﴿لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (26) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (27) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (28)﴾
﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُّدْبِرِينَ (٢٥)﴾
﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ﴾
أي أيَّدكم اللهُ تعالى وأظهرَكم على أعدائكم، كما صنع بكم في وقائع عظيمة، كوقعةِ بدرٍ، وقريظةَ، والنَّضيرِ، والحديبيةِ، وخيبرَ، وفتحِ مكةَ، فقد منحكم الله فيها النصر المبين، وكفاكم مؤونة الأعداء، وأعلى فيها كلمتكم.
﴿فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾
قيل: إن المواطنَ التي نصر الله فيها نبيَّه والمؤمنين بلغت ثمانين موطنًا. والمواطنُ: جمعُ موطن، وهو مقامُ الجيش وموقفُه في الحرب.
ولمَّا أُذِنَ للنبيّ ﷺ بالقتال بعد الهجرة بنحو تسع سنين، بلغت الغزواتُ التي خرج فيها بنفسه الشريفة سبعًا وعشرين غزوةً، كما ذكر بعضُ أهل العلم، وأمَّا البعوثُ والسَّرايا فبلغت نحو ستين، وفي ذلك دليلٌ على أن حياة النبيّ ﷺ كانت مملوءةً بالجهاد في سبيل الله، وكذلك كانت حياةُ أصحابه رضوان الله عليهم.
﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾
أي واذكروا يومَ حُنينٍ، وهو وادٍ بين مكةَ والطائفِ، وقعت فيه المعركة بين المسلمين الذين بلغ عددهم اثنَي عشرَ ألفًا، وبين قبيلتَي هَوَازِنَ وثَقِيفٍ وكانوا نحو أربعةِ آلافٍ.
وقد تضاعف عددُ جيش النبيّ ﷺ في سنوات قليلة بعد الهجرة تضاعفًا هائلًا، وذلك إثر مرحلةٍ من الصبر والدعوة والمحن، حتى انتشر الإسلام في الجزيرة انتشارًا واسعًا، فدخل الناس في دين الله أفواجًا، وكثر الجند حتى بلغوا هذا العدد العظيم.
فلمَّا التقى الجمعان قال بعضُ المسلمين قولًا لم يرضَه النبيُّ ﷺ: «لَنْ نُغْلَبَ اليَوْمَ مِنْ قِلَّةٍ»، فأعجبوا بكثرتهم، فساء ذلك رسولَ الله ﷺ، لأن النصر ليس بعددٍ ولا قوةٍ، وإنما هو من عند الله وحده.
﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا﴾
أي حين حملكم الإعجابُ بكثرة عددكم على الغفلة عن حقيقة النصر، فظننتم أن القوة في الجموع لا فيمن يُجري النصر بيده سبحانه.
فحينئذٍ انكشف أثرُ هذه الكلمة، وتفرَّق جمعٌ كبير ممّن كانوا حول النبيّ صلى الله عليه وسلم، وبقيَ رسولُ الله ثابتًا في موقفه لا يتزحزح، ليس معه في تلك اللحظات إلا عمُّه العباسُ رضي الله عنه آخذًا بلجام دابته، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم ينادي عاليًا في أرض المعركة:
«أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ»،
فأظهر من الشجاعة ما بهر العقول، وكان أثبتَ الناس وأشجعهم، لم يُرَ منه ترددٌ ولا نكوص.
وهذا الموقف العظيم يبيّن قاعدةً جليلة: الأنبياءُ منصورون لا يُهزَمون، فالهزيمة إنما تقع على من خالف أمرهم. ولذلك نقول في أُحُدٍ: الذين تراجعوا هم الرماةُ الذين خالفوا أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم، فتركوا مواقعهم قبل انقضاء القتال، فكرَّ عليهم العدوّ ووقع القتل في المسلمين، أمّا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فلا يُقال في حقه هُزِمَ ولا فشل، فهذا لا يليق بمقام النبوّة.
في ذلك الموقف العصيب من يوم حُنين تفرَّق معظمُ مَن كان حول رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فلم يثبت إلا قليل، وبقي النبيُّ الكريم في مركزه لا يبرح، وهو يردِّد بصوت اليقين:
«أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ». فهذا إعلانُ ثباتٍ وتوكّلٍ، وتقريرٌ للحق وإظهارٌ لنعمة الله عليه بنبوَّته.
وفي هذا موضعُ فائدةٍ مهمّة:
استعمالُ كلمة «أنا» ليس ممنوعًا بإطلاق، وإنما الممنوعُ استعمالُها على وجه العُجب والتكبّر والرياء. أمّا إذا كان المتكلم يذكر نفسه في مقام تعريفٍ أو تقريرِ حقٍّ أو إظهارِ نعمةٍ من الله، من غير تعاظمٍ ولا تزكية، فهذا جائزٌ لا حرج فيه. ولهذا كان من الخطأ الشائع قول بعضهم: «أنا، وأعوذ بالله من كلمة أنا»
ولهذا قال النبيّ صلى الله عليه وسلم في الموقف نفسه:«أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ»، وقال بعده: «أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ»، تقريرًا لرسالته وإعلامًا لمن حوله بصدقه.
وثبت معه يومئذٍ أبو سفيانُ بنُ الحارثِ ابنُ عمِّه رضي الله عنه، آخذًا بركاب دابته، وكانت حُنينٌ بعد فتح مكة، وقد أسلم أبو سفيان قبلها، فصار في صفوف المؤمنين. فقال العباسُ — وكان جهيرَ الصوت —: صِحْ بالناس، فنادى: يا أصحابَ الشجرة!، فاجتمعوا من كل ناحية وهم يقولون: لبّيك لبّيك، فعاد المسلمون نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانتظم الصف، وقويت القلوب.
ونزلت الملائكة يومئذٍ عليهم ثيابٌ بيضٌ وعلى خيولٍ بُلْق، تفيض أنوارًا وجلالًا، وكان نزولهم في حُنين تثبيتًا للمؤمنين، بخلاف نزولهم يوم بدر، فقد نزلوا هناك مقاتلين مع المسلمين.
ثم أخذ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم كفًّا من تراب فرمَى به في وجوه المشركين، وقال:«انهزموا وربّ الكعبة»، فما هي إلا لحظات حتى انهزم الجمع وانكشف القوم، كما فعل في بدر حين قال:
«شاهَتِ الوُجوه»، فكان الأمر كما قال.
وفي أثناء ذلك الموقف العسير رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم أكفَّ الضراعة إلى ربّه يقول:
«اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، وإِلَيْكَ المُشْتَكَى، وَأَنْتَ المُسْتَعَانُ»، وهو دعاءُ موسى عليه السلام حين اشتدّ الخطب عند انفلاق البحر، وقد كان فرعونُ خلفه في جيشٍ عَرمرم يبلغ — كما ذكر بعض أهل العلم — مليونًا وستمائة ألف جندي، فدعا موسى عليه السلام بهذا الذكر العظيم، ونجّاه الله وقومه وأغرق عدوَّه.
فشتّان بين من يعتمد على الكثرة فيُخذَل، وبين من يعتمد على الله فيُنصَر؛ فالعزُّ كلُّ العزِّ في الثبات على أمر الله، والتوكل عليه، والتسليم له، وإن قلَّ الناصر وكثر العدوّ.
﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾
والباءُ في قوله تعالى ﴿بِمَا رَحُبَتْ﴾ بمعنى (مع)، أي مع سِعَتِها ورَحابتها، صارت — بسبب الخوف والاضطراب — كأنها ضيِّقةٌ لا منفذ فيها. فالمراد أنهم لم يجدوا موضعًا يلوذون به ولا طريقًا يفرّون إليه من شدّة ما أحاط بهم من الكفار، فكأن الأرض — على سعَتها — ضاقت عليهم.
﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾
أي: فرَّ بعضُ من حضر الوقعة من المسلمين فولَّوا أدبارَهم، لا النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام منصورون لا يُوصَفون بالهزيمة، ولا تُنسب إليهم هزيمةٌ بحال. وقد عبّر بعض المفسرين — ومنهم الإمام النسفي — بلفظ «ثمَّ انهزمتم»، ومراده مَن فرَّ من الصحابة لا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم.
وينبغي التنبّه ـ هنا ـ إلى أمرٍ مهمّ: لا يُقال فيمن بذل شيئًا في سبيل الله إنه خسر؛ لأن من قاتل لله فهو إمّا منصورٌ وإمّا شهيدٌ، وأجرُه ثابتٌ على كل حال. فالخسارةُ الحقيقية إنما تكون مع التفريط والمعصية، وأما البذل في طاعة الله فهو ربحٌ وفلاح.
﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ(٢٦)﴾
﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾
أي رحمته وسكونَ قلوبهم، فزال الخوفُ واضمحلّت الوحشة، وثَبَتوا بعد الاضطراب.
﴿عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾
فنزل الأمن والطمأنينة في القلوب، فاستعاد المسلمون ثباتهم بعدما داخلهم ما داخلهم أول الأمر.
﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾
أي الملائكةَ الكرام. وقد اختلف في عددهم:
فقيل: كانوا ثمانيةَ آلاف، وقيل: خمسةَ عشر ألفًا،وقيل: ستةَ عشر ألفًا.
وكان جيش المسلمين يومئذٍ اثني عشر ألفًا، والمشركون أربعة آلاف، لكن النصر لا بعدد ولا بعدّة، وإنما هو من عند الله وحده. ونزولُ الملائكة في حُنين كان تثبيتًا للمؤمنين، بينما نزلوا يوم بدر تثبيتًا وقتالًا، حتى باشرت الملائكة ضربَ أعناق الكفار.
﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾
أي عاقبهم الله في الدنيا بالقتل والأسر وسبي الذراري والنساء.
﴿وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾
فعذابٌ عاجل في الدنيا، ثم خزيٌ وعذابٌ أليم في الآخرة بالنار، جزاءً على كفرهم وإعراضهم عن الحق.
﴿ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِن بَعدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(٢٧)﴾
﴿ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِن بَعدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ﴾
أي: يقبلُ توبتَهُم بعد ما كان منهم من الشرك والعناد، وهم الذين أسلموا من قبائلِ هَوازِن وثَقيف من أهلِ الطائف.
﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ﴾
يَستُرُ بالكُفرِ السابقِ ما تابَ عنه العبدُ بالإسلام، فيمحُو ما كان منه قبل ذلك من قاذورات المعاصي، من وأدِ البنات، وشُربِ الخمر، وفواحشِ الأعمال، وغيرِ ذلك من القبائح.
﴿رَّحِيمٌ﴾
يُكرِمُ أولياءَهُ بعد الانهزام بالنصرِ والعِزِّ والثبات.
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا ٱلمُشرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقرَبُواْ ٱلمَسجِدَ ٱلحَرَامَ بَعدَ عَامِهِم هَٰذَا وَإِن خِفتُم عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضلِهِۦٓ إِن شَآءَ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(٢٨)﴾
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا ٱلمُشرِكُونَ نَجَسٌ﴾
أي: أصحابُ نجاسةٍ معنويَّةٍ، والنجسُ هنا مصدرٌ أُطلِق على الفاعل مبالغةً في وصفهم، يُقال: نَجِسَ نَجَسًا، كما يُقال: قَذِرَ قَذَرًا؛ لأنهم متلبِّسون بالشركِ الذي هو بمنزلةِ النَّجَسِ في القُبحِ والدناءة. وقيل: بل جُعِلوا كأنهمُ النجاسةُ بعينِها، مبالغةً في ازدراءِ باطنِهم الفاسد وعقيدتهم الدنيئة.
وذلك أيضًا؛ لأنهم لا يطهَّرون أعضاءهم من الحدث، ولا يجتنبون النجاسات، فنجاستهم ظاهرةٌ في أبدانهم وأحوالهم، وباطنةٌ في عقائدهم وأديانهم. فالشيءُ النَّجِسُ لا يُكرَّم ولا يُعظَّم، إذ لا خيريَّةَ فيه مهما زُخرفَ أو حُسِّنَ مظهرُه.
أمّا أهلُ الإسلام، فدينُهم مبنيٌّ على الطَّهارةِ الحسيَّةِ والمعنويَّة: يتوضؤون مرارًا في اليوم، ويستحبُّ لهم تجديدُ الوضوء وإن لم ينتقض، ويغسلون أيديَهم قبل الطعام وبعده، ويستنُّون بالغُسلِ لأسبابٍ شرعيةٍ عديدة، ويعتنون بالنظافةِ والطيبِ والثوبِ الحسن، ولا سيما في المجامعِ ومجالسِ العلم.
﴿فَلَا يَقرَبُواْ ٱلمَسجِدَ ٱلحَرَامَ﴾
أي: لا يحجُّوا ولا يعتمروا كما كانوا يفعلون في الجاهليَّة، فلا يدخلُ أحدٌ من المشركين المسجدَ الحرام بعد عامِهم هذا، وهو عامُ تسعٍ من الهجرة، كما تقدَّم في أوّل السورة حين أمَّرَ النبيُّ ﷺ أبا بكرٍ رضي الله عنه على موسم الحجِّ.
ويكونُ المرادُ من النهي عن القُربان: النهيَ عن الحجِّ والعمرة، وهو مذهبُنا؛ أنَّهم لا يَقربون المسجدَ الحرام، فلا يدخلونَه. وأمّا منعُهم من دخول الحرمِ والمسجدِ الحرامِ وسائرِ المساجدِ مطلقًا، فعند بعض علماء الحنفيَّة جوازُهُ بضوابط معيَّنة.
وقيل: إنَّ النهيَ عن قُربانِ المشركين راجعٌ إلى نهيِ المسلمين عن تمكينهم من الدخول لحاجةٍ أو بغير حاجة. وفي مذهبنا عند الإمام الشافعيِّ رضي الله عنه: لا يُمكَّنُ الكافرُ من دخول الحرم أصلًا، ولا يُترك له المجالُ لدخول المسجد، إلا إذا أذن له مسلمٌ لمصلحةٍ شرعيةٍ رآها، فلا يُمكَّن من الدخول إلا بهذا الشرط.
﴿وَإِن خِفتُم عَيْلَةً﴾
أي: فقرًا وحاجةً بسبب منع المشركين من الحجِّ، إذ كان للمسلمين في قدومهم إرفاقٌ وتجاراتٌ ومكاسب.
﴿فَسَوفَ يُغنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضلِهِۦٓ﴾
أي: يُعطيكم ما يغنيكم من فضله العظيم، إمَّا بالغنائم، أو بالمطر، أو بالنبات، أو بما يكون من متاجرِ حجيجِ الإسلام، أي: الحُجَّاجِ المسلمين، فيعوِّضكم الله عمَّا فاتكم من أرباح المشركين.
﴿إِن شَآءَ﴾
تعليمٌ معلَّقٌ على مشيئة الله تعالى، أي: كلُّ هذا خاضعٌ لمشيئته، ليعلم العبدُ أنَّ الأمورَ بيد الله وحدَه، فتُقطَعُ الآمالُ عمَّن سواه.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ﴾
بأحوالكم، وما يصلحُ لكم من أرزاقٍ وأقدار.
﴿حَكِيمٌ﴾
فيما يحكم ويقدِّر، يضع الأمورَ في مواضعها، ويُجريها على وفق علمه وحكمته.
وقيل: ﴿عَلِيمٌ﴾ بمصالح العباد، ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما أراد وقضى، لا يشرعُ إلا لحكمةٍ بالغة، ولا يمنعُ إلا لِمَصلحةٍ راجحة.