اعلـم أن التـوحيد هو أول ما يخاطـب به المكلـف، وهو مفتـاح الوصـول إلى جنـات النعيـم المقيـم الخالـد الذي وعـد الله به عبـاده المؤمنيـن، قـال تعالـى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55)﴾([1]). وقـال تعالـى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ([2]) أي لآمرهــم بعبادتـي([3])، ولا تصـح العبـادة ممن لم يوحِّـد الله تبـارك وتعالى، قـال الإمـام الغزالـي([4]): “لا تصـح العبـادة إلا بعد معرفة المعبود”([5]). ومعنى توحيد الله أي اعتقاد أنه واحد في ذاته وصفاته وأفعاله فلا ذاته يشبه الذوات ولا تُحاكي صفاته الصفات، ولا مناسبة بين أفعاله وبين أفعال العباد([6]). ولذلك كان العلم بالله تعالى وصفاته أجلّ العلوم وأعلاها وأوجبها وأولاها، لأن شرف العلم بشرف المعلوم، فلما كان علم التوحيد يُعنى بمعرفة ما يجب لله وما يجوز عليه وما يستحيل عليه وما يجب لرسله الكرام وما يستحيل عليهم وما يجوز عليهم كان هو أشرف العلوم. ولهذا لما بعث الرسول ﷺ معاذًا إلى اليمن قال: (إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ الله عَزَّ وَجَلَّ فَإِذَا عَرَفُوا اللهَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ)([7]) الحديث. فقوله ﷺ: (فَإِذَا عَرَفُوا الله) فيه دليلٌ على أن معرفة الله أوْلى الأمور وأعلاها وأن العبادة لا تصح من العبد إلّا بعد معرفة المعبود.
ويسمى هذا العلم علم الأصول وعلم التوحيد وعلم العقيـدة، وقد خـصّ النبي ﷺ نفسـه بالترقّي في هذا العلم فقال: (أَنَا أَعْلَمُكُـمْ بِاللهِ وَأَخْشَاكُمْ لَهُ)([8]) فكان هذا العلـم أهمّ العلوم تحصيـلًا وأحقّهـا تبجيــلًا وتعظيمًـا، قال تعالـى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ ([9])([10]) قدّمَ الأمر بمعرفة التوحيد على الأمر بالاستغفار لتعلّق التوحيد بعلم الأصول، وتعلق الاستغفار بعلم الفروع([11]). هذا وقد اتفق العلماء على أن مبنى علم الشرائع والأحكام وأساس قواعد عقائد الإسلام هو علم التوحيد، المحصِّل لمن تعلمه واعتقده الحصن الحصين، المنجي من شبهات الزائغين وتأويلات المُبطلين، المدافع عن عقائد المسلمين، وبهذا يعتبر هذا العلم أهم العلوم الإسلامية بالاتفاق وءاكدها على الإطلاق. ويسمى هذا العلم أيضًا مع أدلته العقلية والنقلية من الكتاب والسنّة علم الكلام([12]).
قال الإمام أبو حنيفة([13]) رضي الله عنه جوابًا على القائلين: لِمَ تتكلمون بعلم الكلام والصحابة لم يتكلموا فيه؟ “إنما مَثَلُهم كأناس ليس بحضرتهم من يقاتلهم فلم يحتاجوا إلى إبراز السلاح، ومَثَلُنا كأناس بحضرتهم من يقاتلهم فاحتاجوا إلى إبراز السلاح”([14])اهـ.
وقال إمام الحرمين الجويني([15]): “لو بقي الناس على ما كانوا عليه لم نؤمر بالاشتغال بعلم الكلام، وأما الآن فقد كثرت البدع فلا سبيل إلى ترك أمواج الفتن تلتطم، فلا بد من إعداد ما يدعى به إلى المسلك الحق، وتحل به الشبهة، فصار الاشتغال بأدلة المعقول وحل الشبهة من فروض الكفايات”([16])اهـ. وهذا العلم أصله كان موجودًا بيـن الصحابـة متوفرًا بينهم، والكـلام فيـه بالرد على أهل البـدع([17]) بدأ فـي عصـر ، الصحابة فقد ردّ ابن عباس([18]) رضي الله عنهمـا وابن عمر([19]) رضي الله عنهمـا علـى
المعتـزلة([20])، ومن التابعيـن ردّ عليهـم عمر بن عبـد العزيز([21]) رضي الله عنه والحسن
ابن محمد ابن الحنفية([22]) وغيرهما. وقد قطع علي([23]) كرّم الله وجهه الخوارج([24]) بالحجة وقطع دهريًّا([25]) وأقام الحجة على أربعين رجلًا من اليهود المجسمة بكلام نفيس مُطنبٍ([26])، وقطع الحبر ابن عباس رضي الله عنهما الخوارج بالحجة أيضًا، وقطع إياس بن معاوية([27]) القاضي القدرية([28])، وقطع الخليفة عمر بن عبد العزيز أصحاب شَوْذَب([29]) الخارجــي، وألّف رسالـة فـي الرد على المعتزلـة وهــي رسالة وجيـزة، وقطـع
ربيعةُ الرأي([30]) غَيلانَ بن مسلم أبا مروان القدري([31]).
وكذلك اشتغل بهذا العلم الحسن البصـري([32]) الذي هو من أكـابر التابعين. وللإمام أبي حنيفة رضي الله عنه الذي هو أحد أعلام الأئمة في وسط القرون الثلاثـة الفاضلة: “الفقه الأكبر” و”الرسالـة” و”الفقه الأبسط” و”العالم والمتعلم” و”الوصيـة” في علم التوحيـد([33]). وكذلك صنف الشافعـي([34]) رضي الله عنه كتاب “القيـاس” رد فيـه
على من قال بقدم العالم([35]) من الملحدين، وكتاب “الرد على البراهمـة”([36]) وغير ذلك. وكذلك مالك([37]) رضي الله عنه سُئل عن مسائل في هذا العلم فأجــاب عنها بالطريـق القويم، وكذلك الإمام أحمد([38]) رضي الله عنه.
ولما اشتد الأمر على المسلمين من كثرة أهل الباطـل البدعيين وإذاعتهم شبههـم بينهم، اشتغل الإمام الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي([39]) بتدوين علم التوحيد بقواعده ومسائله، فقررا عقائد أهل السنة وأوضحاها إيضاحًا تامًا مع الرد على المخالفين من معتزلة ومشبهة([40]) وغيرهم، فصار كل أهل السنة بعد هذين الإمامين ينسبون إلى أحد هذين الإمامين فيقال لبعض أهل السنة أشعري([41]) ولبعض ماتريدي، وكلا الفريقين من أهل السنة ليس بينهما اختلاف في أصول العقائد، إنما بينهما اختلاف في بعض فروع العقائد وهذا لا يعابان به، لأن مثل هذا حصل في الصحابة.
وقد صنّف سيد المحدّثين في زمانه محمد بن إسماعيل البخاري([42]) كتاب “خلق أفعال العباد”، وصنّف المحدث نعيم بن حماد الخزاعي([43]) وهو من أقران الإمام أحمد -المتوفى في حبس الواثق سنة 228هـ – كتابًا في الردّ على الجهمية([44]) وغيرهم، وصنف المحدّث محمد بن أسلم الطوسي([45]) وهو من أقران الإمام أحمد أيضًا في الردّ على الجهمية، وقد ردّ على المعتزلة فأجاد بالتأليف ثلاثة من علماء السنّة من أقران الإمام أحمد بن حنبل: الحارث المحاسِبي([46])، والحسين الكرابيسي([47])، وعبد الله بن سعيد بن كُلَّاب([48]) المتوفى بعد الأربعين ومائتين بقليل.
وفي فتاوى قاضيخـان([49]) على مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه ما يدل على أهمية الاعتناء بعلم التوحيد وتعليمه للناس، فقد ورد فيه ما نصه([50]): “تعليم صفة الخالق مولانا جل جلاله للناس وبيان خصائص مذهب أهل السنة والجماعة من أهم الأمور، وعلى الذين تصدّوا للوعظ أن يلقّنوا الناس في مجالسهم على منابرهم ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ([51])” اهـ. فهذا يدل على أهمية علم التوحيد الذي كان لعلماء السلف اهتمام بالغ في تحصيله وتعليمه للناس.
([3]) تفسير البحر المحيط، أبو حيان (8/131).
([4]) هو أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي، ولد بطوس ودرس فيها على الفقيه أحمد الراذكاني ثم تتلمذ على إمام الحرمين في نيسابور وجدّ واجتهد حتى تخرج عليه عن مدة قريبة وكان الإمام يتبجح به ويصرح بمدحه، ثم طلب للتدريس في نظامية بغداد ففعل وصنف هناك في الأصول والفروع وعلت حشمته وارتفعت مرتبته، لكنه تخلى عن كل ذلك وذهب إلى الحج ثم قصد بلاد الشام فساح زمانا فيها ليهذب نفسه هربًا من الشهرة قريبًا من عشر سنين وأخذ في تصنيف “إحياء علوم الدين” وغيره، ثم حمل على التدريس في نظامية نيسابور حملًا ففعل مع التواضع والخوف الشديد، ثم ترك ذلك وعاد إلى بيته واتخذ بجواره مدرسة وخانقاه للصوفية. توفي سنة 505هـ. من مصنفاته أيضا المبسوط والوسيط والبسيط في الفقه والمستصفى في الأصول وغيرها. وفي كتبه أحاديث كثيرة لا أصل لها وذلك لقلة ممارسته لعلم الحديث، ودُسّ عليه مقالات هو منها بريء بل ونسبت إليه كتب لم يصنف رحمه الله شيئا منها فمن طالع في الكتب المنسوبة إليه فليكن على ذكر مما قدمناه. انظر “تبيين كذب المفتري”، ابن عساكر (ص291-306) و”طبقات الشافعية الكبرى”، ابن السبكي (4/101 إلى 182).
([5]) انظر “روضة الطالبين وعمدة السالكين”، الغزالي (ص90). وقال الماوردي نحوه في “أعلام النبوة” (ص/31).
([6]) قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (15/291): “وأما أهل السنة ففسروا التوحيد بنفي التشبيه والتعطيل”.
([7]) صحيح البخاري: “كتاب الزكاة”، باب “لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة” وصحيح مسلم: “كتاب الإيمان”، باب “الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام”.
([8]) صحيح البخاري: كتاب الإيمان: باب قول النبي ﷺ: “أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِالله”.
([10]) قال الحافظ ابن حجر في الفتح (1/216): “فقال اعلم ثم أمره بالعمل، ويُنتزَع منها دليل ما يقوله المتكلمون من وجوب المعرفة” اهـ. قلت: وتنبيه ابن حجر على العمل بعد العلم لأمرين: لِئلا يعمل الشخص على جهل فلا يقبل منه ذلك لعدم موافقته المأمور به وإتيانه بالعمل فاسدًا، ولئلا يركن المرء بعد العلم إلى الكسل وترك العمل. وقد أحسن الشيخ أبو إسحاق الشيرازي رحمه الله حين أنشد:
عَلِمْتَ مَا حَلَّلَ المَوْلَى وحَرَّمَه فاعملْ بعِلمِكَ إنَّ العِلْمَ لِلْعَمَل
([11]) قال ابن حجر في الفتح (1/216): واستدل سفيان بن عيينة بهذه الآية على فضل العلم كما أخرجه أبو نعيم في الحلية في ترجمته من طريق الربيع بن نافع عنه أنه تلاها فقال: ألم تسمع أنه بدأ به فقال : “اعلم” ثم أمره بالعمل؟ وينتزع منها جليل مايقوله المتكلمون من وجوب المعرفة اهـ.
([12]) موضوع علم الكلام هو النظر أي الاستدلال بخَلْق الله تعالى لإثبات وجوده تعالى وصفاتِه الكمالية، هذا موضوعه. النظر بالعقل لإثبات ذلك وبالنصوص الشرعية التى يُستخرج منها ذلك. وكان إمامنا الشافعي يتقن هذا العلم وكذلك الإمام أبو حنيفة والإمام مالك والإمام أحمد رضي الله عنهم. وهذا أي النظر في النصوص الشرعية والنظرُ العقلي يجري على قانون الإسلام لا على أصول الفلاسفة، لأن الفلاسفة لهم كلام فى هذه المواضيع يُعرف عندهم بالإلهيات، يسمونه الإلهيات. أما علماء التوحيد إذا تكلموا في ذلك لا يتكلمون على مقتضى أصول الفلاسفة، لا يتكلمون في حق اللهِ وفي حق الملائكة وغير ذلك اعتمادًا على مجرد النظر بالعقل، بل يتكلمون في ذلك من باب الاستشهاد بالعقل على ما جاء به الدين، يستدلون بالأدلة العقلية على صحة ما جاء به رسول الله ﷺ، فالعقل عندهم شاهدٌ للشرع ليس أصلًا للدين، إنما أصل دين الله المُقدَّم كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، أما الفلاسفة جعلوا ما قادهم إليه نظرهم أصلًا من غير الالتفات إلى ما جاء به الأنبياء، لا يلتزمون بالجمع بين النظر العقلي والدليل الشرعي، لا يتقيدون بين الدليل العقلي وما جاء به الأنبياء، علمًا أنَّ النظر العقلي السليم لا يخالف ما جاء به النبي ﷺ، لأن الشرع جاء بمجوّزات العقل السليم. ومن ذم الكلام من السلف لم يرد به هذا العلم بل أراد كلام أهل الأهواء، والأهواء جمع هوى وهو ما مالت إليه نفوس الطوائف الخارجين عما كان عليه السلف، كالمرجئة والجهمية والمعتزلة والمشبهة والخوارج وما أشبههم فإن لهم مقالات يجادلون عليها ليوهموا الناس أن ما هم عليه هو الحق وأن ما عليه أهل السنة باطل، قال الإمام الحافظ ابن عساكر في كتابه الذي ألفه في الدفاع عن الإمام الأشعري وبيّن فيه كذب من افترى عليه (ص337) ما نصه: “والكلام المذموم كلام أصحاب الأهوية وما يزخرفه أرباب البدع المُردية، فأما الكلام الموافق للكتاب والسنة الموضح لحقائق الأصول عند ظهور الفتنة فهو محمود عند العلماء ومن يعلمه وقد كان الشافعي يحسنه ويفهمه وقد تكلم مع غير واحد ممن ابتدع وأقام الحجة عليه حتى انقطع”.
([13]) هو إمام أهل السنة الفقيه المجتهد أبو حنيفة النعمان بن ثابت الفارسي التيمي بالولاء الكوفي. ولد سنة 80هـ في الكوفة ونشأ بها، أدرك زمان الصحابة ورأى أنس بن مالك وأخذ عن نحو أربعة ءالاف شيخ. صحب جعفرًا الصادق وحدث عن عطاء بن أبي رباح وعن نافع وابن هرمز وقتادة وعاصم بن أبي النجود وخلق كثير، وحدث عنه وكيع ويزيد ابن هارون وسعد بن الصلت وأبو عاصم وعبد الرزاق وأبو نعيم وبشَر كثير. تفقه بحماد بن أبي سليمان وغيره وتفقه به داود الطائي والقاضي أبو يوسف ومحمد بن الحسن وزفر بن الهذيل وولده حماد وأسد بن عمرو وعدة. أراده المنصور العباسي على القضاء فأبى فحلف المنصور ليفعلن فحلف أبو حنيفة أنه لا يفعل فحبسه. كان قوي الحجة من أحسن الناس منطقًا كريم الأخلاق جوادًا حسن الصورة. قال الإمام الشافعي: “الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة”. اهـ. له مسانيد حديثية جمعها تلاميذه ورسائل في العقيدة منها “الفقه الأكبر” و”الفقه الأبسط” و”الوصية” و”العالم والمتعلم” و”الرسالة” وغير ذلك، وقد أثبت نسبة هذه الرسائل إليه الحافظ الفقيه الحنفي خاتمة الحفاظ واللغويين الزبيدي، وقال أبو المظفر الأسفراييني: “من نظر فيها وفيما صنفه الشافعي في العقيدة لم يجد بين مذهبيهما تباينًا بحال”. اهـ كان يأمر بالمعروف ويتصدّى لأهل الزّيغ بالحجة والبرهان ذا همة قوية في ذلك حتى إنه رحل مرات من الكوفة إلى البصرة لمناظرة أهل البدع. وقال الإمام عبد القاهر التميمىّ: “أول متكلمي أهل السنة من الفقهاء أبو حنيفة” اهـ. توفي ببغداد سنة 150هـ . انظر “تاريخ بغداد”، الخطيب البغدادي (13/323 إلى 454) و”أخبار أبي حنيفة وأصحابه”، الصيمري، وتذكرة الحفاظ”، الذهبي (1/168)، و”تهذيب التهذيب”، ابن حجر (10/401 إلى 403)، و”شجرة النور الزكية”، محمد بن مخلوف (1/43).
([14]) انظر “إشارات المرام من عبارات الإمام أبي حنيفة النعمان”، البياضي (ص32-33).
([15]) ترجمته مستقلة في الفصل الثاني من الكتاب.
([16]) انظر “حاشية الجمل على شرح المنهج”، سليمان بن عمر العجيلي المعروف بالجمل (5/181).
([17]) البِدعي هو من عقيدته خلاف عقيدة أهل السنة، منهم المعتزلة ومنهم المشبهة ومنهم المرجئة ومنهم الجبرية وغيرهم. انظر “تبيين كذب المفتري”، ابن عساكر (ص337).
([18]) أبو العباس عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي المكي ثم المدني ابن عم النبي ﷺ وصاحبه، حبر الأمة وفقيهها وترجمان القرءان، قال الواقدي: كان له ثلاث عشرة سنة عند وفاة النبي ﷺ. اهـ وكان يحرص على التعلم منه مع صغر سنه. دعا له رسول الله ﷺ بالفقه في الدين والعلم بالتأويل. كان سيدنا عمر رضي الله عنه يستشيره مع الشيوخ. غزا إفريقية مع ابن أبي سرح وناصر سيدنا عليًا رضي الله عنه في حروبه وولّاه علي رضي الله عنه على البصرة وكان يُفقه الناس فيها في شهر واحد. توفي سنة 68هـ بالطائف وصلّى عليه محمد بن الحنفية. انظر “الإصابة في تمييز الصحابة”، ابن حجر (2/330 إلى 334)، و”تهذيب التهذيب”، ابن حجر (5/242 إلى 245).
([19]) هو عبـد الله بن عمر بن الخطـاب القرشي العدويّ رضـي الله عنه. عرض على النبي ﷺ ببدر فاستصغره وكان له ثلاث عشرة سنة ثم بأحـد فاستصغره ثم بالخندق فأجازه وهو يومئذ ابن خمس عشرة سنة. روى عن جابر وابن عباس وغيرهما من الصحابة، وروى عنه سعيد ابن المسيّب والنهديّ ومسروق وابن أبي ليلى ونافع مولاه. وقد ثبت أن النبي ﷺ قال عنه: “رجلٌ صَالِح” وقال: “نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللهِ لَوْ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ”. فكان بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلًا. كان عالمًا شديد التأسي برسول الله ﷺ في أحواله كلها زاهدًا، أعطاه ابن جعفر عشرة ءالاف درهم في مولاه نافع أو ألف دينار فقيل له ماذا تنتظر، قال فهلّا ما هو خير من ذلك هو حر. اهـ كانت وفاته سنة 73هـ وقيـل 74هـ. انظر “الاستيعاب في معرفة الأصحاب”، ابن عبد البر (2/341 إلى 346)، و”الإصابة في تمييز الصحابة”، ابن حجر (2/247 إلى 249). و”تهذيب الأسماء واللغات”، النووي (1/164).
([20]) سموا بذلك لاعتزالهم قول الأمة بأسرها، وهم أتباع واصل بن عطاء في القدر وفي المنزلة بين المنزلتين، وكان الحسن البصري طرده مع عمرو بن عبيد عن مجلسه فاعتزلا إلى سارية من سواري مسجد البصرة، فقيل لهما ولأتباعهما معتزلة. وينقسمون إلى أكثر من عشرين فرقة وهي الواصلية والعمرية والهذيلية والنظامية والإسوارية والمعمرية والإسكافية والجعفرية والبشرية والمرادارية والهشامية والتمامية والجاحظية والحمارية والخياطية وأصحاب صالح قبة والمويسية والشحامية والكعبية والجبابية والبهشمية المنسوبة إلى أبي هشام بن الجبائي، منهم من يقول إن الله كان قادرًا على خلق حركات العباد وسكناتهم قبل أن يعطيهم القدرة عليها ثم بعد أن أعطاهم القدرة صار عاجزًا عن خلقها والعياذ بالله، وهذا وصف لله بالعجز. ومنهم من ينفي عن الله الصفات من علم وسمع وبصر وحياة وكلام وغير ذلك من صفاته سبحانه والعياذ بالله. ومنهم من ينتسب إليهم ولا يقول بمقالاتهم التي ذكرت بل يوافقهم في غيرها وهي مخالفة لمذهب أهل السنة أيضًا كالقول بعدم رؤية المؤمنين لله في الآخرة –أي بلا كيف ولا مكان-. انظر “الفرق بين الفرق”، أبو منصور البغدادي. (ص131)، و”التعاون على النهي عن المنكر”، الشيخ عبد الله الهرري (ص71).
([21]) هو أبو حفص عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن العاص بن أمية بن عبد شمس، أمه ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب. روى الحديث وتلقى الفقه عن جماعة من الصحابة، منهم أنس بن مالك رءاه عمر وروى عنه وصلّى أنس خلفه، ومنهم عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر بن الخطاب المتوفى سنة أربعة وسبعين للهجرة، وهو عمّ أمه، وتلقى من جماعة من كبار التابعين منهم سعيد بن المسيب وهو رأس علماء التابعين، وغيرهم كثير. ومناقبه غراء من إيثار الحق ومناصرة العدل والعفة والورع والتقوى. كانت ولادته سنة 61هـ وقيل سنة 63هـ بالمدينة. بكى وهو غلام صغير فأرسلت إليه أمه وقالت ما يبكيك؟ قال: ذكرت الموت. وكان رضي الله عنه أبيض رقيق الوجه جميلا نحيف الجسم حسن اللحية غائر العينين، بجبهته أثر حافر دابة فلذلك سمي أشج بني أمية. فقد كان الفاروق رضي الله عنه يقولُ: “يكون من ولدي رجل بوجهه شجة يملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورا”. فتحقق فيه قول جده فكان بوجهه شجة، ضربته دابة في وجهه وهو غلام فجعل أبوه يمسح الدم ويقول: إن كنت أشج بني أمية إنك لسعيد. وهو الذي أزال ما كانت بنو أمية تفعله من مسبّة الإمام علي رضي الله عنه على المنابر وذكره بالسوء. عم العدل في خلافته فلما استلم الخلافة كتب إلى عماله: “إذا دعتكم قدرتكم على الناس إلى ظلمهم فاذكروا قدرة الله عليكم”. فكانت في زمن خلافته الغنم والذئاب ترعى في مكان واحد، فلقد جاء في كتاب حلية الأولياء أن رجلا قال: كنت أحلب الغنم في خلافة عمر بن عبد العزيز فمررت براع وفي غنمه نحو من ثلاثين ذئبا فحسبتها كلابا ولم أكن رأيت الذئاب قبل ذلك فقلت: يا راعي ما ترجو بهذه الكلاب كلها؟ فقال: يا بني إنها ليست كلابًا إنما هي ذئاب. فقلت: سبحان الله ذئب في غنم لا تضرها؟ فقال: “يا بني إذا صلح الرأس فليس على الجسد بأس”. توفي رحمه الله في رجب سنة 101هـ وكانت خلافته سنتين وخمسـة أشهر، ومات وهو ابن تسع وثلاثين سنـة وأشهر في محلة يقـال لها: “دير سمعـان” بمدينة حمص. رضي الله عنه ونفعنا ببركاته وبركات جده عمر بن الخطاب رضي الله عنه. انظر “أسد الغابة في معرفة الصحابة”، ابن الأثير (5/198)، و”الجرح والتعديل”، ابن أبي حاتم الرازي (1/441)، و”تهذيب التهذيب”، ابن حجر (4/365)، و”ثقات ابن حبان”، ابن حبان (5/151).
([22]) الحسن بن محمد ابن الحنفية وهو ابن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب. أبو محمد الهاشمي أخو عبد الله بن محمد. حدث عن أبيه وابن عباس وجابر وسلمة بن الأكوع وأبي سعيد الخدري. وروى عنه: الزُّهري وعمرو بن دينار وموسى ابن عبيدة وغيرهم. قال عمرو بن دينار: ما رأيت أحدا أعلم بما اختلف فيه الناس من الحسن بن محمد. اهـ توفي سنة 99هـ أو 100هـ. انظر “الجرح والتعديل”، ابن أبي حاتم الرازي (1/113). و”سير الأعلام”، الذهبي (5/152).
([23]) هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب ابن عم رسول الله ﷺ أحد العشرة ورابع الخلفاء الراشدين وأقضى الصحابة. ولد قبل البعثة بعشر سنين وتربّى في حجر النبي ﷺ ولم يفارقه وشهد معه المشاهد كلها إلا غزوة تبوك فإن رسول الله ﷺ استخلفه على المدينة في أثناء غيابه وقال: “أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُوْنَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُوْنَ مِنْ مُوسَى” أي أما ترضى أن تخلفني في غيابي كما خلف هارون أخاه موسى في أثناء غيابه، وليس معناه أنت الخليفة بعدي فإن هارون مات قبل موسى عليه السلام من غير خلاف. زوجه رسول الله ﷺ بنته فاطمة وكان اللواء بيده في أكثر المشاهد. ومناقبه كثيرة حتى قال الإمام أحمد: “لم ينقل لأحد من الصحابة ما نقل لعلي”. وتتبع النَّسائي ما خص به دون الصحابة فجمع من ذلك شيئًا كثيرًا بأسانيد أكثرها جياد كما قال الحافظ، وفي ما ثبت من مناقبه ما يغني عما ولّده له بعض الناس من مناقب موضوعة مفتراة. روى عن النبي ﷺ كثيرًا وروى عنه كثير من الصحابة والتابعين. اشتهر بالعلم الواسع والفروسية والشجاعة والإقدام. بويع بالخلافة بعد قتل عثمان رضي الله عنه سنة 35هـ وحارب الناكثين في معركة الجمل سنة 36هـ ثم القاسطين سنة 37هـ في صفين ثم المارقين في سنة 38هـ في النهروان، ثم أخذ يهيئ لمحاربة البغاة فاستشهد قبل تحقق ذلك في رمضان سنة 40هـ رحمه الله ورضي عنه. انظر “الإصابة في تمييز الصحابة”، ابن حجر (2/507 إلى 510)، و”تهذيب التهذيب”، ابن حجر (7/294 إلى 298)، و”حلية الأولياء”، أبو نعيم (1/61 إلى 87)، و”الاستيعاب في معرفة الأصحاب”، ابن عبد البر (3/26 إلى 68).
( ([24]من الفرق التي شذت عن مذهب أهل السنة والجماعة، خرجت على سيدنا علي رضي الله عنه من أصحابه ومن كان معه وقالوا: لا حكم إلا لله، وعسكروا بحروراء -موضع بالكوفة- وبعث علي إليهم ابن عباس فخاصمهم وحجّهم فرجع منهم قوم كثير وثبت قوم، وساروا إلى النهروان فعرضوا للسبيل فسار إليهم علي فقتلهم بالنهروان وتشتت الباقون وانقسموا فرقًا بلغوا إلى عشرين فرقة يجمعهم إكفار علي وعثمان وأصحاب الجمل والحكمين ومن رضي بالتحكيم وصوّب الحكمين أو أحدهما ووجوب الخروج على السلطان الجائر. انظر “تاريخ الخلفاء”، السيوطي (ص138)، “الفرق بين الفرق”، أبو منصور البغدادي (ص54-55).
([25]) الدهرية: هم الذين يقولون بِقِدَمِ العالم وينكرون الصانع سبحانه، وينسُبون الأثر إلى الكواكب أي يعتقدون أنها هي التي تؤثر على الحقيقة. انظر “الملل والنحل”، الشهرستاني (ص490).
([26]) انظر “حلية الأولياء”، الحافظ أبو نُعيم (1/114).
([27]) أبو واثلة القاضي إياس بن معاوية بن قرة بن إياس بن هلال المزني. كانت ولادته في البصرة سنة 56هـ. ظهرت عليه دلائل نبوغه منذ صغره وعرف بذكائه وفراسته. ولي القضاء سنةً في أيام الخليفة عمر بن عبد العزيز. ومما قاله الحريري في مقاماته جملته التي كتبها في المقامة السابعة وهي: “فإذا ألمعيَّتي ألمعية ابن عباس، وفراستي فراسة إياس”. ذكر أبو نعيم في الحلية أنه قيل لإياس يومًا: فيك خصال: دمامة وكثرة كلام وتعجيلك بالقضاء، فقال: أما الدمامة فالأمر فيها إلى غيري، وأما كثرة الكلام فبصواب أتكلم أم بخطأ، قالوا بصواب، قال فالإكثار من الصواب أمثل وأفضل، وأما قولكم إنك تعجل بالقضاء فكم هذه (وأشار بيده خمسة) فقالوا: خمسة، فقال عجلتم، ألا قلتم واحد واثنان وثلاثة وأربعة وخمسة؟ قالوا: ما نعد شيئًا قد عرفناه، قال: فما أحبس شيئًا قد تبين لي فيه الحكم. اهـ وروى داود بن أبي هند عنه أنه قال: أنا أكلم الناس بنصف عقلي فإذا اختصم إلي اثنان جمعت عقلي كله. اهـ وسمعه حبيب بن الشهيد يقول: ما كلمت أحدًا من أهل الأهواء بعقلي كله إلا القدرية، فإني قلت لهم: ما الظلم عندكم؟ قالوا: أن يأخذ الإنسان ما ليس له، فقلت لهم: فإن لله عز وجل كل شىء. اهـ. توفي سنة 122هـ عن ست وسبعين سنة. انظر “تهذيب الكمال”، المزي (2/367)، و”تقريب التهذيب”، ابن حجر (1/115)، و”لسان الميزان”، ابن حجر (7/186)، و”ثقات ابن حبان”، ابن حبان (4/35).
([28]) خالفوا أهل السنة في ءاخر أيام الصحابة في مسألة القدر –وسيأتي التفصيل في مسألة الإيمان بالقدر في شرح هذه القصيدة- وأهل السنة لهم بالمرصاد من أيام الصحابة إلى يومنا هذا، فانطفأت فِتنهم في كثير من البلاد. وروى البيهقي عن رافع بن خديج رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ أنهم يكونون أتباع الدجال عند ظهوره.
([29]) ذكر الطبري أن اسمه بسطام، من بني يشكر، خرج في خلافة عمر بن عبد العزيز. انظر “تاريخ الطبري” (6/555)، و”النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة”، يوسف بن تغري بردي (1/309).
([30]) ربيعة بن أبي عبد الرحمن الإمام أبو عثمان التيمي المدني الفقيه مولى ءال المنكدر. روى عن أنس بن مالك وسعيد بن المسيب والقاسم بن محمد، وعنه سفيان ومالك والأوزاعي، وكان إمامًا حافظًا مجتهدًا بصيرًا بالرأي ولذلك يقال له: ربيعة الرأي. توفي سنة 136هـ. انظر “تذكرة الحفاظ”، الذهبي (1/119).
([31]) غيلان بن أبي غيلان المقتول في القدر، ضال، حدث عنه يعقوب بن عتبة. كان من بلغاء الكتاب، وقال ابن المبارك: كان من أصحاب الحارث الكذاب وممن ءامن بنبوته، فلما قتل الحارث قام غيلان إلى مقامه، وقال له خالد بن اللجلاج: ويلك ألم تكن في شيبتك ترامي النساء بالتفاح في شهر رمضان، ثم صرت خادمًا تخدم امرأة الحارث الكذاب المتنبي وتزعم أنها أم المؤمنين، ثم تحولت فصرت زنديقًا ما أراك تخرج من هوى إلا إلى أشر منه. اهـ وقال له مكحول: لا تجالسني. وقال الساجي: كان قدريًا داعية – أي إلى بدعتهم-اهـ. دعا عليه عمر بن عبد العزيز فقتل وصلب وكان غير ثقة ولا مأمون. وكان مالك ينهى عن مجالسته. ناظره الأوزاعي فوجّه إليه أسئلة قليلة ضَعُف أمامها وانقطع لكنه ظل مصرًا على بدعته ولم يتراجع، فقال الأوزاعي لهشام بن عبد الملك: يا أمير المؤمنين دمه في عنقي –أي أفتى بقتله-. روى هذه القصة ابن عساكر في “تاريخ دمشق بروايات عدة. انظر “لسان الميزان”، ابن حجر (4/492).
([32]) هو أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار البصري التابعي، أمه مولاة أم سلمة، ولد بالمدينة المنورة سنة 21هـ ، نشأ في المدينة وحفظ كتاب الله في خلافة عثمان وسمعه يخطب مرات. سكن البصرة وكان شيخ أهلها في زمانه ومن كبار العلماء والشجعان والفصحاء ، لازم الجهاد والعلم والعمل وكان أحد الشجعان الموصوفين. كان عالمًا جامعًا ثقة عابدًا زاهدًا كثير العلم فصيحًا وسيمًا مليح التذكير بليغ الموعظة. روى عنه ثابت البناني وغيره. توفي في البصرة سنة 110هـ عن ثمان وثمانين سنة. انظر “سير الأعلام”، الذهبي (4/563)، و”تهذيب التهذيب”، ابن حجر (2/231 إلى 236).
([33]) قال الفقيه الحنفي المحدث اللغوي محمد مرتضى الزبيدي في “إتحاف السادة المتقين” له (2/14): وهذه الكتب الخمسة ليست من جمع الإمام أبي حنيفة، بل الصحيح أن هذه المسائل المذكورة في هذه الكتب من أمالي الإمام التي أملاها على أصحابه كحمّاد وأبي يوسف وأبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي وأبي مقاتل حفص بن سلم السمرقندي، فهم الذين قاموا بجمعها وتلقاها عنهم جماعة من الأئمة كإسماعيل بن حمّاد ومحمد بن مقاتل الرازي ومحمد بن سماعة ونصير بن يحيى البلخي وشداد بن الحكم وغيرهم إلى أن وصلت بالإسناد الصحيح إلى الإمام أبي منصور الماتريدي، فمن عزاها إلى الإمام صح لكون تلك المسائل من إملائه إلى أبي مطيع البلخي وغيره، ومن عزاها إلى غيره ممن هو في طبقته أو ممن هو بعدهم صح لكونها من جمعه اهـ.
([34]) هو إمامنا وقدوتنا الإمام الحجة محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع المطلبي الشافعي رضي الله عنه. ولد سنة 150هـ في غزة هاشم في السنة التي توفي فيها الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه فقيل: “مات قمر وولد قمر”. اعتنت به أمه صغيرًا ووجهته إلى معالي الأخلاق وطلب العلم وأرسلته إلى مكة صغيرًا حتى لا يضيع نسبه، فصار إلى نسيب له وجعل يطلب العلم وجعل الله لذته في طلبه حتى رزقه الله منه ما رزق. خرج من مكة ولزم قبيلة هُذَيل يرحل برحيلهم وينزل بنزولهم وكانوا أفصح العرب إذ ذاك فتعلم كلامهم وروى أشعارهم، ثم حفظ الموطأ في مدة قليلة ورحل إلى مالك وقرأه عليه واستفاد منه، وكان يقول: “مالك أستاذي”. ودخل اليمن مدة ورحل إلى العراق وفيه ألف مذهبه القديم، ثم رحل إلى مصر سنة 199هـ ووضع فيها مذهبه الجديد. كان رحمه الله عالمًا زاهدًا فصيحًا سخيًا راميًا فارسًا قوي الحجة صادق الفراسة، روى عن مالك وابن عيينة وفضيل بن عياض وغيرهم وبلغ درجة الفتيا وهو دون العشرين، وألف “الرسالة” الأصولية، وهو أول من ألف في هذا الفن وجمع ما تفرق منه وفتح لمن بعده هذا الباب، وروى عنه أحمد بن حنبل والبويطي والمزني والحميدي وأبو ثور والزعفراني وغيرهم من الأئمة، وانتشر علمه في أنحاء المعمورة حتى حُمل عليه حديث: “عالِم قُريش يملأُ طباقَ الأرضِ عِلمًا”. قال الفضل البزاز: “حججت مع أحمد بن حنبل ونزلنا في مكان واحد فلما صلينا الصبح درت المسجد فجئت إلى مجلس سفيان بن عيينة وكنت أدور مجلسًا مجلسًا طلبًا لأحمد بن حنبل حتى وجدت أحمد عند شاب أعرابي وعلى رأسه جمة فزاحمته حتى قعدت عند أحمد بن حنبل فقلت يا أبا عبد الله تركت ابن عيينة عنده الزُّهري وعمرو بن دينار وزياد بن علاقة والتابعون ما الله به عليم، فقال لي اسكت فإن فاتك حديث بعلو تجده بنزول ولا يضرك في دينك ولا في عقلك، وإن فاتك عقل هذا الفتى أخاف أن لا تجده إلى يوم القيامة، ما رأيت أحدًا أفقه في كتاب الله عز وجل من هذا الفتى القرشي، قلت من هذا؟ قال محمد بن إدريس الشافعي”. توفي رضي الله عنه بمصر سنة 204هـ ودفنه بنو عبد الحكم في قبورهم وصلى عليه السريّ أمير مصر. أُلِّفَت في ترجمته تصانيف منها “مناقب الشافعي” لأبي حاتم الرازي، و”مناقب الشافعي” للبيهقي. رحمه الله رحمة واسعة وجزاه خيرًا. انظر في الكتابين المذكورين.
([35]) وهذا القول الشنيع فيه نفيٌ لخالقية الله سبحانه وتعالى للعالم وتكذيب لقوله سبحانه وتعالى:﴿ وخلق كل شيء﴾ الفرقان/2، وغيرها من الآيات والأحاديث وإجماع أهل السنة والجماعة.
([36]) ذكر الشهرستاني في “المِلَل والنِّحَل” ص(508) أنهم انتسبوا إلى رجل منهم يقال له براهم، فمهّدَ لهم نفي النبوّات، وتفرقوا أصنافًا فمنهم أصحاب البددة ومنهم أصحاب الفكرة ومنهم أصحاب التناسخ اهـ. وهم طائفة يكثر وجودها في الهند.
([37]) هو فقيه المدينة يوم كانت المدينة ملأى بالفقهاء، الإمام الحجة أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي المدني، وجده أبو عامر كان صحابيًا جليلا. ولد مالك في المدينة 93هـ وأخذ عن أكثر من تسعمائة شيخ منهم أكابر العلماء كربيعة الرأي والزهري ونافع مولى ابن عمر ويحيى بن سعيد الأنصاري وعروة بن الزبير وجعفر الصادق وغيرهم من الأكابر الذين تستنزل الرحمات بذكرهم. تأهل للفتيا وجلس للإفادة وهو في الحادية والعشرين من عمره. ضربت أكباد الإبل في الرحلة إليه وروى عنه عدد كبير، ألف القاضي عياض كتابا عد فيه أكثر من ألف وثلاثمائة من مشاهيرهم، منهم الشافعي ومحمد بن الحسن وعبد الله بن المبارك وعبد الرحمن بن مهدي وأشهب بن عبد العزيز وغيرهم. صنف فضلا عن الموطأ رسالة في القدر ورسالة في الأقضية ورسالة في الفتوى وكتابا في النجوم وحساب مدار الزمان ومنازل القمر وغير ذلك. جلده بعض الأمراء على فتوى أفتاها فصبر ولم يرجع عنها. كان أمّارا بالمعروف نهّاء عن المنكر، ذا هيبة شديدة بحيث إذا أجاب لا يجرأ أن يقال له من أين، متمكنا في العلم وفي معرفة حديث رسول الله ﷺ. قال الشافعي رضي الله عنه: إذا جاء الحديث فمالك النجم اهـ توفى بالمدينة سنة 179هـ. وأفرد ترجمته جماعة من المتقدمين والمتأخرين، وترجمه عياض ترجمة حافلة في مقدمة كتابه “ترتيب المدارك” (ص44 إلى 160) وانظر كذلك “تذكرة الحفاظ”، الذهبي (1/207) و”تهذيب التهذيب”، الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني (10/5 إلى 8) و”شجرة النور الزكية”، محمد بن مخلوف (1/80 إلى 83).
([38]) أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني الفقيه والمحدث صاحب المذهب. ولد ببغداد سنة 164هـ ونشأ بها ومات والده وهو صغير فتعهدته أمه ووجهته إلى دراسة العلوم الدينية فحفظ القرءان وتعلم اللغة. ذهب إلى الكوفة ومكة والمدينة والشام واليمن ثم رجع إلى بغداد ودرس فيها على الشافعي أثناء قيام الشافعي برحلاته إليها وكان من أكبر تلاميذ الشافعي ببغداد. درس على يد كثير من علماء العراق منهم إبراهيم بن سعد وسفيان بن عيينة ويزيد بن هارون وأبو داود الطيالسي ووكيع بن الجراح وعبد الرحمن بن مهدي. برز على أقرانه في حفظ السنة وجمع شتاتها حتى أصبح إمام المحدثين في عصره. قال الشافعي: خرجت من بغداد وما خلفت فيها أفقه ولا أورع ولا أزهد ولا أعلم ولا أحفظ من ابن حنبل. وكان من أحيا الناس وأكرمهم نفسًا وأحسنهم عشرة وأدبًا، كثير الإطراق والغض معرضًا عن القبيح واللغو، لا يسمع منه إلا المذاكرة بالحديث وذكر الصالحين والزهاد في وقار وسكون ولفظ حسن، وكان قوي العزيمة صبورًا ثابت الرأي قوي الحجة جريئًا في التكلم بالحق عند الخلفاء مما كان سببًا في محنته المشهورة. توفي سنة 241هـ. انظر “سير الأعلام”، الذهبي (11/177، 262).
([39]) هو إمام أهل السنة أبو منصور محمد بن محمد بن محمود الماتريدي نسبة إلى ماتريد بسمرقند، إمام واسع الصيت عظيم القدر في علم الكلام، انتشر تلاميذه وتلاميذهم وتلاميذ تلاميذهم وهلمّ جرًّا في بلاد من الصين شرقًا إلى أوروبا غربًا ومن روسيا شمالًا إلى بلاد الهند والسند والبنغال جنوبًا. تفقه على أبي بكر أحمد الجوزجاني وهو على أبي سليمان الجوزجاني وهو على محمد بن الحسن وهو على الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه. وتفقه عليه الحكيم القاضي إسحق بن محمد السمرقندي وعلي الرستغفنيّ وأبو محمد عبد الكريم بن موسى البزدويّ. صنف التصانيف الجليلة ورد أكاذيب أهل العقائد الباطلة بالحجج النقلية والعقلية. قال كمال الدين البياضي: الماتريدي مفصل لمذهب أبي حنيفة وأصحابه المظهرين لمذهب أهل السنة، فلم يخل زمان من القائمين بنصرة الدين وإظهاره. اهـ. وقال الأدنروي عنه: إمام الهدى والدين، كان إمام المتكلمين ومصحح عقائد المسلمين، نصره الله بالصراط المستقيم فصار في نصرة الدين القويم، تفقه عليه الحكيم السمرقندي وفقهاء ذاك العصر. اهـ. له كتاب “التوحيد” وكتاب “المقالات” وكتاب “أوهام المعتزلة” وغير ذلك. مات سنة 333هـ. انظر “الفوائد البهية في تراجم الحنفية”، اللكنوي (ص320).
([40]) المشبهة ينتهون في الصفات إلى التجسيم والتشبيه في حق الله سبحانه وتعالى. وهم طوائف عديدة ولكل واحدة منهم رأي، منهم من يقول إنه نور يتلألأ، ومنهم من يقول بأن معبوده مستقر على العرش وعلى أنه بجهة فوق ذاتًا ووصفوه بالآلات والأعضاء. ومنهم من قال إنه على بعض أجزاء العرش، وقال بعضهم امتلأ العرش به، وصار المتأخرون منهم إلى أنه تعالى بجهة فوق وأنه محاذ للعرش بوجود فراغ بينه وبين العرش. وكل ذلك يُفضي إلى تقدير الله سبحانه وتحديده وتجسيمه، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: “المُجَسِّمُ كافر” ذكر ذلك عنه الحافظ السيوطي في “الأشباه والنظائر” (ص488)، ونقل ابن المعلم القرشي في كتابه “نجم المهتدي ورجم المعتدي” (ص588) عن الإمام علي بن أبي طالب أنه قال: “سيرجع قوم من هذه الأمة عند اقتراب الساعة كفارًا ينكرون خالقهم فيصفونه بالجسم والأعضاء”، وفي الكتاب نفسه (ص551) نقل عن الشافعي قوله: “من اعتقد أن الله جالس على العرش كافر”. ونقل هذا الكلام عينه عن الشافعي أيضًا نجم الدين ابن الرفعة في “كفاية النبيه في شرح التنبيه” (4/24). وفي “تشنيف المسامع” لبدر الدين الزركشي (4/648) أن الإمام أحمد بن حنبل قال: “من قال الله جسم لا كالأجسام كفر”. وقال الإمام أبو الحسن الأشعري في كتابه “النوادر” كما نقله عنه البياضي في “إشارات المرام” (ص200) ما نصه: “من اعتقد أن الله جسم فهو غير عارف بربه وإنه كافر به”. وفي “المنهاج القويم” لابن حجر الهيتمي (ص144) ما نصه: “واعلم أن القَرافي وغيره حكوا عن الشافعي ومالك وأحمد وأبي حنيفة رضي الله عنهم القول بكفر القائلين بالجهة والتجسيم وهم حقيقون بذلـك”. أي جديـرون بالحكـم عليهم بالكفـر لأنـهم ما عبـدوا الله. انظـر “المِلَل والنحـل”، الشهرستـاني (ص107)،
و”أصول الدين”، عبد القاهر التميمي (ص337).
([41]) قال الإمام تاج الدين السبكي في “طبقات الشافعية الكبرى” (3/365): “فالانتساب إليه –أي إلى الإمام أبي الحسن الأشعري- إنما هو باعتبار أنه عقد على طريق السلف نطاقا وتمسك به وأقام الحجج والبراهين عليه فصار المقتدى به في ذلك السالك سبيله في الدلائل يسمى أشعريا” اهـ.
([42]) محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أبو عبد الله. حبر الإسلام والحافظ لحديث رسول الله ﷺ صاحب الجامع الصحيح المعروف بصحيح البخاري، ولد في بخارى سنة 194هـ، وقام برحلة طويلة سنة 210هـ في طلب الحديث فزار خراسان والعراق ومصر والشام وسمع من نحو ألف شيخ، وجمع نحو ستمائة ألف حديث اختار منها في صحيحه ما وثق برواته. له “الضعفاء في رجال الحديث” و “خلق أفعال العباد” و”الأدب المفرد”. توفي سنة 256هـ. انظر “الأعلام”، الزركلي (6/34).
([43]) نعيم بن حمّاد الخزاعي المروزي الفرضيّ الحافظ. أحد علماء الأثر، كنيته أبو عبد الله الفرضي الأعور. سمع أَبا حمزة السكريّ وهشيمًـا وطبقتهما، وصنّف التصانيف، وامتُحن بخلق القرءان فلم يُجـب، فحبس وقيّد ومـات في الحبس رحمه الله تعالى. توفي سنة 228هـ وقيل 229هـ. انظر “العبر في أخبار من غبر”، الذهبي (1/319).
([44]) أتباع جهم بن صفوان أبو محرز الراسبي السمرقندي أس الضلالة كان ينكر الصفات وينزه البارئ عنها بزعمه، ويقول بخلق القرءان وأن الله تعالى في الأمكنة كلها. قتله سلم بن أحوز وكان قتله سنة 128هـ. والجهمية هم من الجبرية الخالصة ينفون الكسب عن العبد فيجعلونه كالريشة في مهب الريح، وأهل السنة يكفرونهم لقولهم بأن علم الله حادث وأن كلامه حادث وغير ذلك. انظر “الفرق بين الفرق”، أبو منصور البغدادي (ص199)، و”الملل والنحل”، الشهرستاني (ص113).
([45]) الإمام الرّباني محمد بن أسلم الطوسي الزاهد صاحب المسند والأربعين وكان يشبه في وقته بابن المبارك. رحل وسمع من يزيد بن هارون وجعفر بن عون وطبقتهما، وروى عنه ابن خزيمة وقال: لم تر عيناي مثله اهـ. وقال غيره: يعد من الأبدال اهـ. توفي سنة 242هـ. رحمة الله عليه. انظر “مرءاة الجنان وعبرة اليقظان”، اليافعي (2/100)، و”تاريخ بغداد”، الخطيب البغدادي (9/467).
([46]) أبو عبد الله الزاهد المشهور، الحارث بن أسد المحاسبي الزاهد البغدادي البصري الأصل. قال الخطيب: كان عالما فهما. له مصنفات في أصول الديانة وكتب في الزهد وفي والرد على المعتزلة والرافضة. وكان ذا ورع شديد حتى إن أباه خلف له مالا كثيرا بعد وفاته فتركه وقال: لا يتوارث أهل ملتين، لأن أباه كان يقول بالقدر. ويحكى عنه أنه كان إذا مد يده إلى طعام فيه شبهة تحرك على أصبعه عرق، فكان يمتنع منه. ومن أقواله: ترك الدنيا مع ذكرها صفة الزاهدين، وتركها مع نسيانها صفة العارفين. توفي سنة 243هـ. انظر “تهذيب التهذيب”، ابن حجر (1/225)، و”لسان الميزان”، ابن حجر (7/197).
([47]) الحسين بن علي بن يزيد الكرابيسي الفقيه البغدادي. تفقه ببغداد وسمع الحديث الكثير، وصحب الشافعي، وحمل عنه العلم وتبحر فيه، وهو معدود في كبار أصحابه وأشهرهم بإثبات مجلسه وأحفظهم لمذهبه وهو أحد رواة مذهبه القديم. وكان متكلما عارفا بالحديث، وأخذ عنه الفقه خلق كثير، تصانيفه في الفروع والأصول تدل على تبحره، صنف في الجرح والتعديل وغيره. توفي سنة 245هـ وقيل 248هـ. انظر “تهذيب التهذيب”، ابن حجر (1/572)، و”تهذيب الأسماء واللغات”، النووي (2/557)، و”وفيات الأعيان”، ابن خلكان (1/257).
([48]) عبد الله بن سعيد بن كُلَّاب البصري. أحد أئمة أهل السنة قبل الأشعري، وله طول الذيل في علم الكلام وحسن النظر، وصنف في الرد على المعتزلة. انظر “الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى والأنساب”، ابن ماكولا (7/136).
([49]) شيخ الحنفية أبو المحاسن حسن بن منصور بن محمود البخاري الحنفي الأوزجندي صاحب التصانيف. سمع الكثير من الإمام ظهير الدين الحسن بن علي بن عبد العزيز، ومن إبراهيم بن عثمان الصفاري وطائـفة، وأملى مجالس كثيـرة، روى عنه العلامة جمال الدين محمود بن أحمد الحصيري أحد تلامذته. بقي إلى سنة 589هـ فإنه أملى في هذا العام. انظر “سير الأعلام”، الذهبي (15/406).
([50]) انظر “فتاوى قاضيخان”، فخر الدين حسن بن منصور الأوزجندي (2/320) بهامش الفتاوى الهندية.