(الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَن ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا) (101)
(الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ)
فِي الدُّنيَا.
(فِي غِطَاءٍ)
أَي غِشَاءٍ وَسِترٍ([1]).
(عَن ذِكْرِي)
عَن آيَاتِي الَّتِي يُنظَرُ إِلَيهَا، أَو عَنِ القُرآنِ وَتَأَمُّلِ مَعَانِيهِ.
(وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا)
أَي وَكَانُوا صُمًّا عَنهُ إِلَّا أَنَّهُ أَبلَغُ، إِذِ الأَصَمُّ قَد يَستَطِيعُ السَّمعَ إِذَا صِيحَ بِهِ، وَهَؤُلَاءِ كَأَنَّهُم أُصمِيَت أَسمَاعُهُم فَلَا استِطَاعَةَ بِهِم لِلسَّمعِ.
(أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِن دُونِي أَوْلِيَاءَ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا) (102)
(أَفَحَسِبَ)
أَي أَفَظَنَّ.
(الَّذِينَ كَفَرُوا أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِي)
عِيسَى وَالمَلَائكَةَ وَعُزَيرًا.
(مِن دُونِي أَوْلِيَاءَ)
أَي أَيَزعُمُونَهُم أَربَابًا لَهُم مَعَ أَنَّ اللهَ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ، لَن يَنفَعَهُم أَن يَتَّخِذُوا عِبَادًا للهِ أَولِيَاءَ لَهُم مِن دُونِ اللهِ، بِئسَ مَا ظَنُّوا، وَهَذَا الِاستِفهَامُ عَلَى سَبِيلِ التَّوبِيخِ، فَإِنَّهُم كَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّهُم يَنتَفِعُونَ بِمَا عَبَدُوهُ مَعَ إِعرَاضِهِم عَن تَدَبُّرِ الآيَاتِ وَتَمَرُّدِهِم عَن قَبُولِ الحَقِّ.
(إِنَّا أَعْتَدْنَا)
أَي هَيَّأنَا.
(جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا)
وَهُوَ مَا يُقَامُ لِلنَّزِيلِ وَهُوَ الضَّيفُ.
(قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا) (103)
(قُلْ)
أَي يَا مُحَمَّدُ لِلَّذِينَ يُجَادِلُونَكَ بِالبَاطِلِ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى أَو كُفَّارِ العَرَبِ وَغَيرِهِم.
(هَلْ نُنَبِّئُكُم)
أَي نُخبِرُكُم.
(بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا)
وَإِنَّمَا جَمَعَ وَالقِيَاسُ أَن يَكُونَ مُفرَدًا لِتَنَوُّعِ الأَهوَاءِ وَهُم أَهلُ الكِتَابِ أَوِ الرُّهبَانُ، فَالكُفَّارُ هُم أَخسَرُ النَّاسِ.
(الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) (104)
(الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ)
ضَاعَ وَبَطَلَ
(فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)
لَم يَكُن لَهُم حَسَنَةٌ يَومَ القِيَامَةِ.
(وَهُمْ)
مِن جَهلِهِم بِحَالِهِم.
(يَحْسَبُونَ)
أَي يَظُنُّونَ.
(أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)
أَي يَأتُونَ بِالعَمَلِ عَلَى الوَجهِ المَقبُولِ الحَسَنِ لِيَنتَفِعُوا بِأَثَرِهِ وَلَا يَدرُونَ أَنَّهُ هَبَاءٌ مَنثُورٌ لَا حَسَنَاتِ لَهُم، وَذَلِكَ أَنَّ العَمَلَ الصَّالِحَ لَا يَكُونُ مَقبُولًا عِندَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا مِنَ المُؤمِنِينَ، قَالَ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي هَذِهِ الآيَةِ: “إِنَّهَا تَعنِي أَصحَابَ الصَّوَامِعِ النَّصَارَى الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم يُحسِنُونَ العَمَلَ وَهُم لَيسَ لَهُم فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ لِكَونِهِم عَبَدُوا غَيرَ اللهِ”.اهـ أَي تَذَلَّلُوا لِغَيرِ اللهِ غَايَةَ التَّذَلُّلِ. وَقَد سَرَدَ الإِمَامُ المُجتَهِدُ مُحَمَّدُ بنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَقوَالًا فِي مَعنَى الأَخسَرِينَ أَعمَالًا ثُمَّ قَالَ: وَالصَّوَابُ مِنَ القَولِ فِي ذَلِكَ عِندَنَا أَن يُقَالَ: إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ عَنَى بِقَولِهِ: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) كُلَّ عَامِلٍ عَمَلًا يَحسَبُ أَنَّهُ فِيهِ مُصِيبٌ وَأَنَّهُ للهِ بِفِعلِهِ ذَلِكَ مُطِيعٌ مُرضٍ، وَهُوَ بِفِعلِهِ ذَلِكَ للهِ مُسخِطٌ وَعَن طَرِيقِ أَهلِ الإِيمَانِ بِهِ جَائِرٌ، كَالرَّهَابِنَةِ وَالشَّمَامِسَةِ([2]) وَأَمثَالِهِم مِن أَهلِ الِاجتِهَادِ فِي ضَلَالَتِهِم، وَهُم مَعَ ذَلِكَ مِن فِعلِهِم وَاجتِهَادِهِم بِاللهِ كَفَرَةٌ مِن أَهلِ أَيِّ دِينٍ كَانُوا، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا مِن أَدَلِّ الدَّلَائِلِ عَلَى خَطَأِ قَولِ مَن زَعَمَ أَنَّهُ لَا يَكفُرُ بِاللهِ أَحَدٌ إِلَّا مِن حَيثُ يَقصِدُ إِلَى الكُفرِ بَعدَ العِلمِ بِوَحدَانِيَّتِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى ذِكرُهُ أَخبَرَ عَن هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُم فِي هَذِهِ الآيَةِ أَنَّ سَعيَهُمُ الَّذِي سَعَوا فِي الدُّنيَا ذَهَبَ ضَلَالًا وَقَد كَانُوا يَحسَبُونَ أَنَّهُم مُحسِنُونَ فِي صُنعِهِم ذَلِكَ، وَأَخبَرَ عَنهُم أَنَّهُم هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِم، وَلَو كَانَ القَولُ كَمَا قَالَ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُ لَا يَكفُرُ بِاللهِ أَحَدٌ إِلَّا مِن حَيثُ يَعلَمُ لَوَجَبَ أَن يَكُونَ هَؤُلَاءِ القَومُ فِي عَمَلِهِمُ الَّذِي أَخبَرَ اللهُ عَنهُم أَنَّهُم كَانُوا يَحسَبُونَ فِيهِ أَنَّهُم يُحسِنُونَ صَنعَةً كَانُوا مُثَابِينَ مَأجُورِينَ عَلَيهَا، وَلَكِنَّ القَولَ بِخِلَافِ مَا قَالُوا، فَأَخبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنهُم أَنَّهُم بِاللهِ كَفَرَةٌ وَأَنَّ أَعمَالَهُم حَابِطَةٌ. انتَهَى كَلَامُ الطَّبَرِيِّ([3])([4])
(أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا) (105)
(أُولَٰئِكَ)
أَيِ الكُفَّارُ الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللهُ بِالأَخسَرِينَ أَعمَالًا.
(الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ)
أَي بِدَلَائِلِ التَّوحِيدِ مِنَ القُرآنِ وَغَيرِهِ.
(وَلِقَائِهِ)
أَي لِقَاءِ حِسَابِهِ بَعدَ البَعثِ يَومَ القِيَامَةِ وَلِقَاءِ جَزَائِهِ المَوعُودِ، وَهُوَ الجَنَّةُ لِلمُؤمِنِينَ وَالنَّارُ لِلكَافِرِينَ، وَلَا يَجُوزُ حَملُ اللِّقَاءِ فِي الآيَةِ عَلَى مَعنَى المُقَابَلَةِ بَينَ اللهِ وَبَينَ العَبدِ لِمَا فِيهِ مِن نِسبَةِ الجِهَةِ للهِ تَنَزَّهَ اللهُ عَن ذَلِكَ تَنَزُّهًا عَظِيمًا، فَإِن قِيلَ إِنَّ بَعضَ هَؤُلَاءِ مُصَدِّقُونَ بِيَومِ البَعثِ غَيرَ أَنَّهُم يَعتَقِدُونَ خِلَافَ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فِي بَعضِ أُصُولِ الإِيمَانِ فَكَيفَ عُدُّوا كَافِرِينَ بِلِقَاءِ الجَزَاءِ؟ فَالجَوَابُ: أَنَّهُم يَعتَقِدُونَ الجَزَاءَ كَائِنًا عَلَى وَفقِ مَا يَظُنُّونَ خِلَافًا لِمَا هُوَ الحَقُّ، أَلَا تَرَى أَنَّهُم يَظُنُّونَ أَنَّ جَزَاءَ مِثلِهِمُ الجَنَّةُ؟ فَقَلَبُوا حَقِيقَةَ الجَزَاءِ مِن حَيثُ لَا يَشعُرُونَ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَم يُعذَرُوا فِي شَيءٍ مِن ذَلِكَ، وَقِيلَ: إِنَّ المُرَادَ بِلِقَاءِ اللهِ رُؤيَتُهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى فِي الجَنَّةِ مِنَ المُؤمِنِينَ بِلَا كَيفٍ وَلَا جِهَةٍ وَلَا مَسَافَةٍ، وَهَذَا فِيهِ إِثبَاتُ أَنَّ رُؤيَةَ اللهِ تَعَالَى فِي الآخِرَةِ حَقٌّ.
(فَحَبِطَتْ)
أَي فَبَطَلَت بِسَبَبِ كُفرِهِم.
(أَعْمَالُهُمْ)
أَيِ الَّتِي عَمِلُوهَا حُبُوطًا كُلِّيًا، مَعنَاهُ: لَا ثَوَابَ لَهُم فِي شَيءٍ مِن أَعمَالِهِم، بَل تُملَأُ لَهُم يَومَ القِيَامَةِ كَفَّةُ السَّيِّئَاتِ بِمَا اكتَسَبُوا مِن كُفرٍ وَإِثمٍ وَلَيسَ لَهُم حَسَنَةٌ وَاحِدَةٌ فَتَكُونُ كَفَّةُ السَّيِّئَاتِ هِيَ الرَّاجِحَةُ، وَمَا دَامُوا كَذَلِكَ.
(فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ)
أَي فَلَا نَجعَلُ لَهُم.
(يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا)
أَي فَلَا يَكُونُ لَهُم عِندَنَا وَزنٌ وَمِقدَارٌ، رَوَى الشَّيخَانِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّهُ لَيَأتِي الرَّجُلُ العَظِيمُ السَّمِينُ يَومَ القِيَامَةِ لَا يَزِنُ عِندَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، اقرَؤُوا )فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105)([5])».اهـ
ذَٰلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (106)
(ذَٰلِكَ)
أَي ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرنَاهُ وَفَصَّلنَاهُ مِن أَنوَاعِ الوَعِيدِ.
(جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ)
هُوَ جَزَاؤُهُم عَلَى أَعمَالِهِمُ البَاطِلَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّ ذَلِكَ الجَزَاءَ جَزَاءٌ عَلَى مَجمُوعِ أَمرَينِ.
(بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا )
فَأَضَافُوا إِلَى الكُفرِ أَنِ اتَّخَذُوا آيَاتِ اللهِ وَاتَّخَذُوا رُسُلَهُ هُزُوًا فَلَم يَنتَهُوا عِندَ حَدِّ الكُفرِ بِالآيَاتِ وَالرُّسُلِ، بَلِ ازدَادُوا كُفرًا فَوقَ كُفرِهِم بِاستِهزَائِهِم بِمَا عَظَّمَ اللهُ، وَلَمَّا ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى الوَعِيدَ لِلكُفَّارِ أَتبَعَهُ بِالوَعدِ لِلمُؤمِنِينَ، وَلَمَّا ذُكِرَ فِي الكُفَّارِ أَنَّ جَهَنَّمَ نُزُلُهُم أَتبَعَهُ بِذِكرِ مَا يُرَغِّبُ فِي الإِيمَانِ وَالعَمَلِ الصَّالِحِ.
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا) (107)
أَي مُنزَلًا وَمُستَقَرًّا حَالَ كَونِهِم.
(خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا )(108)
(خَالِدِينَ فِيهَا)
مُنَعَّمِينَ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ.
(لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا)
تَحَوُّلًا إِلَى غَيرِهَا رِضًى بِمَا أُعطُوا، يُقَالُ حَالَ مِن مَكَانِهِ حِوَلًا، أَي لَا مَزِيدَ عَلَيهَا حَتَّى تُنَازِعَهُم أَنفُسُهُم إِلَى أَجمَعَ لِأَغرَاضِهِم وَأَمَانِيِّهِم، وَهَذِهِ غَايَةُ الوَصفِ، لِأَنَّ الإِنسَانَ فِي الدُّنيَا فِي أَيِّ نَعِيمٍ كَانَ فَهُوَ طَامِحٌ مَائِلُ الطَّرفِ إِلَى أَرفَعَ مِنهُ، أَوِ المُرَادُ نَفيُ التَّحَوُّلِ وَتَأكِيدُ الخُلُودِ، فَكُلٌّ مِن أَهلِ الجَنَّةِ رَاضٍ بِمُقَامِهِ فِيهَا لَا يَمَلُّ مِن طُولِ مُقَامِهِ وَلَا يَستَقِلُّ مَا هُوَ فِيهِ مِنَ النِّعَمِ فِي تِلكَ الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ الدَّائِمَةِ([6]) قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ قَالَتِ اليَهُودُ لَمَّا قَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: (وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) ([7]). قَالُوا: وَكَيفَ وَقَد أُوتِينَا التَّورَاةَ، وَمَن أُوتِيَ التَّورَاةَ فَقَد أُوتِيَ خَيرًا كَثِيرًا؟
(قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا) (109)
(قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي).
وَقِيلَ: قَالَتِ اليَهُودُ إِنَّكَ أُوتِيتَ الحِكمَةَ، وَمَن أُوتِيَ الحِكمَةَ فَقَد أُوتِيَ خَيرًا كَثِيرًا، ثُمَّ زَعَمتَ أَنَّكَ لَا عِلمَ لَكَ بِالرُّوحِ، فَأَنزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ، وَالمَعنَى قُل لَهُم يَا مُحَمَّدُ لَو كَانَ مَاءُ البَحرِ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي، قَالَ أَبُو عُبَيدَةَ: المِدَادُ مَا يُكتَبُ بِهِ، وَالمُرَادُ بِالبَحرِ الجِنسُ، أَي لَو فُرِضَ البَحرُ مِدَادًا أَي حِبرًا يُستَمَدُّ لِكِتَابَةِ مَا يَدُلُّ أَي يُعَبِّرُ عَن كَلَامِ اللهِ الذَّاتِيِّ الأَزَلِيِّ الَّذِي هُوَ صِفَةٌ لَهُ، وَكَلَامُهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وَاحِدٌ لَيسَ حَرفًا وَلَا صَوتًا وَلَا مُبتَدَأً وَلَا مُختَتَمًا وَلَا مُتَبَعِّضًا وَلَا مُتَجَزِّئًا وَلَا مُتَعَاقِبًا.
(لِّكَلِمَاتِ)
لَيسَ لِأَنَّ كَلَامَ اللهِ مُتَعَدِّدٌ بَل هُوَ كَلَامٌ وَاحِدٌ خَبَرٌ وَوَعدٌ وَوَعِيدٌ وَأَمرٌ وَنَهيٌ، وَإِنَّمَا عُبِّرَ عَنهُ هُنَا بِالكَلِمَاتِ لِلتَّعظِيمِ، لَيسَ لِأَنَّهُ مُتَعَدِّدٌ، بَل عِلمُهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وَاحِدٌ وَقُدرَتُهُ وَاحِدَةٌ وَكُلُّ صِفَاتِهِ لَيسَت مُتَجَزِّئَةً وَلَا مُتَبَعِّضَةً.
(لَنَفِدَ الْبَحْرُ)
أَي مَاؤُهُ المَفرُوضُ حِبرًا لِكِتَابَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى كَلَامِ اللهِ الذَّاتِيِّ.
(قَبْلَ أَن تَنفَدَ)
أَي وَلَا تَنفَدُ.
(كَلِمَاتُ رَبِّي)
أَي لَا يَفنَى كَلَامُ اللهِ الذَّاتِيُّ الوَاحِدُ الَّذِي هُوَ صِفَتُهُ، وَالبَحرُ المَفرُوضُ حِبرًا يَنفَدُ لَو كُتِبَ بِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى كَلَامِ اللهِ الذَّاتِيِّ.
(وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ)
أَي بِبَحرٍ مِثلِ الأَوَّلِ.
(مَدَدًا)
أَي حِبرًا يُكتَبُ بِهِ، لِأَنَّ كَلَامَ اللهِ الَّذِي هُوَ صِفَتُهُ الذَّاتِيَّةُ لَا حَصرَ لَهُ وَلَا انقِضَاءَ([8])، وَالبِحَارُ المَفرُوضَةُ مِنَ المِدَادِ لِلكِتَابَةِ مَحدُودَةٌ مَحصُورَةٌ كَسَائِرِ الأَجسَامِ، لِأَنَّ لَهَا قَدرًا مُتَنَاهِيًا، أَمَّا صِفَةُ الكَلَامِ للهِ فَأَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ كَسَائِرِ صِفَاتِ اللهِ لَا يُحِيطُ بِهَا مَخلُوقٌ، وَمِن بَابِ أَولَى أَن يُقَالَ: إِنَّهُ لَا أَحَدَ يُحِيطُ بِمَعلُومَاتِ اللهِ، وَكُلُّ مَعلُومَاتِنَا بِالنِّسبَةِ لِعِلمِ اللهِ كَلَا شَيءَ، وَدَلِيلُهُ: (وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) ([9])، فَلَيسَ التَّورَاةُ مُحِيطًا بِجَمِيعِ المَعلُومَاتِ، فَهَذَا أَمرُ الرُّوحِ مِنَ المَعلُومَاتِ الَّتِي لَم يُطلِعِ اللهُ عَلَيهَا أَحَدًا وَلَم يُنزِلهَا فِي كِتَابٍ عَلَى نَبِيٍّ مِن أَنبِيَائِهِ فَذَلِكَ الجَوَابُ عَلَى اليَهُودِ المُتَعَنِّتِينَ وَأَمثَالِهِم، قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: قَالَتِ اليَهُودُ لَمَّا قَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: ( وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا)([10]): كَيفَ وَقَد أُوتِينَا التَّورَاةَ، وَمَن أُوتِيَ التَّورَاةَ فَقَد أُوتِيَ خَيرًا كَثِيرًا؟ فَنَزَلَت: (قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي) الآيَةَ.
(قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) (110)
(قُلْ)
قُل لِهَؤُلَاءِ المُشرِكِينَ يَا مُحَمَّدُ.
(إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ)
مِن بَنِي آدَمَ لَا عِلمَ لِي إِلَّا مَا عَلَّمَنِي اللهُ([11]).
(يُوحَىٰ إِلَيَّ).
أَي خُصِّصتُ بِالوَحيِ وَأَكرَمَنِي اللهُ بِهِ، وَمِن جُملَةِ مَا أَوحَى إِلَيَّ أَن أُبَلِّغَكُم. (أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ)
أَي خَالِقُكُم وَبَارِئُكُم إِلَهٌ وُاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي مُلكِهِ، وَهُوَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ الَّذِي يَجِبُ عَلَيكُم أَن تَعبُدُوهُ وَلَا تُشرِكُوا بِهِ شَيئًا([12]).
(فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ).
أَي فَمَن كَانَ يَأمُلُ حُسنَ لِقَاءِ رَبِّهِ وَأَن يَلقَاهُ لِقَاءَ رِضًى وَقَبُولٍ، وَقَالَ سَعِيدُ بنُ جُبَيرٍ: (فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ) ثَوَابَ رَبِّهِ فِي الآخِرَةِ كَرَامَةً وَنَعِيمًا.اهـ
وَالمُرَادُ بِاللِّقَاءِ القُدُومُ إِلَى مَوقِفِ الحِسَابِ، وَلَيسَ مَعنَى ذَلِكَ أَنَّ اللهَ بِذَاتِهِ يَكُونُ فِي مَوقِفِ الحِسَابِ وَيَلتَقِي بِهِ العَبدُ كَمَا يُوَاجِهُ أَحَدُنَا الآخَرَ، تَنَزَّهَ اللهُ عَن ذَلِكَ لِأَنَّ اللهَ مَوجُودٌ بِلَا مَكَانٍ، وَلَيسَ سُبحَانَهُ جِسمًا يَتَنَقَّلُ وَيَملَأُ فَرَاغًا كَالإِنسَانِ. (فَلْيَعْمَلْ)
فِي دُنيَاهُ لِآخِرَتِهِ وَهُوَ عَلَى الإِيمَانِ.
(عَمَلًا صَالِحًا)
أَي خَالِصًا لَا يُرِيدُ بِهِ إِلَّا وَجهَ رَبِّهِ وَلَا يَخلِطُ بِهِ غَيرَهُ، وَعَن يَحيَى بنِ مُعَاذٍ قَالَ: هُوَ مَا لَا يُستَحَى مِنهُ.اهـ
(وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا)
هُوَ نَهيٌ عَنِ الشِّركِ بِاللهِ أَي عِبَادَةِ غَيرِ اللهِ وَقِيلَ المُرَادُ بِهِ النَّهيُ عَنِ الرِّيَاءِ، فَقَد قَالَ ﷺ: «اتَّقُوا الشِّركَ الأَصغَرَ»، قَالُوا: وَمَا الشِّركُ الأَصغَرُ؟ قَالَ: «الرِّيَاءُ([13])».اهـ وَقَد رَوَى الحَاكِمُ عَن شَدَّادِ بنِ أَوسٍ قَالَ: كُنَّا نَعُدُّ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّ الرِّيَاءَ الشِّركُ الأَصغَرُ([14])([15]).اهـ
([1]) السِّترُ بِالكَسرِ: مَا يُستَرُ بِهِ.اهـ القَامُوسُ المُحِيطُ، لِمَجدِ الدِّينِ الفَيرُدوزأَبَادِيِّ (ص404).
([2]) قَالَ ابنُ مَنظُورٍ: الشَّمَّاسُ: مِن رُؤُوسِ النَّصَارَى: الَّذِي يُحَلِّقُ وَسَطَ رَأسِهِ وَيَلزَمُ البِيَعَةَ.اهـ لِسَانُ العَرَبِ، لِابنِ مَنظُورٍ (ج6 ص114).
([3]) جَامِعُ البَيَانِ عَن تَأوِيلِ آيِ القُرآنِ، لِابنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ (ج18 ص127ـ128).
([4]) وَفِي هَذِهِ الآيَةِ وَفِي كَلَامِ الإِمَامِ الطَّبَرِيِّ فِي بَيَانِهَا بَيَانُ أَنَّهُ لَيسَ كُلُّ تَأوِيلٍ يَمنَعُ عَن صَاحِبِهِ التَّكفِيرَ، وَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَن كَانَ جَاهِلًا بِذَلِكَ لَا يَكُونُ مَعذُورًا عِندَ اللهِ تَعَالَى، قَالَ شَمسُ الدِّينِ الرَّملِيُّ فِي شَرحِهِ عَلَى مِنهَاجِ الطَّالِبِينَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الرِّدَّةِ فِي شَرحِ قَولِ النَّوَوِيِّ “الرِّدَّةُ قَطعُ الإِسلَامِ بِنِيَّةٍ أَو قَولِ كُفرٍ” مَا نَصُّهُ: فَلَا أَثَرَ لِسَبقِ لِسَانٍ أَو إِكرَاهٍ أَوِ اجتِهَادٍ أَو حِكَايَةِ كُفرٍ، مَعنَى كَلَامِهِ أَنَّهُ يُستَثنَى مِنَ الكُفرِ مَن جَرَى عَلَى لِسَانِهِ كَلَامُ الكُفرِ حَالَ سَبقِ لِسَانِهِ، أَي جَرَى عَلَى لِسَانِهِ كَلَامٌ مِنَ الكُفرِ مَا أَرَادَ قَولَهُ، أَو كَانَ فِي حَالِ الإِكرَاهِ، أَي كَانَ مُهَدَّدًا بِالقَتلِ لِيَنطِقَ بِالكُفرِ، وَكَانَ المُهَدِّدُ قَادِرًا عَلَى إِنفَاذِ ذَلِكَ التَّهدِيدِ، وَكَانَ المُكرَه كَارِهًا لِلكُفرِ لَيسَ مُنشَرِحَ الصَّدرِ لَهُ، وَكَذَلِكَ فِي حَالِ الِاجتِهَادِ، أَي وَكَانَ اجتِهَادُهُ لَيسَ فِي الأُمُورِ القَطعِيَّةِ، وَكَذَلِكَ حَالُ حِكَايَةِ الكُفرِ، بِأَن نَقَلَ مَعَ أَدَاةِ الحِكَايَةِ كُفرَ غَيرِهِ مِن غَيرِ استِحسَانٍ، فَإِنَّ هَذَا لَا يَكفُرُ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ الِاستِثنَاءُ، أَمَّا مَن كَانَ جَاهِلًا بِأَنَّ كَلِمَةَ الكُفرِ تُخرِجُهُ عَنِ الإِسلَامِ فَلَا يَكُونُ مَعذُورًا، وَكَذَلِكَ مَن كَانَ فِي حَالِ الغَضَبِ أَو كَانَ هَازِلًا، فَإِنَّ هَذَا لَا يَكُونُ مَعذُورًا لَو أَنَّهُ سَبَّ اللهَ تَعَالَى مَثَلًا أَو سَبَّ دِينَ الإِسلَامِ أَو سَبَّ المَلَائِكَةَ أَو سَبَّ الأَنبِيَاءَ، لَا يَكُونُ مَعذُورًا عِندَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ لَو قَالَ أَنَا كُنتُ أَجهَلُ أَنَّ هَذَا يُخرِجُنِي عَنِ الإِسلَامِ، وَقَد قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (إِنَّ العَبدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأسًا يَهوِي بِهَا فِي النَّارِ سَبعِينَ خَرِيفًا)، رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ وَالتِّرمِذِيُّ، وَفِي شَرحِ رِوَايَةِ البُخَارِيِّ قَالَ ابنُ حَجَرٍ: قَولُهُ ﷺ: (لَا يُلقِي لَهَا بَالًا) أَي لَا يَتَأَمَّلُهَا بِخَاطِرِهِ، وَلَا يَتَفَكَّرُ فِي عَاقِبَتِهَا، وَلَا يَظُنُّ أَنَّهَا تُؤَثِّرُ شَيئًا، وَهُوَ مِن نَحوِ قَولِهِ تَعَالَى: (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ) [سُورَةُ النُّور:15]، وَبِالعَودِ إِلَى مَسأَلَةِ الِاجتِهَادِ، فَلَيسَ كُلُّ اجتِهَادٍ يَمنَعُ عَن صَاحِبِهِ الحُكمَ بِالرِّدَّةِ وَالخُرُوجِ عَنِ الإِسلَامِ، وَقَد أَخطَأَ بَعضٌ فِي فَهمِ هَذِهِ المَسأَلَةِ فَهَلَكُوا وَأَهلَكُوا النَّاسَ، قَالَ نُورُ الدِّينِ عَلِيٌّ الشَّبرَامَلِّسِيُّ المُتَوَفَّى سَنَةَ أَلفٍ وَسَبعٍ وَثَمَانِينَ عِندَ قَولِ شَمسِ الدِّينِ الرَّملِيِّ الَّذِي تَقَدَّمَ “وَاجتِهَادٍ” مَا نَصُّهُ: أَي لَا مُطلَقًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِمَا سَيَأتِي مِن نَحوِ كُفرِ القَائِلِينَ بِقِدَمِ العَالَمِ مَعَ أَنَّهُ بِالِاجتِهَادِ وَالِاستِدلَالِ، وَقَالَ أَحمَدُ بنُ عَبدِ الرَّزَّاقِ المَعرُوفُ بِالمَغرِبِيُّ الرَّشِيدِيُّ المُتَوَفَّى سَنَةَ أَلفٍ وَسِتٍّ وَتِسعِينَ “وَاجتِهَادٍ”: أَي فِيمَا لَم يَقُمِ الدَّلِيلُ القَاطِعُ عَلَى خِلَافِهِ بِدَلِيلِ كُفرِ نَحوِ القَائِلِينَ بِقِدَمِ العَالَمِ مَعَ أَنَّهُ بِالِاجتِهَادِ، انتهى، وَمِن هُنَا يُعلَمُ أَنَّهُ لَيسَ كُلُّ مُتَأَوِّلٍ يَمنَعُ عَنهُ تَأوِيلُهُ التَّكفِيرَ، فَليَجعَل طَالِبُ العِلمِ قَولَ الرَّشِيدِيِّ المَذكُورَ “فِيمَا لَم يَقُم دَلِيلٌ قَاطِعٌ” عَلَى ذُكرٍ، يَعنِي أَن يَكُونَ مُستَحضِرًا لِهَذِهِ الكَلِمَةِ فِي قَلبِهِ لِأَنَّهَا مُهِمَّةٌ لِأَنَّ التَّأَوُّلَ مَعَ قِيَامِ الدَّلِيلِ القَاطِعِ لَا يَمنَعُ التَّكفِيرَ عَن صَاحِبِهِ.
([5]) صَحِيحُ البُخَارِيِّ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بنَ إِسمَاعِيلَ البُخَارِيِّ ـ كِتَابُ التَّفسِيرِ ـ بَابُ )أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ( الآيَةَ ـ رَقمُ الحَدِيثِ (4452).
([6]) ليُعلَم أَنَّ الجَنَّةَ طَبَقَاتٌ، فَأَدنَاهَا أَطرَافُهَا، ثُمَّ يَلِيهَا الوَسَطُ أَعلَى مِن ذَلِكَ، وَهَكَذَا إِلَى أَوسَطِهَا وَأَعلَاهَا وَأَرفَعِهَا وَهُوَ الفِردَوسُ، نَسأَلُ اللهَ أَن يَرزُقَنَاهُ، فَقَد ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللهُ لِلمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ، مَا بَينَ الدَّرَجَتَينِ كَمَا بَينَ السَّمَاءِ وَالأَرضِ، فَإِذَا سَأَلتُمُ اللهَ فَاسأَلُوهُ الفِردَوسَ فَإِنَّهُ أَوسَطُ الجَنَّةِ وَأَعلَى الجَنَّةِ».اهـ وَرَوَى أَبُو نُعَيمٍ فِي الحِليَةِ عَن كَعبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: الفِردَوسُ فِيهِ الآمِرُونَ بِالمَعرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ المُنكَرِ، فَالجَنَّةُ مَكَانُ النَّعِيمِ المُقِيمِ لِلمُؤمِنِينَ، وَلَكِن فِيهَا دَرَجَاتٌ كَثِيرَةٌ، فَأَعلَاهَا الفِردَوسُ الَّذِي يَنَالُهُ المُتَّقُونَ وَالشُّهَدَاءُ وَهُوَ دَرَجَاتٌ كَثِيرَةٌ أَيضًا، وَأَعلَى النَّاسِ دَرَجَةً فِي الجَنَّةِ الرُّسُلُ مِنَ الأَنبِيَاءِ، ثُمَّ الأَنبِيَاءُ غَيرُ الرُّسُلِ، ثُمَّ الأَولِيَاءُ، ثُمَّ الأَمثَلُ فَالأَمثَلُ، وَفِي الحَدِيثِ عِندَ الإِمَامِ أَحمَدَ: «الجَنَّةُ مِائَةُ دَرَجَةٍ، مَا بَينَ كُلِّ دَرَجَتَينِ مَسِيرَةُ مِائَةِ عَامٍ، وَالفِردَوسُ أَعلَاهَا دَرَجَةً، وَمِنهَا الأَنهَارُ الأَربَعَةُ، وَالفِردَوسُ مِن فَوقِهَا، فَإِذَا سَأَلتُمُ اللهَ الجَنَّةَ فَاسأَلُوا الفِردَوسَ فَإِنَّ فَوقَهَا عَرشُ الرَّحمَنِ، وَمِنهَا تَنفَجِرُ أَنهَارُ الجَنَّةِ».اهـ
([7]) [سُورَةُ الإِسرَاءِ:85].
([8]) قلت: وَليُعلَم أَنَّ كَلَامَ اللهِ لَيسَ شَيئًا لَهُ أَبعَاضٌ وَإِنَّمَا هُوَ كَلَامٌ وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا قَالَ تَعَالَى: (كَلِمَاتُ) بِلَفظِ الجَمعِ لِلتَّعظِيمِ، لَيسَ مَعنَاهُ أَنَّ لَهُ كَلَامًا مُتَجَزِّئًا، فِي القُرآنِ فِي مَوضِعٍ وَرَدَ: (وَكَلِمَةُ اللَّهِ)، [سُورَةُ التَّوبَةِ:40]، وَوَرَدَ: (كَلِمَاتُ اللَّهِ )، [سُورَةُ لُقمَانَ:27]، بِلَفظِ الجَمعِ وَبِلَفظِ الإِفرَادِ، كَمَا أَنَّ اللهَ عَبَّرَ عَن نَفسِهِ بِلَفظِ الجَمعِ وَبِلَفظِ الإِفرَادِ، (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ )، [سُورَةُ الإِخلَاصِ:1]، هَذَا صَرِيحٌ فِي الإِفرَادِ، وَعَبَّرَ عَن نَفسِهِ بِلَفظِ الجَمعِ، قَالَ تَعَالَى: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ) ، [سُورَةُ يس:12]، وَهُوَ وَاحِدٌ، لَكِن عَبَّرَ عَن نَفسِهِ بِلَفظِ الجَمعِ وَهُوَ وَاحِدٌ لَيسَ جَمعًا، وَعَبَّرَ بِلَفظِ: (وَكُنَّا فَاعِلِينَ )، [سُورَةُ الأَنبِيَاءِ:79]، وَهُوَ سُبحَانَهُ فَاعِلٌ وَاحِدٌ خَالِقٌ وَاحِدٌ، وَمِن أَوضَحِ الأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّ الأَلفَاظَ المُنَزَّلَةَ عَلَى الأَنبِيَاءِ لَيسَت عَينَ كَلَامِ اللهِ الذَّاتِيِّ قَولُهُ تَعَالَى (قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي) فَالكُتُبُ السَّمَاوِيَّةُ هِيَ تُعَبِّرُ عَن كَلَامِ اللهِ الذَّاتِيِّ الأَزَلِيِّ، أَمَّا كَلَامُ اللهِ الأَزَلِيِّ فَلَيسَ حَرفًا وَلَيسَ صَوتًا وَلَيسَ لُغَةً، فَيُطلَقُ كَلَامُ اللهِ وَيُرَادُ بِهِ الكَلَامُ الأَزَلِيُّ الأَبَدِيُّ الَّذِي لَيسَ كَكَلَامِنَا، لَيسَ بِحَرفٍ وَلَيسَ بِصَوتٍ، وَيُطلَقُ وَيُرَادُ بِهِ اللَّفظُ المُنَزَّلُ عَلَى الأَنبِيَاءِ، فَهَذِهِ الكُتُبُ السَّمَاوِيَّةُ المُنَزَّلَةُ الأَربَعَةُ وَغَيرُهَا لَو فَرَضنَا البَحرَ مِدَادًا لَنَفِدَت قَبلَ أَن يَنفَدَ البَحرُ، فَبَيَّنَتِ الآيَةُ أَنَّ المُرَادَ غَيرُ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، بَلِ المُرَادُ الكَلَامُ الذَّاتِيُّ الَّذِي لَيسَ حَرفًا وَلَيسَ صَوتًا، وَإِذَا قِيلَ القُرآنُ كَلَامُ اللهِ انصَرَفَ المَعنَى إِلَى صِفَةِ الكَلَامِ للهِ، وَكَلَامُ اللهِ تَعَالَى غَيرُ مَخلُوقٍ، وَأَمَّا لَفظَةُ (كَلِمَاتُ) قَالَ البَيهَقِيُّ: جُمِعَت لِلتَّعظِيمِ، فَكَلَامُ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَو كَانَ حَرفًا وَصَوتًا لَكَانَ يُبدَأُ ثُمَّ يُختَمُ، هَذِهِ الكُتُبُ الأَربَعَةُ وَبَقِيَّةُ الكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ لَا يَنفَدُ البَحرُ دُونَ نَفَادِ هَذِهِ الحُرُوفِ، لَو فَرَضنَا أَنَّ البَحرَ مِدَادٌ فَكُتِبَت هَذِهِ الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ بِهِ فَلَا بُدَّ أَن تَنقَضِيَ قَبلَ أَن يَنفَدَ البَحرُ، قَبلَ أَن يَنفَدَ هَذَا المِدَادُ الَّذِي هُوَ البَحرُ، فَهَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ لِأَنَّ كَلَامَ اللهِ الَّذِي يَقُولُ اللهُ عَنهُ (لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي) لَيسَ هَذَا الكَلَامَ اللَّفظِيَّ لِأَنَّ هَذَا يَنفَدُ، إِنَّمَا ذَلِكَ الكَلَامُ الَّذِي لَو كَانَ البَحرُ مِدَادًا فَكُتِبَ بِهِ يَنفَدُ البَحرُ وَلَو مُدَّ هَذَا البَحرُ بِمِثلِهِ إِلَى سَبعَةِ أَبحُرٍ أَو إِلَى أَكثَرَ مِن ذَلِكَ هُوَ الكَلَامُ الذَّاتِيُّ، هَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ كَلِمَاتِ اللهِ الَّتِي هِيَ كَلَامُهُ الذَّاتِيُّ شَيءٌ لَيسَ حَرفًا وَصَوتًا، لَيسَ شَيئًا يَبدَأُ ثُمَّ يَنقَضِي ثُمَّ يَبدَأُ ثُمَّ يَنقَضِي كَمَا نَحنُ نَتَكَلَّمُ بِالقُرآنِ وَبِغَيرِهِ، فَثَبَتَ أَنَّ كَلَامَ اللهِ تَعَالَى الَّذِي يَجِبُ اتِّصَافُ اللهِ بِهِ عَقلًا وَنَقلًا هُوَ شَيءٌ غَيرُ هَذَا، وَأَمَّا هَذِهِ الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ فَهِيَ عِبَارَاتٌ عَن ذَلِكَ الكَلَامِ الذَّاتِيِّ الأَزَلِيِّ الأَبَدِيِّ الَّذِي لَا يَدخُلُهُ تَعَاقُبٌ أَوِ ابتِدَاءٌ ثُمَّ اختِتَامٌ وَانقِضَاءٌ.اهـ الأَسمَاءُ وَالصِّفَاتُ، لِأَبِي بَكرٍ البَيهَقِيِّ (ج1 ص467ـ490)، الِاعتِقَادُ، لِأَبِي بَكرٍ البَيهَقِيِّ (ص94ـ111).
([9]) [سُورَةُ الإِسرَاءِ:85].
([10]) [سُورَةُ البَقَرَةِ:269].
([11]) قُلتُ: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا ﷺ خُلِقَ مِن نُطفَةِ الأَبَوَينِ وَلَيسَ مِن نُورٍ، البَشَرُ يُخلَقُونَ مِن مَنِيِّ الأَبِ وَالأُمِّ، يَختَلِطُ المَنِيَّانِ فَيُخلَقُ مِن هَذَينِ المَائَينِ، إِلَّا حَوَّاءَ وَآدَمَ وَعِيسَى ابنَ مَريَمَ، هَؤُلَاءِ مَا خُلِقُوا مِنَ المَنِيِّ، وَمَن سِوَاهُم مِنَ البَشَرِ خُلِقُوا مِنهُ، وَلَا يَصِحُّ قَولُ “أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ نُورُ نَبِيِّكَ يَا جَابِرُ”، بَل هَذَا مَكذُوبٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، بَل أَوَّلُ مَخلُوقَاتِ اللهِ عَلَى الإِطلَاقِ المَاءُ، اللهُ تَعَالَى قَالَ: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) ، [سُورَةُ الأَنبِيَاءِ:30]، وَرَوَى ابنُ حِبَّانَ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ: “كُلُّ شَيءٍ خُلِقَ مِنَ المَاءِ“، وَقَالَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ “كَانَ اللهُ وَلَم يَكُن شَيءٌ غَيرُهُ، وَكَانَ عَرشُهُ عَلَى المَاءِ“، رَوَاهُ البُخَارِيُّ، فَرَسُولُ اللهِ ﷺ هُوَ أَفضَلُ البَشَرِ وَلَيسَ أَوَّلَ البَشَرِ، ثُمَّ نَستَفِيدُ فَائِدَةً أُخرَى مِن قَولِهِ (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ) فَكَلِمَةُ أَنَا إِذَا قَالَهَا الشَّخصُ لَيسَ عَلَى وَجهِ الكِبرِ وَالفَخرِ لَا بَأسَ بِقَولِهَا، فَلَا يَجُوزُ قَولُ مَا شَاعَ بَينَ بَعضِ النَّاسِ “نَعُوذُ بِاللهِ مِن كَلِمَةِ أَنَا”، كَيفَ وَقَد قَالَ ﷺ: “أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَومَ القِيَامَةِ وَلَا فَخرَ“، رَوَاهُ مُسلِمٌ وَالطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالحَاكِمُ وَغَيرُهُم، وَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: الرَّسُولُ نُورٌ بِمَعنَى يُبَيِّنُ الحَقَّ مِنَ الضَّلَالَةِ لَا بَأسَ بِهِ، نَقُولُ نَحنُ: الرَّسُولُ نُورٌ بِمَعنَى أَنَّهُ يُبَيِّنُ لِلنَّاسِ الحَقَّ مِنَ البَاطِلِ، بِهَذَا المَعنَى إِذَا قُلنَا الرَّسُولُ نُورٌ يَجُوزُ، اللهُ تَعَالَى هَدَى بِهِ خَلقًا كَثِيرًا، قَامَ وَحدَهُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَينَ أَهلِ بَلَدِهِ الَّذِينَ كَانُوا كُلُّهُم مُشرِكِينَ، لَم يَكُن مُسلِمٌ سِوَاهُ عَلَى الأَرضِ عِندَمَا بُعِثَ، قَامَ يَدعُو إِلَى اللهِ وَحدَهُ فَانتَشَرَ دِينُهُ فِي مَشَارِقِ الأَرضِ وَمَغَارِبِهَا، بِهَذَا المَعنَى الرَّسُولُ نُورٌ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، أَمَّا ذَاتُهُ بَشَرٌ، خُلِقَ مِن نُطفَةِ أَبَوَيهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِن أَبَوَيهِ خُلِقَ مِن نُطفَةِ أَبَوَيهِ وَهَكَذَا بِالتَّسَلسُلِ إِلَى آدَمَ.اهـ
([12]) قُلتُ: وَقَالَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ النُّعمَانُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: وَاللهُ وَاحِدٌ لَا مِن طَرِيقِ العَدَدِ لَكِن مِن طَرِيقِ أَنَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلَا شَبِيهَ لَهُ، وَهَذَا مَعنَى وَحدَانِيَّةِ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّ اللهَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وَاحِدٌ فِي ذَاتِهِ وَاحِدٌ فِي صِفَاتِهِ وَاحِدٌ فِي أَفعَالِهِ، ذَاتُ اللهِ لَا يُشبِهُ ذَوَاتِ المَخلُوقِينَ وَصِفَاتُ اللهِ لَا تُشبِهُ صِفَاتِ المَخلُوقِينَ وَفِعلُ اللهِ لَا يُشبِهُ فِعلَ المَخلُوقِينَ، فِعلُهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى صِفَةٌ لَهُ فِي الأَزَلِ وَالمَفعُولُ حَادِثٌ، وَعِندَمَا نَقُولُ: “اللهُ وَاحِدٌ” مَعنَاهُ لَيسَ مُتَجَزِّئًا لَيسَ مُتَبَعِّضًا.اهـ
([13]) التَّرغِيبُ وَالتَّرهِيبُ، لِإِسمَاعِيلَ الأَصبَهَانِيِّ (ج1 ص124).
([14]) المُستَدرَكُ عَلَى الصَّحِيحَينِ، لِأَبِي عَبدِ اللهِ الحَاكِمِ (ج4 ص365).
([15]) أَيُّ عَمَلٍ مِنَ الحَسَنَاتِ يَعمَلُهُ العَبدُ إِن نَوَى بِهِ مَدحَ النَّاسِ لَهُ لَا ثَوَابَ فِيهِ، بَل عَلَيهِ ذَنبٌ كَبِيرٌ لِأَنَّهُ يُشبِهُ الإِشرَاكَ بِاللهِ أَي عِبَادَةَ غَيرِ اللهِ الَّذِي هُوَ الكُفرُ، وَإِنَّمَا سَمَّى الرَّسُولُ ﷺ الرِّيَاءَ الشِّركَ الأَصغَرَ لِأَنَّهُ لَا يُخرِجُ فَاعِلَهُ مِنَ الإِسلَامِ، بَل يَغفِرُهُ اللهُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَاقِبُ مَن يَشَاءُ، قَالَ ﷺ: “إِنَّمَا الأَعمَالُ بِالنِّيَّاتِ“، مَعنَاهُ الأَعمَالُ الحَسَنَةُ لَا يَكُونُ فِيهَا ثَوَابٌ إِلَّا أَن يَنوِيَ وَجهَ اللهِ أَيِ التَّقَرُّبَ إِلَى اللهِ، النِّيَّةُ هِيَ إِكسِيرُ العَمَلِ، هِيَ سِرُّ الأَعمَالِ، الرَّسُولُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ لِسَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: “إِنَّكَ لَن تُنفِقَ نَفَقَةً تَبتَغِي بِهَا وَجهَ اللهِ إِلَّا أُجِرتَ عَلَيهَا، حَتَّى اللُّقمَةَ الَّتِي تَضَعُهَا فِي فِي امرَأَتِكَ“، مَعنَى الحَدِيثِ أَنَّ أَيَّ مَالٍ تُنفِقُهُ وَنِيَّتُكَ طَلَبُ مَرضَاتِ اللهِ بِهَا تُؤجِرُ عَلَيهَا أَي يُعطِيكَ اللهُ عَلَيهَا أَجرًا، بَعضُ النَّاسِ يَكفُرُ بِاللهِ بِمَسَبَّةِ اللهِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ ثُمَّ إِذَا قِيلَ لَهُ تَشَهَّد، ارجِع إِلَى الإِسلَامِ بِالنُّطقِ بِالشَّهَادَتَينِ قَالَ: “إِنَّمَا الأَعمَالُ بِالنِّيَّاتِ”، يَضَعُ الحَدِيثَ فِي غَيرِ مَوضِعِهِ، الأَعمَالُ المُرَادُ بِهَا هُنَا الأَعمَالُ الصَّالِحَةُ، لَا تَكُونُ مَقبُولَةً عِندَ اللهِ إِلَّا بِالنِّيَّةِ الخَالِصَةِ للهِ، الأَعمَالُ الصَّالِحَةُ تَحتَاجُ لِأَمرَينِ: صِحَّةِ العَقِيدَةِ وَمُوَافَقَةِ الشَّرعِ بِالإِخلَاصِ، عَمَلٌ قَلِيلٌ مَعَ الإِخلَاصِ خَيرٌ مِن كَثِيرٍ بِلَا إِخلَاصٍ، نَسأَلُ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَن يَكُونَ عَمَلُنَا هَذَا مَقبُولًا.