خالق العالم وهو الحق سبحانه غنيٌ عن العالمين أي مستغن عن كل ما سواه أزلًا وأبدًا، فإذا عُلم هذا يعلم أنه سبحانه وتعالى لا يحويه قطر أي فلا يحتاج إلى مكان يتحيز فيه أو شىء يحل به أو إلى جهة لأنه ليس كشىء من الأشياء، ليس حجمًا كثيفًا ولا حجمًا لطيفًا تعالى الله عن تشبيه فالتحيز من صفات الجسم الكثيف واللطيف، فالجسم الكثيف والجسم اللطيف يتحيز في جهة ومكان([1])، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ([2]) فأثبت الله تعالى لكلٍّ من الأربعة التحيز في فلكه وهو المدار.
ويكفي في تنزيه الله عن المكان والحيز والجهة قوله تعالى في سورة الشورى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾([3]) لأنه لو كان له مكان لكان له أمثال وأبعاد طول وعرض وعمق، ومن كان كذلك كان مُحْدَثًا محتاجًا لمن حدَّه بهذا الطول وبهذا العرض وبهذا العمق، هذا الدليل من القرءان. أما من الحديث فما رواه البخاري والبيهقي([4]) وغيرُهما بالإسناد الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: (كَانَ اللهُ وَلَمْ يَكُنْ شَىءٌ غَيْرُه)، ومعناه أن الله لم يزل موجودًا في الأزل ليس معه غيره لا ماء ولا هواء ولا أرض ولا سماء ولا كرسي ولا عرش ولا إنس ولا جن ولا ملائكة ولا زمان ولا مكان ولا جهات، فهو تعالى موجود قبل المكان بلا مكان وهو الذي خلق المكان فليس بحاجة إليه، وهذا ما يستفاد من الحديث المذكور.
قال الإمام البيهقي: استدل بعض أصحابنا في نفي المكان عنه –أي الله- بقول النبـي ﷺ: (أَنْتَ الظَّاهِرُ([5]) فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الْبَاطِنُ([6]) فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ)([7]) وإذا لم يكن فوقه شىء ولا دونه شىء لم يكن في مكان([8]) اهـ.
قد كان الله سبحانه وتعالى موجودًا قبل كل شىء، فهو سبحانه وتعالى لا بداية لوجوده أي أزلي، ولا أزليّ بهذا المعنى سواه، قال تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ ﴾([9])فهو سبحانه موجود قبل المكان وقبل الزمان، وهو خالق كل شىء، أي مخرجه من العدم إلى الوجود. وبعبارة أخرى ففي الأزل لم يكن إلَّا الله تعالى، كان ولا مكان ولا زمان ولا شىء وهو خالق كل شىء، فكما صح وجود الله تعالى بلا مكان قبل خلق الأماكن والجهات فكذلك يصح وجوده بعد خلق الأماكن بلا مكان ولا جهة، وهذا لا يكون نفيًا لوجوده كما زعمت المشبهة والخوارج دعاة التجسيم في هذا العصر. قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: “إنه تعالى كان ولا مكان فخلق المكان وهو على صفة الأزلية كما كان قبل خلقه المكان لا يجوز عليه التغيير في ذاته ولا التبديل في صفاته”([10]).
وبعد خلق المكان لم يزل موجودًا بلا مكان لأنه تعالى لا يجوز عليه التغير والتطور والانتقال من حال إلى حال. قال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه: “كان الله ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان”([11]).
فقد جاوز الحد وبلغ مبلغًا عظيمًـا في الضلال من جعل الله مختصًا متحيزًا بجهة العلو أي بجهة فوق، أو بأي جهة أخرى، لأن في وصف الله بالجهة والمكان تحديدًا وتجسيمًا للبارئ سبحانه، فالمكان هو ما يأخذه الحجم من الفراغ([12])، تعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
وأما من قال جهة فوق تليق بالله وجهة تحت نقص على الله فلذلك نصف الله بجهة فوق. فالجواب: أن جهة فوق مسكن الملائكة وكذلك مدار النجوم والشمس والقمر جهة فوق، وليس هؤلاء أفضل من الأنبياء الذين منشؤهم في جهة تحت وحياتهم في جهة تحت إلى أن يموتوا فيدفنوا فيها. والأنبياء أفضل من الملائكة لأن الله أسجد لآدم الملائكة فسجدوا له، والمسجود له أفضل من الساجد فبطل قولكم جهة فوق كمال لله وجهة التحت نقص على الله، لأن الله لا يتشرف بشىء من خلقه، فلا يتشرف بالعرش ومن زعم ذلك جعل الله محتاجًا لغيره، والاحتياج مستحيل على الله بل التحيز في جهة فوق أو غيرها نقص على الله لأنه يلزم من التحيز أن يكون له حدٌ ومقدار والمقدار للمخلوق قال الله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ ﴾([13]). العرش له مقدار والذرة لها مقدار وكذلك ما بينهما من الأحجام والأجسام المختلفة. ثم إن الملك والسلطان قد يكونان يسكنان في بطن الوادي وحراسهما يكونون على الأعالي، فهذا القياس الذي تعتبره المشبهة قياس فاسد لا يَلتفت إليه إلا من هو ضعيف العقل فاسد الفهم، فمذهب أهل السنة الأشاعرة والماتريدية هو الصواب السديد الموافق للعقل والنقل، والحمد لله على ذلك.
وقال المفسر فخر الدِّين الرَّازي ما نصه: “فلو كان علو الله تعالى بسبب المكان لكان علو المكان الذي بسببه حصل هذا العلو لله تعالى صفة ذاتية، ولكان حصول هذا العلو لله تعالـى حصولًا بتبعية حصولـه في المكان، فكان علو المكـان أتم وأكمل من علو ذات الله تعالى، فيكون علو الله تعالى ناقصًا وعلو غيره كاملًا وذلك محال”([14]).
وليس معنى كلام أهل السنة في نفي جهة العلو عن الله أنهم ينفون صفة العلو عنه كما افترت المشبهة على أهل السنة الأشاعرة والماتريدية، بل الله موصوف بعلوِّ القدر والمكانة ومنزه عن المكان والجهة لأن وصفه بالعلو هو من جهة المعنى والمستحيل كون ذلك من جهة الحس([15]).
تنبيه: لا يجوز أن يقال الله موجود في كل مكان أو في جميع الأماكن، والصواب الحق أن يقال: “الله تعالى موجود بلا مكان” فلتحفظ هذه العبارة ولتعلَّم للصبيان كما اهتم بها الأوائل تعليمًا وتفهيمًا للحفاظ على عقائد العوام، وصرح بهذه العبارة الصحابة والسلف الصالح كما سبق وبيّنا ذلك عن علي بن أبي طالب والإمام الشافعي وكذا قبل الشافعي صرَّح الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه بهذه العبارة فقال: “كان الله ولا مكان، كان ولم يكن أين ولا خلق ولا شىء وهو خالق كل شىء”([16]). وأما قول: الله موجود في كل مكان، فهذه العبارة ليست صادرة عن السلف بل عن المعتزلة ثم استعملها جهلة العوام، ويفهمون منها أنه عالم بكل شىء ومسيطر على كل شىء، ومع هذا فيجب النهي عنها.
وحصر المشبِّه الله بقوله هو في السماء ويفهم منها الحلول، ولا ينجيهم من الضلال قولهم إن معنى “في السماء” فوقها ويريدون الفوقية الحسية لأن هذا تقدير وتحديد لله جل وعلا أيضًا، فكيف استقام عقلًا هذا الشىء عندهم وهو أن يكون المخلوقُ وهو السماء صفة للخالق الذي كان موجودًا قبل السماء وقبل العرش وقبل جهة فوق وتحت وقبل العالم؟! هذا يدل على أن هؤلاء لا يجعلون للعقل اعتبارًا، ولا يجوز إهمال العقل لأنه شاهد للشرع. وبعض المشبهة قالوا: الله في السماء بذاته، وبعضهم قال: هو على العرش بذاته وهؤلاء منهم من قال: جالس عليه، وبعضهم قال: بل هو فوقه بوجود فراغ بينه وبين العرش والعياذ بالله، وكل ذلك جهل بالخالق سبحانه وتعالى وتجسيم، فلا مناسبة بين الله وبين العرش كما لا مناسبة بينه سبحانه وتعالى وبين سائر خلقه، قال الشيخ محمد بن علي الكناني([17]) الشافعي رحمه الله في عقيدة مختصرة له: “هو الله الذي لا إله إلاّ هو الملك القدّوس على العرش استوى من غير تمكّن ولا جلوس، لا العرش له من قِبَل القرار ولا الاستواء من جهة الاستقرار، العرش له حدٌّ ومقدار، والربُّ لا تُدركه الأبصار، العرش تُكَيّفه خواطر العقول وتصفه بالعرض والطول، وهو مع ذلك محمول، والقديم لا يحول ولا يزول، العرش بنفسه هو المكان، وله جوانب وأركان، وكان الله ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان. جَلَّ عن التشبيه والتقدير والتكييف والتغيير والتأليف والتصوير ليس كمثله شيء وهو السميع البصير”([18]) اهـ.
المشبِّهة الذيـن يحملون عقيدة اليهود فـي تشبيه الله بخلقه، أخذوا بظاهر الآيات التي توهم أن لله مكانًا، قالوا: كيف يكون موجود بلا مكـان والموجود لا بد لـه من مكـان، الله موجود إذًا له مكان، وحجّتهم هذه داحضة باطلة لأنه ليس من شرط الوجود التحيز في المكان، أليس الله تعالى كان موجودًا قبل المكان والزمان وقبل كل شىء بدليل حديث: (كانَ اللهُ وَلَمْ يَكُنْ شَىءٌ غَيْرُه)([19]). فالمكان غير الله والجهات والعالم غير الله، فإذا صح وجوده تعالى شرعًا وعقلًا قبل المكان والجهات بلا مكان ولا جهة، فكيف يستحيل على زعم هؤلاء وجوده تعالى بلا مكان بعد خلق المكان والجهات. ومصيبة هؤلاء أنهم قاسوا الخالق على المخلوق، قالوا: كما لا يعقل وجود إنسان أو ملك أو غير ذلك من الأجسام بلا مكان يستحيل وجود الله بلا مكان فهلكوا.
ومحور اعتقاد المسلم ليس على الوهم لأن الوهم يحكم على ما لم يشاهده بحكم ما شاهده فيحكم بأن الله موجود بمكان، أما العقل السليم فيقضي بأن الله موجود بلا مكان، فمحور اعتقاد المسلم على العقل السليم الذي هو شاهد على صحة ما جاء به الشرع، وليس على الوهم لأن العقل لا يردّ ذلك بل يقبله ويسلّم به. فقولنا: الله موجود بلا مكان العقل يقبله لكن الوهم لا يتصوره كما لا يتصور الوهم عدم النور والظلام معًا فـي ءان واحد قبل أن يخلقا، لأنهما خلقا بعد خلق المـاء والعرش والقلم واللوح، فأي وهم يتصور ذلك([20])؟! ومع كون ذلك غير مفهوم للإنسان نؤمن به لأن الله تعالـى أخبر بذلك بقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ﴾([21]).
ثم يقال لهؤلاء المشبهة: هل الله كان موجودًا قبل المكان أم لا؟ فمن ضرورة العقل أن يقولوا بلى، يقال لهم إذًا وجوده بلا مكان صحيح لأنكم اعترفتم أنه قبل المكان كان موجودًا بلا مكان، نحن نقول: والآن هو موجود بلا مكان. فاللبيب هو من ترك الوهم جانبًا ولم يتخذ غير البرهان والدليل صاحبًا.
معتقد التشبيه جوَّز على الله تعالى من النقائص وصفات المحدثات كاعتقاد التحيز لله تعالى، أو اعتقاد أنه شىءٌ كالهواء أو كالنور يملأ مكانًا أو غرفة أو مسجدًا، ويُرَدُّ على المعتقدين أن الله متحيزٌ في جهة العلو ويقولون لذلك ترفع الأيدي عند الدعاء بما ثبت عن الرسول ﷺ أنه استسقى أي طلب المطر وجعل بطن كفيه إلى الأرض وظاهرهما إلى السماء([22]) وبأنه ﷺ نهى المصلي أن يرفع رأسه إلى السماء([23])، ولو كان الله متحيزا في جهة العلو كما تظن المشبهة ما نهانا عن رفع أبصارنا في الصلاة إلى السماء، وبأنه ﷺ كان يرفع إصبعه المسبحة عند قول “إلا الله” في التحيات ويحنيها قليلا([24])، فلو كان الأمر كما تقول المشبهة ما كان يحنيها بل يرفعها إلى السماء وكل هذا ثابتٌ حديثا عند المحدثين. فماذا تفعل المشبهة؟! ونسمي المساجد بيوت الله لا لأن الله يسكنها بل لأنها أماكن معدةٌ لذكر الله وعبادته، ويقال في العرش إنه جرمٌ أعده الله ليطوف به الملائكة كما يطوف المؤمنون في الأرض بالكعبة.
قال الحافظ المجتهد الشيخ عبد الله الهرري رحمه الله([25]): وأما ما في مسلم([26]) من أن رجلًا جاء إلى رسول الله ﷺ فسأله عن جارية له قال: قلت يا رسول الله أفلا أعتقها، قال: (ائتني بها) فأتاه بها فقال لها: (أينَ الله) قالت في السماء، قال: (مَنْ أنَا) قالت: أنت رسول الله، قال: (أعتِقْها فإِنَّها مُؤْمِنَة). فليس بصحيح([27]) لأمرين: للاضطراب لأنه روي بهذا اللفظ وبلفظ: (مَنْ رَبُّك)([28]) فقالت: الله، وبلفظ: (أينَ الله) فأشارت إلى السماء، وبلفظ: (أتشهديـنَ أنْ لَا إلهَ إلَّا الله)([29]) قالت: نعم، قال: (أتشهديـنَ أنّـِي رسولُ الله) قالت: نعم.
والأمر الثانـي: أن روايـة أيـن الله مخالفـة للأصـول لأن من أصـول الشريعـة أن الشخص لا يحكم له بقول “الله في السماء” بالإسلام لأن هذا القول مشترك بين اليهود والنصارى وغيرهم، وإنما الأصل المعروف في شريعة الله ما جاء في الحديث المتواتر([30]): (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله)([31]). ولفظ رواية مالك (أتشهدين)([32]) موافق للأصول.
فإن قيل: كيف تكون رواية مسلم “أين الله” فقالت: في السماء إلى ءاخره مردودة مع إخراج مسلم لها في كتابه وكل ما رواه مسلم موسوم بالصحة، فالجواب: أن عددًا من أحاديث مسلم ردها علماء الحديث وذكرها المحدثون في كتبهم كحديث أن الرسول قال لرجل: (إنّ أبي وأباكَ في النَّار)([33])، وحديث إنه يعطى كل مسلم يوم القيامة فداء له من اليهود والنصارى([34])، وكذلك حديث أنس: (صليتُ خلفَ رسولِ اللهِ وأبي بكرٍ وعمرَ فكانوا لا يَذكرونَ بِسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ)([35]). فأما الأول فضعّفه الحافـظ السيوطي([36]) والثاني رده البخاري([37]) والثالث ضعفه الشافعي وعدد من الحفاظ([38]).
فهذا الحديث على ظاهره باطل لمعارضته الحديث المتواتر المذكور وما خالف المتواتر فهو باطل إن لم يقبل التأويل. اتفق على ذلك المحدّثون والأصوليّون، لكن بعض العلماء أوّلوه على هذا الوجه، قالوا معنى أين الله سؤال عن تعظيمها لله، وقولها في السماء عالي القدر جدًا([39]). أما أخذه على ظاهره من أن الله ساكن السماء فهو باطل مردود لما تقرر في علم مصطلح الحديث أن ما خالف المتواتر باطل إن لم يقبل التأويل فإن ظاهره ظاهر الفساد، فإن ظاهره أن الكافر إذا قال الله في السماء يُحكم له بالإيمان. انتهى كلام الشيخ الهرري رحمه الله.
ويجب تَنْزِيهِ اللَّهِ عَنِ الْحَدِّ وَالْمِقْدَارِ
فيَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَوْجُودٌ مُنَزَّهٌ عَنِ الْحَدِّ وَالْمِقْدَارِ وَالْحَدُّ مَعْنَاهُ الْكَمِيَّةُ أَىْ مِقْدَارُ الْحَجْمِ فَإِذَا قَالَ عُلَمَاءُ أَهْلِ السُّنَّةِ إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِمَحْدُودٍ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَيْسَ شَيْئًا لَهُ كَمِيَّةٌ لِأَنَّ كُلَّ شَىْءٍ لَهُ كَمِيَّةٌ مِنَ الذَّرَّةِ إِلَى الْعَرْشِ يَحْتَاجُ إِلَى مَنْ أَوْجَدَهُ عَلَى هَذِهِ الْكَمِيَّةِ، الشَّمْسُ لَهَا كَمِيَّةٌ لَهَا حَدٌّ وَمِقْدَارٌ تَحْتَاجُ إِلَى مَنْ جَعَلَهَا عَلَى هَذَا الْحَدِّ وَالْمِقْدَارِ وَلا يَصِحُّ فِى الْعَقْلِ أَنْ تَكُونَ هِىَ أَوْجَدَتْ نَفْسَهَا عَلَى هَذَا الْحَدِّ الَّذِى هِىَ عَلَيْهِ، الْعَقْلُ لا يَقْبَلُهُ لِأَنَّ الشَّىْءَ لا يَخْلُقُ نَفْسَهُ وَلَمَّا كَانَتِ الشَّمْسُ مَعَ عُظْمِ نَفْعِهَا لا تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ إِلَهًا لِلْعَالَمِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ خَالِقُهَا لا كَمِيَّةَ لَهُ لَيْسَ شَيْئًا لَهُ كَمِيَّةٌ، الْعَرْشُ الْكَرِيمُ لَهُ كَمِيَّةٌ أَعْظَمُ كَمِيَّةٍ فِى الْمَخْلُوقَاتِ يَحْتَاجُ إِلَى مَنْ أَوْجَدَهُ عَلَى ذَلِكَ الْحَدِّ الَّذِى هُوَ عَلَيْهِ وَلا يَصِحُّ فِى الْعَقْلِ أَنْ يَكُونَ هُوَ خَلَقَ نَفْسَهُ وَكَذَلِكَ مَا بَيْنَ الذَّرَّةِ وَالْعَرْشِ يَحْتَاجُ إِلَى مَنْ أَوْجَدَهُ عَلَى الْكَمِيَّةِ الَّتِى هُوَ عَلَيْهَا فَمُوجِدُ هَذِهِ الْعَوَالِمِ يَجِبُ عَقْلًا أَنْ يَكُونَ لَيْسَ شَيْئًا لَهُ كَمِيَّةٌ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ كَمِيَّةٌ لَاحْتَاجَ إِلَى مَنْ جَعَلَهُ عَلَى هَذِهِ الْكَمِيَّةِ وَهَذَا لا يَرْتَابُ أَىْ لا يَشُكُّ فِيهِ ذُو عَقْلٍ صَحِيحٍ أَمَّا هَؤُلاءِ الْمُجَسِّمَةُ الْوَهَّابِيَّةُ وَأَشْبَاهُهُمُ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ اللَّهَ جِرْمٌ أَىْ جِسْمٌ لَهُ كَمِيَّةٌ بِقَدْرِ الْعَرْشِ لا أَصْغَرَ وَلا أَكْبَرَ هَؤُلاءِ مَا عَرَفُوا اللَّهَ، اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَوْ كَانَ لَهُ كَمِيَّةٌ لَاحْتَاجَ إِلَى مَنْ جَعَلَهُ وَأَوْجَدَهُ عَلَى تِلْكَ الْكَمِيَّةِ كَمَا أَنَّ الْعَرْشَ مُحْتَاجٌ لِمَنْ جَعَلَهُ عَلَى الْكَمِيَّةِ وَالْحَدِّ الَّذِى هُوَ عَلَيْهِ وَهَذَا شَىْءٌ يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ حَدٌّ وَكَمِيَّةٌ لَكَانَ لَهُ أَمْثَالٌ لا تُحْصَى لَكَانَ الإِنْسَانُ مِثْلًا لَهُ وَالشَّمْسُ لَكَانَتْ مِثْلًا لَهُ وَالْعَرْشُ لَكَانَ مِثْلًا لَهُ فَلِذَلِكَ عَمَلًا بِهَذِهِ الآيَةِ الشَّرِيفَةِ وَوُقُوفًا عِنْدَ الدَّلِيلِ الْعَقْلِىِّ وَجَبَ تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنِ الْحَدِّ وَالْكَمِيَّةِ وَهَذَا شَىْءٌ ثَبَتَ فِى عِبَارَاتِ السَّلَفِ الصَّالِحِ أَهْلِ الْقُرُونِ الثَّلاثَةِ الأُولَى قَرْنِ الصَّحَابَةِ وَقَرْنِ التَّابِعِينَ وَقَرْنِ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ قَالَ سَيِّدُنَا عَلِىٌّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ إِلَهَنَا مَحْدُودٌ فَقَدْ جَهِلَ الْخَالِقَ الْمَعْبُودَ رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ فِى الْحِلْيَةِ. هَذَا هُوَ كَلامُ السَّلَفِ أَمَّا الْوَهَّابِيَّةُ الَّذِينَ يَدَّعُونَ زُورًا وَكَذِبًا أَنَّهُمْ سَلَفِيَّةٌ فَلَيْسُوا عَلَى عَقِيدَةِ السَّلَفِ فَقَدْ قَالَ إِمَامُهُمْ ابْنُ بَازٍ فِى تَعْلِيقِهِ عَلَى الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ إِنَّ اللَّهَ لَهُ حَدٌّ لا يَعْلَمُهُ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ وَكَلامُهُ هَذَا فِيهِ تَكْذِيبٌ لِلْقُرْءَانِ وَإِجْمَاعِ الأُمَّةِ. وَقَدْ قَالَ قَبْلَ ذَلِكَ سَلَفُهُ ابْنُ تَيْمِيَةَ بِأَنَّ اللَّهَ مَحْدُودٌ وَلا يَعْلَمُ حَدَّهُ إِلَّا هُوَ وَقَدْ صَرَّحَ فِى بَعْضِ كُتُبِهِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بِقَدْرِ الْعَرْشِ لا أَكْبَرَ مِنْهُ وَلا أَصْغَرَ. عَجَبًا كَيْفَ يَعْتَقِدُ ابْنُ تَيْمِيَةَ أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ مُسْتَقِرٌّ فَوْقَ الْعَرْشِ بِقَدْرِ الْعَرْشِ وَأَنَّهُ يَنْزِلُ بِذَاتِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الأُولَى وَقَدْ ثَبَتَ فِى الْحَدِيثِ أَنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَرْشِ كَحَلْقَةٍ فِى أَرْضٍ فَلاةٍ أَىْ كَحَبَّةٍ صَغِيرَةٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى صَحْرَاءَ كَبِيرَةٍ فَعَلَى مُقْتَضَى كَلامِهِ أَنَّ اللَّهَ يَتَصَاغَرُ حَتَّى تَسَعَهُ السَّمَاءُ الأُولَى وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ.
([1]) قال اللغوي الراغب الأصفهاني في “مفردات القرءان” (مادة م ك ن، ص/471): “المكان: عند أهل اللغة الموضع الحاوي للشىء”. وقال العلامة كمال الدين أحمد بن حسن البياضي الحنفي في “إشارات المرام” (ص197): “المكان هو الفراغ الذي يحُل فيه الجسم”.
([3]) قال الحافظ المجتهد الشيخ عبد الله الهرري رحمه الله في “الشرح القويم” (ص211): وهي أوضح دليل نقلي في ذلك جاء في القرءان لأن هذه الآية تفهم التنزيه الكلي لأن الله تبارك وتعالى ذكر فيها لفظ شىء في سياق النفي، والنكرة إذا أوردت في سياق النفي فهي للشمول، فالله تبارك وتعالى نفى بهذه الجملة عن نفسه مشابهة الأجرام والأجسام والأعراض، فهو تبارك وتعالى كما لا يشبه ذوي الأرواح من إنس وجن وملائكة وغيرهم لا يشبه الجمادات من الأجرام العلوية والسفلية، فالله تبارك وتعالى لم يقيّد نفي الشبه عنه في هذه الآية الكريمة بنوع من أنواع الحوادث بل شمل نفي مشابهته لكل أفراد الحادثات، ويشمل نفي مشابهة الله لخلقه تنزيهه تعالى عن الكمية والكيفية، فالكمية هي مقدار الجرم فهو تبارك وتعالى ليس كالجرم الذي يدخله المقدار والمِساحة والحد، فهو ليس بمحدود ذي مقدار ومسافة، ومن قال في الله تعالى إن له حدًا فقد شبهه بخلقه لأن كل الأجرام لها حد إما حد صغير وإما حد كبير وذلك ينافي الألوهية، والله تبارك وتعالى لو كان ذا حد ومقدار لاحتاج إلى من جعله بذلك الحد والمقدار كما تحتاج الأجرام إلى من جعلها بحدودها ومقاديرها لأن الشىء لا يخلق نفسه على مقداره، ولا يصح في العقل أن يكون هو جعل نفسه بذلك الحد، والمحتاج إلى غيره لا يكون إلهًا لأن من شرط الإله الاستغناء عن كل شىء اهـ.
([4]) صحيح البخاري. كتاب “بدء الخلق”، باب “ما جاء في قول الله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ الروم/٢٧، و”السنن الكبرى”، البيهقي (9/3).
([5]) الظاهر فوق كل شىء بالقهر والقوة والغلبة. انظر “الجامع لأحكام القرءان”، القرطبي (17/154).
([6]) الباطن على ما قاله بعض العلماء المطلع على ما بطن من الغيوب، وبعضهم قال: الذي لا يستولي عليه توهم الكيفية. انظر “الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد”، البيهقي (ص111).
([7]) صحيح مسلم. كتاب “الذكر والدعاء”، باب “ما يقول عند النوم وأخذ مضجعه”.
([8]) انظر “الأسماء والصفات”، البيهقي (ص400).
([10]) نقله عنه الحافظ محمد مرتضى الزبيدي في الإتحاف (2/36).
([11]) رواه أبو منصور البغدادي في كتابه “الفرق بين الفرق” (ص333).
([12]) قال الحافظ اللغوي الفقيه الحنفي السيد محمد مرتضى الزبيدي في “تاج العروس” (9/348): “المكان هو الفراغ الذي يحلُّ فيه الجسم” اهـ. وقال العلّامة كمال الدين أحمد بن حسن المعروف بالبياضي في “إشارات المرام” (ص197): “والجهة اسم لمنتهى مأخذ الإشارة ومقصد المتحرك فلا تكون إلا للجسم والجسماني وكل ذلك مستحيل –أي على الله-” اهـ.
([14]) انظر “التفسير الكبير”، فخر الدين الرازي (7/14).
([15]) انظر “فتح الباري”، ابن حجر (6/242)، و”الجامع لأحكام القرءان”، القرطبي (3/279)، و”تفسير البحر المحيط”، أبو حيان (2/280).
([16]) انظر “الفقه الأبسط” ضمن مجموعة رسائل أبي حنيفة بتحقيق الكوثري (ص(25.
([17]) ولي الله وشيخ المشايخ الشيخ محمد بن علي بن عِراق الكناني الشافعي. شافعي زمانه وجُنيد أوانه. كان من كبار المشايخ العارفين وبقية الصفوة من الأولياء الوارثين ومن رجال الطريق ومشايخ التحقيق، عمدة في تربية المريدين. انظر “تاريخ النور السافر عن أخبار القرن العاشر”، عبد القادر العيدروس (ص257).
([18]) انظر “تاريخ النور السافر عن أخبار القرن العا”شر، عبد القادر العيدروس (ص258).
([19]) صحيح البخاري. كتاب “بدء الخلق”، باب “ما جاء في قول الله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ الروم/٢٧. والبيهقي في السنن الكبرى (9/3).
([20]) قال الإمام أبو القاسم الأنصاري النيسابوري في “شرح الإرشاد لإمام الحرمين” بعد الكلام في الاستدلال على نفي التحيز في الجهة عن الله تعالى (ق/58، 59)، مخطوط ما نصه: “فإذا زالت الأوهام عن كثير من الموجودات فكيف يطلب بها القديم سبحانه الذي لا يشبه المخلوقات، فهو سبحانه لا يتصور في الوهم فإنه لا يتصور إلا صورة ولا يَتقدر إلا مقدَّر، قال تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ ومن لا مثل له لا يتمثل في الوهم، فمن عرفه عرفه بنعت جلاله بأدلة العقول وهي الأفعال الدالة عليه وعلى صفاته، وقد قيل في قوله تعالى:﴿وأن إلى ربك المنتهى﴾ النجم/42، إليه ينتهي فِكر من تفكّر، هذا قول أبيّ بن كعب وعبد الرحمن بن أبي نُعْم، وروى أبيُّ بن كعب عن النبي ﷺ: “لَا فِكْرَةَ فِي الرَّب” وروى أنس أن النبي ﷺ قال: “إذَا ذُكر اللهُ تعالى فانتَهوا” وقال: “تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق” اهـ.
([22]) صحيح مسلم. كتاب “صلاة الاستسقاء”، باب “رفع اليدين بالدعاء في الاستسقاء”.
([23]) صحيح مسلم. كتاب “الصلاة”، باب “النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة”.
([24]) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (3/202).
([25]) انظر “الشرح القويم”، الهرري (ص149 إلى 151).
([26]( صحيح مسلم. كتاب “المساجد”، باب “تحريم الكلام في الصلاة”.
([27]) قال المحدث عبد الله بن محمد بن الصديق الغماري في “الفوائد المقصودة في بيان الأحاديث الشاذة المردودة” (ص22) ما نصه: “الحديث شاذ لا يجوز العمل به” وبيّن علة ذلك.
( ([28]رواه النسائي في سننه. كتاب “الوصايا”، باب “قضل الصدقة عن الميت”.
([29]( رواه أحمد في مسنده (3/451)، والبيهقي في “السنن الكبرى” (7/388).
([30]) صحيح البخاري. كتاب “استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم”، باب “من أبى قبول الفرائض وما نسبوا إلى الردة”.
([32]) الموطّأ، الإمام مالك (ص666).
([33]) صحيح مسلم. كتاب “الإيمان”، باب “بيان أن من مات على الكفر فهو في النار”.
([34]) صحيح مسلم. كتاب “التوبة”، باب “قبول توبة القاتل”.
([35]) صحيح مسلم. كتاب “الصلاة”، باب “حجة من قال لا يجهر بالبسملة”.
([36]) انظر “الحاوي للفتاوى”، السيوطي (2/393).
([37]) انظر “فتح الباري”، ابن حجر (11/398).
([38]) انظر “السنن الكبرى”، البيهقي (2/52).
([39]) انظر كتاب “السيف الصقيل في الرد على ابن زفيل”، السبكي (ص94 إلى 96)، و”مشكل الحديث وبيانه”، ابن فورك (ص158 إلى 160)، و”أساس التقديس”، الفخر الرازي (ص126)، و”القبس في شرح موطأ مالك ابن أنس”، أبو بكر ابن العربي (3/965 إلى 967)، و”التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين”، أبو المظفر الأسفراييني (ص144)، و”الباز الأشهب المُنقض على مخالف المذهب”، أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي (ص93، 94)، و”التذكار في أفضل الأذكار”، أبو عبد الله محمد القرطبي (22 ، 23)، و”المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج”، النووي (5/23 إلى 27).