخِرَةِ.
(قُبُلًا)
جَمعُ قَبِيلٍ، وَقُرِئَ (قِبَلًا) أَي عِيَانًا، وَالمَعنَى أَنَّهُم لَا يُقدِمُونَ عَلَى الإِيمَانِ إِلَّا عِندَ نُزُولِ عَذَابِ الِاستِئصَالِ فَيَهلِكُوا، أَو أَن يَتَوَاصَلَ أَنوَاعُ العَذَابِ وَالبَلَاءِ حَالَ بَقَائِهِم فِي الحَيَاةِ الدُّنيَا، ثُمَّ بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ إِنَّمَا أَرسَلَ الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ بِالثَّوَابِ عَلَى الطَّاعَةِ وَمُنذِرِينَ بِالعِقَابِ عَلَى المَعصِيَةِ لِكَي يُؤمِنُوا طَوعًا، وَبَيَّنَ مَعَ هَذِهِ الأَحوَالِ أَنَّهُ يُوجَدُ مِنَ الكُفَّارِ المُجَادَلَةُ بِالبَاطِلِ لِغَرَضِ دَحضِ الحَقِّ، وَبَيَّنَ تَعَالَى أَيضًا أَنَّهُمُ اتَّخَذُوا آيَاتِ اللهِ وَهِيَ القُرآنُ وَإِنذَارَاتُ الأَنبِيَاءِ هُزُوًا، وَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى استِيلَاءِ الجَهلِ وَالقَسوَةِ.
(وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنذِرُوا هُزُوًا) (56)
(وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ)
هُوَ قَولُهُم لِلرُّسُلِ مَا أَنتُم إِلَّا بَشَرٌ مِثلُنَا وَلَو شَاءَ اللهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً وَنَحوُ ذَلِكَ (لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ)
لِيُزِيلُوا وَيُبطِلُوا بِالجِدَالِ النُّبُوَّةَ.
(وَاتَّخَذُوا آيَاتِي)
أَيِ القُرآنَ.
(وَمَا أُنذِرُوا)
أَي وَمَا أُنذِرُوهُ مِنَ العِقَابِ.
(هُزُوًا)
مَوضِعَ استِهزَاءٍ، وَقُرِئَ بِسُكُونِ الزَّايِ وَالهَمزَةِ.
(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ۚ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۖ وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا) (57)
وَاعلَم أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا حَكَى عَنِ الكُفَّارِ جِدَالَهُم بِالبَاطِلِ وَصَفَهُم بَعدَهُ بِالصِّفَاتِ المُوجِبَةِ لِلخِزيِ وَالخِذلَانِ، الصِّفَةُ الأُولُى.
(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ)
أَي لَا أَحَدَ أَظلَمُ مِمَّن وُعِظَ بِالقُرآنِ.
(فَأَعْرَضَ عَنْهَا)
فَلَم يَتَذَكَّر حِينَ ذُكِّرَ وَلَم يَتَدَبَّر.
(وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ)
عَاقِبَةَ مَا قَدَّمَت يَدَاهُ مِنَ الكُفرِ وَالمَعَاصِي غَيرَ مُتَفَكِّرٍ فِيهَا وَلَا نَاظِرٍ فِي أَنَّ المُسِيءَ وَالمُحسِنَ لَا بُدَّ لَهُمَا مِن جَزَاءٍ، ثُمَّ عَلَّلَ إِعرَاضَهُم وَنِسيَانَهُم بِأَنَّهُم مَطبُوعٌ عَلَى قُلُوبِهِم، وَهَذِهِ هِيَ الصِّفَةُ الثَّانِيَةُ بِقَولِهِ
(إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً)
أَغطِيَةً جَمعُ كِنَانٍ وَهُوَ الغِطَاءُ.
(أَن يَفْقَهُوهُ)
أَي تَمنَعُهُم مِن أَن يَفهَمُوا القُرآنَ عَلَى وَجهِهِ وَيُؤمِنُوا بِهِ.
(وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا)
ثِقَلًا عَنِ استِمَاعِ الحَقِّ يَمنَعُهُم مِن سَمَاعِهِ سَمَاعَ قَبُولٍ وَانتِفَاعٍ.
(وَإِن تَدْعُهُمْ)
يَا مُحَمَّدُ.
(إِلَى الْهُدَىٰ)
إِلَى الإِيمَانِ وَالقُرآنِ.
(فَلَن يَهْتَدُوا)
فَلَا يَكُونُ مِنهُمُ اهتِدَاءٌ أَلبَتَّةَ.
(إِذًا أَبَدًا )
مُدَّةَ التَّكلِيفِ كُلَّهَا، وَدَلَّتِ الآيَاتُ الكَرِيمَةُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَهتَدِي إِلَّا مَن هَدَاهُ اللهُ وَلَا يَضِلُّ إِلَّا مَن أَضَلَّهُ اللهُ، فَاللهُ تَعَالَى يَهدِي مَن يَشَاءُ وَيُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى قَد أَمَرَ الجَمِيعَ بِالإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ، لَكِنَّهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى جَعَلَهُم فَرِيقَينِ، فَرِيقًا مُؤمِنًا وَفَرِيقًا كَافِرًا: (فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4)ﱠ([5]).
(وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ ۖ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ ۚ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلًا )(58)
(وَرَبُّكَ)
أَي يَا مُحَمَّدُ هُوَ.
(الْغَفُورُ)
الوَاسِعُ المَغفِرَةِ.
(ذُو الرَّحْمَةِ)
المُتَّصِفُ بِالرَّحمَةِ.
(لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا)
لَو شَاءَ أَن يُعَجِّلَ لِلكُفَّارِ العُقُوبَةَ فِي الدُّنيَا بِسَبَبِ ذُنُوبِهِم، وَأَشَدُّ تِلكَ الذُّنُوبِ الكُفرُ بِاللهِ.
(لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ)
فِي الدُّنيَا مَعَ مَا يُدَّخَرُ لَهُم مِنَ العَذَابِ الشَّدِيدِ الأَبَدِيِّ فِي الآخِرَةِ، وَلَكِنَّهُ لَم يُعَجِّل لَهُمُ العُقُوبَةُ.
(بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ)
وَهُوَ إِمَّا يَومُ القِيَامَةِ فَيُؤَخَّرُ عَذَابُهُم إِلَيهِ أَو يَومُ بَدرٍ فَيُعَجَّلُ لَهُمُ العَذَابُ فِي الدُّنيَا.
(لَّن يَجِدُوا مِن دُونِهِ)
أَي مِن دُونِ مَوعِدِ ذَلِكَ العَذَابِ.
(مَوْئِلًا )
مَنجًى وَمَلجَأً حِينَ يَجِيءُ المَوعِدُ وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الكَافِرَ لَا يَرحَمُهُ اللهُ تَعَالَى فِي الآخِرَةِ.
(وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا )(59)
(وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ)
وَالمَعنَى وَتِلكَ أَصحَابُ القُرَى أَهلَكنَاهُم، وَالمُرَادُ قَومُ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودٍ.
(لَمَّا ظَلَمُوا)
مِثلَ ظُلمِ أَهلِ مَكَّةَ.
(وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا)
أَي وَضَرَبنَا لِإِهلَاكِهِم وَقتًا مَعلُومًا لَا يَتَأَخَّرُونَ عَنهُ كَمَا ضَرَبنَا لِأَهلِ مَكَّةَ يَومَ بَدرٍ، وَالمَهلِكُ الِإهلَاكُ أَو وَقتُهُ، وَقُرِئَ (لِمَهلَكِهِم) بِفَتحِ المِيمِ وَاللَّامِ، وَالمُرَادُ أَنَّا عَجَّلنَا هَلَاكَهُم وَمَعَ ذَلِكَ لَم نَدَع أَن نَضرِبَ لَهُ وَقتًا لِيَكُونُوا إِلَى التَّوبَةِ أَقرَبَ.
قِصَّةُ مُوسَى وَالخَضِرِ عَلَيهِمَا السَّلَامُ([6])
وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (60)
(وَإِذْ)
وَاذكُر إِذ.
(قَالَ مُوسَىٰ)
وَهَذَا ابتِدَاءُ قِصَّةٍ ثَالِثَةٍ ذَكَرَهَا اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَهِيَ أَنَّ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ([7]) ذَهَبَ إِلَى الخَضِرِ عَلَيهِ السَّلَامُ لِيَتَعَلَّمَ مِنهُ العِلمَ، وَهَذَا وَإِن كَانَ كَلَامًا مُستَقِلًّا فِي نَفسِهِ إِلَّا أَنَّهُ يُعِينُ عَلَى مَا هُوَ المَقصُودُ فِي القِصَّتَينِ السَّابِقَتَينِ، أَمَّا نَفعُ هَذِهِ القِصَّةِ فِي الرَّدِّ عَلَى الكُفَّارِ الَّذِينَ افتَخَرُوا عَلَى فُقَرَاءِ المُسلِمِينَ بِكَثرَةِ الأَموَالِ وَالأَنصَارِ فَهُوَ أَنَّ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ مَعَ كَثرَةِ عِلمِهِ وَعَمَلِهِ وَعُلُوِّ مَنصِبِهِ وَاستِجمَاعِ مُوجِبَاتِ الشَّرَفِ التَّامِّ فِي حَقِّهِ ذَهَبَ إِلَى الخَضِرِ عَلَيهِ السَّلَامُ لِطَلَبِ العِلمِ وَتَوَاضَعَ لَهُ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّوَاضُعَ خَيرٌ مِنَ التَّكَبُّرِ، وَأَمَّا نَفعُ هَذِهِ القِصَّةِ فِي قِصَّةِ أَصحَابِ الكَهفِ فَهُوَ أَنَّ اليَهُودَ قَالُوا لِكُفَّارِ مَكَّةَ إِن أَخبَرَكُم مُحَمَّدٌ عَن هَذِهِ القِصَّةِ فَهُوَ نَبِيٌّ وَإِلَّا فَلَا، وَهَذَا لَيسَ بِشَيءٍ لِأَنَّهُ لَا يَلزَمُ مِن كَونِهِ نَبِيًّا مِن عِندِ اللهِ أَن يَكُونَ عَالِمًا بِجَمِيعِ القَصَصِ وَالوَقَائِعِ، كَمَا أَنَّ كَونَ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ نَبِيًّا صَادِقًا مُرسَلًا مِن عِندِ اللهِ لَم يَمنَع مِن أَمرِ اللهِ إِيَّاهُ بِأَن يَذهَبَ إِلَى الخَضِرِ لِيَتَعَلَّمَ مِنهُ، فَظَهَرَ مِمَّا ذَكَرنَا أَنَّ هَذِهِ القِصَّةَ قِصَّةٌ مُستَقِلَّةٌ بِنَفسِهَا وَمَعَ ذَلِكَ فَهِيَ نَافِعَةٌ فِي تَقرِيرِ المَقصُودِ فِي القِصَّتَينِ المُتَقَدِّمَتَينِ.
(لِفَتَاهُ)
هُوَ يُوشَعُ بنُ نُونٍ([8])، وَهُوَ أَوَّلُ أَنبِيَاءِ بَنِي إِسرَائِيلَ بَعدَ مُوسَى عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَكَانَ يَحكُمُ بِالتَّورَاةِ، وَإِنَّمَا قِيلَ فَتَاهُ لِأَنَّهُ كَانَ يَخدُمُهُ وَيَتبَعُهُ وَيَأخُذُ مِنهُ العِلمَ.
وَفِي تَفَاصِيلِ القِصَّةِ: رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا ظَهَرَ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ عَلَى مِصرَ مَعَ بَنِي إِسرَائِيلَ وَاستَقَرُّوا بِهَا بَعدَ هَلَاكِ القِبطِ سَأَلَ رَبَّهُ: أَيُّ عِبَادِكَ أَحَبُّ إِلَيكَ؟ قَالَ: الَّذِي يَذكُرُنِي وَلَا يَنسَانِي، قَالَ: فَأَيُّ عِبَادِكَ أَقضَى؟ قَالَ: الَّذِي يَقضِي بِالحَقِّ وَلَا يَتبَعُ الهَوَى، قَالَ: فَأَيُّ عِبَادِكَ أَعلَمُ؟ قَالَ: الَّذِي يَبتَغِي عِلمَ النَّاسِ إِلَى عِلمِهِ عَسَى أَن يُصِيبَ كَلِمَةً تَدُلُّهُ عَلَى هُدًى أَو تَرُدُّهُ عَنِ الرَّدَى، فَقَالَ: إِن كَانَ فِي عِبَادِكَ مَن هُوَ أَعلَمُ مِنِّي فَدُلَّنِي عَلَيهِ، قَالَ: أَعلَمُ مِنكَ الخَضِرُ، قَالَ: أَينَ أَطلُبُهُ؟ قَالَ: عَلَى السَّاحِلِ عِندَ الصَّخرَةِ، قَالَ: يَا رَبِّ كَيفَ لِي بِهِ؟ قَالَ: تَأخُذُ حُوتًا فِي مِكتَلٍ([9]) فَحَيثُ فَقَدتَهُ فَهُوَ هُنَاكَ، فَقَالَ لِفَتَاهُ: إِذَا فَقَدتَ الحُوتَ([10])فَأَخبِرنِي، فَذَهَبَا يَمشِيَانِ، فَرَقَدَ مُوسَى فَاضطَرَبَ الحُوتُ وَوَقَعَ فِي البَحرِ، فَلَمَّا جَاءَ وَقتُ الغَدَاءِ طَلَبَ مُوسَى الحُوتَ فَأَخبَرَهُ فَتَاهُ بِوُقُوعِهِ فِي البَحرِ، فَأَتَى الصَّخرَةَ فَإِذَا رَجُلٌ مُسَجًّى أَي مُغَطًّى بِثَوبِهِ فَسَلَّمَ عَلَيهِ مُوسَى فَرَدَّ عَلَيهِ السَّلَامَ، وَقَالَ: وَأَنَّى بِأَرضِكَ السَّلَامُ([11])فَعَرَّفَهُ نَفسَهُ، فَقَالَ مُوسَى: أَنَا عَلَى عِلمٍ عَلَّمَنِيهِ اللهُ لَا تَعلَمُهُ أَنتَ، وَأَنتَ عَلَى عِلمٍ عَلَّمَكَهُ اللهُ لَا أَعلَمُهُ أَنَا، وَفِي الحَدِيثِ: «بَينَا مُوسَى فِي مَلَأٍ مِن بَنِي إِسرَائِيلَ إِذ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: هَل تَعلَمُ أَحَدًا أَعلَمَ مِنكَ؟ قَالَ مُوسَى: لَا، فَأَوحَى اللهُ إِلَى مُوسَى: بَلَى، عَبدُنَا الخَضِرُ، فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَى لُقيَاهُ، فَجَعَلَ اللهُ لَهُ الحُوتَ آيَةً([12])».اهـ وَالخَضِرُ([13]) يَزِيدُ عَلَى مُوسَى بِعِلمِ الكُشُوفَاتِ، أَمَّا بِعِلمِ الشَّرِيعَةِ مُوسَى يَزِيدُ عَلَيهِ، ثُمَّ بَعدَ أَنِ اجتَمَعَا وَدَخَلَ السَّفِينَةَ قَالَ لَهُ الخَضِرُ هَذَا الكَلَامَ: “مَا عِلمِي وَعِلمُكَ هَذَا يَا مُوسَى فِي جَنبِ عِلمِ اللهِ إِلَّا كَمَا نَقَرَ هَذَا العُصفُورُ مِنَ البَحرِ”، مَعنَاهُ لَا نَعلَمُ مِن مَعلُومَاتِ اللهِ إِلَّا القَدرَ القَلِيلَ الَّذِي أَعطَانَا، وَالقَدرُ الَّذِي أَعطَانَا بِالنِّسبَةِ لِمَا لَم يُعطِنَا كَمَا أَصَابَ مِنقَارُ العُصفُورِ مِنَ المَاءِ حِينَ غَمَسَهُ فِي البَحرِ، وَلَمَّا مَرَّتِ السَّفِينَةُ بَعدَ حِينٍ بِدُونِ أَن يَغرَقَ أَحَدٌ مَرَّرَ الخَضِرُ يَدَهُ عَلَى مَكَانِ اللَّوحَينِ المَكسُورَينِ فَعَادَا كَمَا كَانَا بِإِذنِ اللهِ وَاستَبشَرَ بِهِ أَهلُ السَّفِينَةِ، ثُمَّ وَصَلَ إِلَى مُرَادِهِ فَنَزَلَ هُوَ وَمُوسَى ثُمَّ قَالَ لَهُ الخَضِرُ: يَا مُوسَى أَنتَ عَلَى عِلمٍ عَلَّمَكَهُ اللهُ لَا أَعلَمُهُ أَنَا، وَأَنَا عَلَى عِلمٍ عَلَّمَنِيهِ اللهُ لَا تَعلَمُهُ أَنتَ، ثُمَّ الخَضِرُ عَلَيهِ السَّلَامُ وَعَلَى مُوسَى وَعَلَى جَمِيعِ أَنبِيَاءِ اللهِ عَلَى التَّوَاضُعِ للهِ تَعَالَى، قَالَ: يَا مُوسَى أَنتَ عَلَى عِلمٍ عَلَّمَكَهُ اللهُ لَا أَعلَمُهُ، وَأَنا عَلَى عِلمٍ عَلَّمَنِيهِ اللهُ لَا تَعلَمُهُ أَنتَ، فَإِن قِيلَ كَيفَ يَتَّفِقُ هَذَا أَي كَلَامُ الخَضِرِ مَعَ مَا أَوحَى اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى مُوسَى “بَلَى عَبدُنَا الخَضِرُ”؟ لِأَنَّ هَذِهِ الجُملَةَ مَعنَاهَا الخَضِرُ أَعلَمُ مِنكَ يَا مُوسَى لَستَ أَنتَ أَعلَمَ النَّاسِ؟ فَالجَوَابُ أَن يُقَالَ: إِنَّ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ لَيسَت مَعلُومَاتُهُ بِكَثرَةِ مَعلُومَاتِ الخَضِرِ فِي كُلِّ الأُمُورِ وَإِن كَانَ مُوسَى أَفضَلَ مِنهُ دَرَجَةً عِندَ اللهِ، وَكَانَ الخَضِرُ لَا يَزِيدُ عَلَيهِ فِي العِلمِ الشَّرعِيِّ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِمَعرِفَةِ اللهِ مَعرِفَةِ أُمُورِ الحَلَالِ وَالحَرَامِ وَالحَسَنِ وَالقَبِيحِ، إِنَّمَايَزِيدُ الخَضِرُ عَلَى مُوسَى فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأَحوَالِ الكَائِنَات وَالمَخلُوقَاتِ، لِأَنَّ الخَضِرَ عَلَيهِ السَّلَامُ رُزِقَ مِنَ العُمُرِ مَا لَا يَعلَمُهُ أَحَدٌ مِنَ البَشَرِ إِلَّا اللهُ تَعَالَى، لِأَنَّهُ كَانَ قَبلَ مُوسَى بِزَمَانٍ، يُمكِنُ أَن يَكُونَ مَضَى عَلَيهِ قَبلَ مُوسَى أَلفُ سَنَةٍ أَو أَكثَرُ مِن أَلفٍ، اللهُ أَعلَمُ كَم كَانَ عُمُرُهُ حِينَ خُلِقَ مُوسَى، وَكَانَ عِندَهُ مِنَ المَعلُومَاتِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِأَحوَالِ المَخلُوقَاتِ مَا لَيسَ عِندَ مُوسَى فَبِهَذَا يُجمَعُ بَينَ قَولِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِمُوسَى: “بَلَى عَبدُنَا الخَضِرُ”، أَي عَبدُنَا الخَضِرُ أَعلَمُ مِنكَ أَي فِي بَعضِ الأَشيَاءِ، وَبَينَ قَولِ الخَضِرِ: “يَا مُوسَى أَنَا عَلَى عِلمٍ عَلَّمَنِيهِ اللهُ لَا تَعلَمُهُ أَنتَ وَأَنتَ عَلَى عِلمٍ عَلَّمَكَهُ اللهُ لَا أَعلَمُهُ أَنَا”، هَكَذَا يُجمَعُ بَينَ الجُملَتَينِ.
(لَا أَبْرَحُ)
لَا أَزَالُ.
(حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ)
المَعنَى لَا أَزَالُ أَسِيرُ حَتَّى أَبلُغَ مَجمَعَ البَحرَينِ، وَهُوَ المَكَانُ الَّذِي وُعِدَ فِيهِ مُوسَى لِقَاءَ الخَضِرِ عَلَيهِمَا السَّلَامُ، وَهُوَ مُلتَقَى بَحرِ فَارِسَ وَالرُّومِ وَسُمِّيَ خَضِرًا لِأَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَروَةٍ بَيضَاءَ فَاهتَزَّت خَضرَاءَ كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ([14]).
(أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا)
أو أَسِيرَ زَمَانًا طَوِيلًا، وَقِيلَ: ثَمَانُونَ سَنَةً.
([1]) ثَلَاثَةُ أَربَاعِ الحِزبِ (30).
([2]) [سُورَةُ النِّسَاءِ:29].
([3]) يَجِبُ الحَذَرُ مِن قَولِ بَعضِهِم وَالعِيَاذُ بِاللهِ “المَلَائِكَةُ أَعوَانُ اللهِ” وَكَذَلِكَ قَولُ بَعضِهِم عَنِ البَشَرِ “نَحنُ أَبنَاءُ اللهِ” وَكِلَا القَولَينِ كُفرٌ صَرِيحٌ، فَاللهُ تَعَالَى لَا يَحتَاجُ إِلَى أَحَدٍ، لَيسَ لَهُ مُعِينٌ وَلَا وَزِيرٌ وَلَا زَوجَةٌ وَلَا وَلَدٌ وَلَا وَالِدٌ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الكَافِرُونَ، فَاللهُ تَعَالَى غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ وَلَا يَحتَاجُ لِأَحَدٍ، وَهُوَ سُبحَانَهُ لَا يَنتَفِعُ بِطَاعَةِ الطَّائِعِينَ وَلَا يَنضَرُّ بِعِصيَانِ العَاصِينَ.
([4]) أَمَّا قَولُ (أَستَغفِرُ اللهَ) مِنَ الكَافِرِ فَلَا يَكُونُ مَقبُولًا عِندَ اللهِ تَعَالَى مِنهُ، بَل يَكُونُ وَالعِيَاذُ بِاللهِ مَعنَاهُ يَا رَبِّ اغفِر لِي مَعَ كَونِي لَا أَزَالُ كَافِرًا، فَاستِغفَارُ الكَافِرِ هُوَ دُخُولُهُ فِي الإِسلَامِ، نُطقُهُ بِالشَّهَادَتَينِ، وَالدُّخُولُ فِي الإِسلَامِ لَا يَكُونُ لِمَن كَانَ قَادِرًا مُتَمَكِّنًا مِنَ النُّطقِ إِلَّا بِأَن يَنطِقَ بِالشَّهَادَتَينِ، أَن يَقُولَ أَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، قَالَ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ: «أُمِرتُ أَن أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشهَدُوا أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُم وَأَموَالَهُم إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُم عَلَى اللهِ تَعَالَى».اهـ فَلَا يَكُونُ دُخُولُ الكَافِرِ فِي الإِسلَامِ بِالِاغتِسَالِ وَلَا بِأَدَاءِ صُورَةِ الصَّلَاةِ وَلَا بِأَن يَقُولَ أَستَغفِرُ اللهَ، بَل دُخُولُهُ فِي الإِسلَامِ يَكُونُ بِالشَّهَادَتَينِ، وَعَلَى هَذَا يُحمَلُ قَولُ اللهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَن نُوحٍ: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا)ﱠ[سُورَةُ نُوحٍ:10]، مَعنَاهُ يَا قَومِ أَسلِمُوا، ادخُلُوا فِي الإِسلَامِ.
([5]) [سُورَةُ إِبرَاهِيمَ:4].
([6]) أَفرَدَ الخَطِيبُ البَغدَادِيُّ فِي كِتَابِهِ “الرِّحلَةُ فِي طَلَبِ الحَدِيثِ” بَابًا سَمَّاهُ: بَابَ ذِكرِ رِحلَةِ نَبِيِّ اللَّهِ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَفَتَاهُ فِي طَلَبِ العِلمِ. وَسَاقَ الخَطِيبُ البَغدَادِيُّ حَدِيثَ مُوسَى مَعَ الخَضِرِ عَلَيهِمَا السَّلَامُ وَقَالَ بَعدَهُ: قَالَ بَعضُ أَهلِ العِلمِ: إَنَّ فِيمَا عَانَاهُ مُوسَى مِنَ الدَّأبِ وَالسَّفَرِ وَصَبَرَ عَلَيهِ مِنَ التَّوَاضُعِ لِلخَضِرِ بَعدَ مُعَانَاةِ قَصدِهِ مَعَ مَكَانَةِ مُوسَى عِندَ اللَّهِ وَمَوضِعِهِ مِن كَرَامَتِهِ وَشَرَفِ نُبُوَّتِهِ دِلَالَةً عَلَى ارتِفَاعِ قَدرِ العِلمِ، وَعُلُوِّ مَنزِلَةِ أَهلِهِ، وَحُسنِ التَّوَاضُعِ لِمَن يُلتَمَسُ مِنهُ وَيُؤخَذُ عَنهُ، فَلَمَّا أَظهَرَ مُوسَى الجِدَّ وَالِاجتِهَادَ وَالِانزِعَاجَ عَنِ الوَطَنِ وَالحِرصَ عَلَى الِاستِفَادَةِ مَعَ الِاعتِرَافِ بِالحَاجَةِ إِلَى أَن يَصِلَ مِنَ العِلمِ إِلَى مَا هُوَ غَائِبٌ عَنهُ دَلَّ عَلَى أَنَّهَ لَيسَ فِي الخَلقِ مَن يَعلُو عَلَى هَذِهِ الحَالِ، وَلَا يَكبُرُ عَنهَا، وَقَد رَحَلَ غَيرُ وَاحِدٍ مِن أَصحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الحَدِيثِ إِلَى البِلَادِ البَعِيدَةِ، وَعِدَّةٌ مِنَ التَّابِعِينَ بَعدَهُم.اهـ الرِّحلَةُ فِي طَلَبِ الحَدِيثِ، لِلخَطِيبِ البَغدَادِيِّ (ص102)، بِاختِصَارٍ بَسِيطٍ.
([7]) قُلتُ: أَمَّا مُوسَى عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَهُوَ مُوسَى بنُ عِمرَانَ صَاحِبُ المُعجِزَاتِ الظَّاهِرَةِ وَصَاحِبُ التَّورَاةِ، وَهُوَ نَبِيٌّ رَسُولٌ، وَهُوَ أَحَدُ أُولِي العَزمِ مِنَ الرُّسُلِ، وَهُوَ مِن سِبطِ لَاوِي ابنِ نَبِيِّ اللهِ يَعقُوبَ إِسرَائِيلَ عَلَيهِ السَّلَامُ، وَقَد أَنزَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَيهِ التَّورَاةَ كِتَابًا بِالعِبرَانِيَّةِ، وَالتَّورَاةُ الأَصلِيَّةُ فِيهَا الأَمرُ بِعِبَادَةِ اللهِ وَحدَهُ وَأَن لَا يُشرَكَ بِهِ شَيءٌ، وَفِيهَا ذِكرُ آخِرِ الأَنبِيَاءِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَأَنَّ مِن صِفَاتِهِ أَنَّهُ لَا يَجزِي السَّيِّئَةَ بِالسَّيِّئَةِ، بَل يَعفُو وَيَصفَحُ، وَفِيهَا مِثلُ بَعضِ مَا جَاءَ فِي القُرآنِ، فَقَد أَخرَجَ ابنُ الضُرَيسِ عَن كَعبِ الأَحبَارِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ فَاتِحَةَ التَّورَاةِ الأَصلِيَّةِ فَاتِحَةُ الأَنعَامِ (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) [سورة الأنعام:1]، وَفِي التَّورَاةِ الأَصلِيَّةِ أَيضًا حَدُّ الرَّجمِ فِي الزِّنَا، وَفِيهَا أَنَّ سَيِّدَنَا عِيسَى عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يُدفَنُ عِندَ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ، ثُمَّ حَرَّفَتِ اليَهُودُ التَّورَاةَ الصَّحِيحَةَ بَعدَ ذَلِكَ فَلَم تَعُد مَوجُودَةً فِي الأَرضِ بَعدَ ذَلِكَ، فَلَا يُسَمَّى مَا فِيهِ أَنَّ عُزَيرًا ابنُ اللهِ تَورَاةً، هَذَا لَيسَ مِنَ التَّورَاةِ، بَل هَذَا مُحَرَّفٌ، كَمَا أَنَّهُ لَا يُسَمَّى مَا فِيهِ أَنَّ عِيسَى ابنُ اللهِ إِنجِيلًا، بَل هَذَا مُحَرَّفٌ، فَكُلُّ الكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ فِيهَا تَوحِيدُ اللهِ تَعَالَى، وَلنَذكُر قَولَ اللهِ تَعَالَى: (إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ الإسلام) [سورة ءال عمران:19]، فَدِينُ الأَنبِيَاءِ هُوَ دِينٌ سَمَاوِيٌّ وَاحِدٌ وَهُوَ الإِسلَامُ وَلَيسَت أَديَانًا سَمَاوِيَّةً مُختَلِفَةً، قَالَ اللهُ تَعَالَى: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)[سورة ءال عمران:85].اهـ
([8]) يُوشَعُ بنُ نُون عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِن نَسلِ يَعقُوبَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَهُوَ نَبِيٌّ، وَلَهُ مَقَامٌ فِي الأُردُنِّ وَمَقَامٌ فِي المِنيَةِ فِي شَمَالِ لُبنَانَ، وَلَيسَ يَقِينًا أَنَّهُ مَدفُونٌ هُنَاكَ، وَقَد تَوَلَّى يُوشَعُ أَمرَ بَنِي إِسرَائِيلَ بَعدَ وَفَاةِ نَبِيِّ اللهِ مُوسَى عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَدَخَلَ بِبَنِي إِسرَائِيلَ بِلَادَ فِلَسطِينَ الَّتِي كَانُوا قَد وُعِدُوا بِهَا عَلَى لِسَانِ مُوسَى عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَدَخَلَ بِهِم بِلَادَ فِلَسطِينَ، وَقَامَ يُوشَعُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِأَمرِهِ إِلَى وَفَاتِهِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ تَوَلَّى أَمرَهُم قُضَاةٌ مِنهُم، وَبَقُوا عَلَى ذَلِكَ مُدَّةً طَوِيلَةً مِنَ الزَّمَنِ، وَفِي هَذِهِ الفَترَةِ دَبَّ إِلَى بَنِي إِسرَائِيلَ الوَهَنُ وَالضَّعفُ وَفَشَت فِيهِمُ المَعَاصِي وَالمُنكَرَاتُ وَدَخَلَتِ الوَثَنِيَّةُ وَعِبَادَةُ الأَوثَانِ وَالأَصنَامِ فِي صُفُوفِهِم، فَسَلَّطَ اللهُ تَعَالَى عَلَيهِمُ الأُمَمَ القَرِيبَةَ مِنهُم فَغَزَاهُمُ العَمَالِقَةُ وَالآرَامِيُّونَ وَغَيرُهُم.
([9]) هُوَ مِثلُ العُلبَةِ الكَبِيرَةِ، قَالَ ابنُ مَنظُورٍ: المِكتَل والمِكتَلَةُ: الزَّبِيلُ الَّذِي يُحمَلُ فِيهِ التَّمرُ أَوِ العِنَبُ إِِلَى الجَرِينِ، وَقِيلَ: المِكتَلُ شِبهُ الزَّبِيلِ يَسَعُ خَمسَةَ عَشَرَ صَاعًا.اهـ لِسَانُ العَرَبِ، لِجَمَالِ الدِّينِ ابنِ مَنظُورٍ (ج11 ص583). وَقَالَ: الزَّبِيلُ والزِّنبِيلُ: الجِرَابُ، وَقِيلَ الوِعَاءُ يُحمَلُ فِيهِ.اهـ لِسَانُ العَرَبِ، لِجَمَالِ الدِّينِ ابنِ مَنظُورٍ (ج11 ص300).
([10]) الحُوتُ اسمٌ لِكُلِّ السَّمَكِ الصَّغِيرِ مِنهَا وَالكَبِيرِ، قَالَ ابنُ مَنظُورٍ: الحُوتُ: السَّمَكَةُ، وَفِي المُحكَمِ: الحُوتُ: السَّمَكُ، مَعرُوفٌ، وَقِيلَ: هُوَ مَا عَظُمَ مِنهُ.اهـ لِسَانُ العَرَبِ، لِجَمَالِ الدِّينِ ابنِ مَنظُورٍ (ج2 ص26).
([11]) صَحَّ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ، وَمَعنَاهُ عَلَى مَا قَالَهُ بَعضُ الشُّرَّاحِ أَنَّهَا كَانَت بِلَادَ كُفرٍ.
([12]) صَحِيحُ البُخَارِيِّ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بنِ إِسمَاعِيلَ البُخَارِيِّ ـ كِتَابُ العِلمِ ـ بَابُ: مَا ذُكِرَ فِي ذَهَابِ مُوسَى ﷺ فِي البَحرِ إِلَى الخَضِرِ ـ رَقمُ الحَدِيثِ (74).
([13]) الخَضِرُ عَلَيهِ السَّلَامُ عَلَى القَولِ الرَّاجِحِ هُوَ نَبِيٌّ، وَقَالَ بَعضُ العُلَمَاءِ إِنَّهُ وَلِيٌّ فَقَط، ثُمَّ اختَلَفَ العُلَمَاءُ فِي الخَضِرِ هَل مَاتَ أَو لَم يَمُت، وَأَكثَرُ العُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ حَيٌّ بَعدُ لَم يَمُت، لَكِنَّهُ يَمُوتُ عِندَ رَفعِ القُرآنِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَبلَ قِيَامِ السَّاعَةِ، وَمِن أَصَحِّ الأَخبَارِ القَدِيمَةِ فِي إِثبَاتِ حَيَاةِ الخَضِرِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا رَوَاهُ يَعقُوبُ بنُ سُفيَانَ فِي تَارِيخِهِ مِن طَرِيقِ رِيَاحِ بنِ عُبَيدَةَ البَاهِلِيِّ قَالَ: رَأَيتُ رَجُلًا يُمَاشِي عُمَرَ بنَ عَبدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فَسَأَلَهُ عَنهُ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إِنِّي لَا أُرَاكَ إِلَّا رَجُلًا صَالِحًا، ذَاكَ أَخِي الخَضِرُ، بَشَّرَنِي أَنِّي سَأَلِي وَأَعدِلُ، قَالَ الحَافِظُ العَسقَلَانِيُّ فِي “الإِصَابَةِ”: قُلتُ: هَذَا أَصلَحُ إِسنَادٍ وَقَفتُ عَلَيهِ فِي هَذَا البَابِ، ثُمَّ سَاقَ الحَافِظُ أَسَانِيدَ أُخرَى وَقَالَ: قَالَ أَبُو عَبدِ الرَّحمَنِ السُّلَمِيُّ فِي تَصنِيفِهِ: سَمِعتُ مُحَمَّدَ بنَ عَبدِ اللهِ الرَّازِيَّ يَقُولُ: سَمِعتُ بِلَالًا الخَوَّاصَ يَقُولُ كُنتُ فِي تِيهِ بَنِي إِسرَائِيلَ، فَإِذَا رَجُلٌ يُمَاشِينِي فَتَعَجَّبتُ ثُمَّ أُلهِمتُ أَنَّهُ الخَضِرُ فَقُلتُ: بِحَقِّ الحَقِّ مَن أَنتَ؟ قَالَ: أَنَا أَخُوكَ الخَضِرُ، فَقُلتُ: مَا تَقُولُ فِي الشَّافِعِيِّ؟ قَالَ: مِنَ الأَبدَالِ، قُلتُ: فَأَحمَدُ بنُ حَنبَلٍ؟ قَالَ: صِدِّيقٌ، قُلتُ: فَبِشرُ بنُ الحَارِثِ؟ قَالَ لَم يُخَلِّف بَعدَهُ مِثلَهُ، قُلتُ: بِأَيِّ وَسِيلَةٍ رَأَيتُكَ؟ قَالَ: بِبِرِّكَ لِأُمِّكَ.اهـ الإِصَابَةُ فِي تَميِيزِ الصَّحَابَةِ، لِابنِ حَجَرٍ العَسقَلَانِيِّ (ج2 ص278-279).
([14]) رَوَى البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: “إِنَّمَا سُمِّيَ الخَضِرَ أَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَروَةٍ بَيضَاءَ فَإِذَا هِيَ تَهتَزُّ مِن خَلفِهِ خَضرَاءَ“.اهـ صَحِيحُ البُخَارِيِّ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بنِ إِسمَاعِيلَ البُخَارِيِّ ـ كِتَابُ الأَنبِيَاءِ ـ بَابُ حَدِيثِ الخَضِرِ مَعَ مُوسَى عَلَيهِمَا السَّلَامُ ـ رَقمُ الحَدِيثِ (3221).