﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29) وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنْ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ (35) إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36) إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (37)﴾
﴿قَاتِلُوا ٱلَّذِينَ لَا يُؤمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا باليَومِ ٱلآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥوَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعطُوا ٱلجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ(٢٩)﴾
﴿قَاتِلُوا ٱلَّذِينَ لَا يُؤمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِاليَومِ ٱلآخِرِ﴾
نزلت هذه الآيةُ الكريمةُ في أهلِ الكتاب، فإنَّ اليهودَ مُثَنِّيَةٌ يزعمون أنّ عُزَيْرًا ابنُ اللهِ كما سيأتي، وأمَّا النصارى فهم مُثَلِّثَةٌ يقولون: إنَّ للهِ ثلاثةَ أقانيم، فزعَموا أنَّ اللهَ تعالى ثلاثةُ أجزاءٍ متفرّقةٍ في أبٍ وابنٍ وروحِ قُدُس، تعالى اللهُ عما يقولون علوًّا كبيرًا.
وقد جاء الأمرُ بالقتال هنا لإعزازِ الدِّين ونشرِ الإسلام، وعلى قولِ بعضِ أهلِ السِّيَر بلغت غزواتُ النبيِّ ﷺ سبعًا وعشرين غزوةً قادها بنفسه، وكانت حياتُه عليه الصلاة والسلام جهادًا في سبيل الله، لا لمجرّدِ الدفاعِ عن المدينة، بل لنشرِ الإسلام في الآفاق. ولذلك وصلت جيوشُ الفتح الإسلامي إلى بلادِ الشام، ثم إلى العراق، وامتدَّت إلى الأندلس لنشر التوحيد.
﴿وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ﴾
أي: لا يمتثلون ما جاء في كتبهم من أحكامٍ حرَّمها الله، ولا يعملون بما في التوراةِ والإنجيل حقَّ العمل؛ فإنَّ التوراةَ التي أُنزِلَت على موسى عليه السَّلام، والإنجيلَ الذي أُنزِلَ على عيسى عليه السلام، ليس فيهما أنَّ عُزَيرًا ابنُ الله، ولا أنَّ المسيحَ ابنُ الله، ولا ذِكرَ الأقانيم الثلاثة ولا التثليثَ الباطل.
بل إنَّ كُلَّ الكتبِ السماوية – وعددُها مائةٌ وأربعةُ كتبٍ – اتّفقت على توحيدِ اللهِ عزَّ وجلَّ، وأنَّه إلهٌ واحدٌ لا شريكَ له.
﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ﴾
أي لا يعتقدون ولا يلتزمون دينَ الإسلام، وهذا وصفُهم في كتاب الله، فإنَّ دينَ الله واحد، وهو الإسلام. وقد قال تعالى في سورة الكافرون: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾، أي: لكم دينُكم الباطل، ولي دينُ التوحيدِ الحق. وهذه الآيةُ في مقام البراءةِ من الشرك، لا أنها تُعطي الكفارَ حرِّيَّةَ الكفر أو تُخيِّرهم في الباطل.
ولذلك كان رسولُ اللهِ ﷺ – ومن أسمائه الماحِي، الذي محا اللهُ به الشِّرك – لا يُخَيِّرُ قومَه بين الإيمان والكفر، بل يأمرُهم أمرًا جازمًا بقوله: «آمِنُوا، أَسْلِمُوا». وقد قال اللهُ تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلْأَقْرَبِينَ﴾ ولم يقل: خيِّر عشيرتك الأقربين، بل أمرهم بالإنذار والتحذير من الباطل.
ومن أسرار سورة الكافرون – كما ورد في بعض الآثار – أنَّ مَن قرأها كلَّ ليلةٍ عند نومه ثم مات، لا يُعَذَّب في تلك الليلة في النّار بإذن الله تعالى؛ لأنها سورةُ براءةٍ من الشرك وإظهارٌ لدينِ الحق.
﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَابَ﴾
أي لا يلتزمون دينَ الإسلام الذي هو دينُ الحقِّ عند الله تعالى، ولهذا لا يجوز أن يُقال على وجه الدُّعاء: “كُلٌّ على دِينِه، اللهُ يُعِينُه”، لأن في هذا إقرارًا له على الباطل، واللهُ سبحانه يقول: ﴿وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ﴾، فكيف ندعو لمن كان على الكفر أن يبقى عليه؟ بل الواجبُ هو محبتُنا لهِ الهدايةَ إلى الإسلام، وهذه هي رحمةُ أهلِ الإيمان بالخلق. فنحن نُحِبُّ لمن رآيناه على غير الإسلام أن نقول: اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ لِلْإِسْلَامِ، بدلًا من قول: الله لا يهديه أو لا يوفقه؛ فإن الدُّعاء له بالهداية مشروع، وأهلُه مأجورون عليه.
ألم يقل النبيُّ ﷺ في شأن دوسٍ وقد أساؤوا وعاندوا: «اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَائْتِ بِهِمْ مُسْلِمِينَ»؟
مع أن بعض الصحابة أشاروا عليه بفعلٍ شديدٍ تجاههم، فلم يُجِبهم إلى ذلك، بل دعا لهم بالهداية فجاءوا بعد حينٍ مسلمين، وانتشر الإسلام فيهم. فهذا تطبيق لمعنى الرحمة والهداية، لا الإقرار بالكفر.
﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَابَ﴾
أي أن هذا الوصف بيانٌ لما قبلَه؛ فهؤلاء – مع كونهم أهلَ كتاب – لم يلتزموا ما في كتبهم من الحق، ولم يدخلوا في الإسلام، ولهذا شُرِعَ في حقهم حكمُ الجزية.
وأما المجوس فقد أُلحقوا بأهل الكتاب في قبولِ الجزية دون أن يكونوا منهم حقيقة.
﴿حَتَّىٰ يُعْطُوا ٱلْجِزْيَةَ﴾
أي إنَّ الأمر بالقتال ماضٍ فإن أسلموا فذاك هو المطلوب، وإن لم يُسلِموا ودفعوا الجزية، تُركوا من القتل على شروطٍ مقررةٍ في الشريعة لمن تُقبل منه الجزية.
وسُمِّيَت جزيةً لوجهين مشهورين: لأنها مما يجب عليهم أن يَجْزُوهُ أي يؤدُّوه ويقضوه.
أو لأنها جزاءٌ على الكفر مع تمكينهم من البقاء في ديار المسلمين تحت حكم الإسلام، لا على معنى الرضا بكفرهم، بل على معنى تركِ قتالهم مؤقّتًا مع خضوعهم لحكم الدولة الإسلامية.
﴿عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾
أي تُؤخَذُ منهم عن يدٍ لا امتناع فيها:
قيل: عن يدٍ مُطاوِعةٍ مُستسلمة لا مانعة.
وقيل: يدًا بيدٍ نقدًا حالًّا، غير مؤجَّلٍ ولا موثَّقٍ بورقةٍ أو حوالة.
وقيل: لا يبعث بها وكيلاً عنه، بل يأتي بنفسه ويدفعها للآخذ يدًا بيد.
وأما قوله تعالى: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ فالمقصود به إظهارُ خضوعهم لسلطان الإسلام، وقد ذكر بعض أهل العلم أوصافًا كانوا يحملونهم عليها عند أداء الجزية، من باب إظهار الصغار، منها:
أن يأتي ماشيًا لا راكبًا. وأن يُسلِّمها وهو قائم، والمستلم جالس. وأن يُزَخَّ في قفاه، ويُقال له: «أَدِّ الجزيةَ يا ذِمِّيّ» ولو كان يؤديها.
وهذا من باب إشعارهم بذلِّ الكفر وصَغارِه أمام عزِّ الإسلام، ثم إذا أسلم سقطت عنه الجزيةُ بالإجماع، لأن الإسلام يرفع أحكام الذمة.
﴿وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ ۖ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ(٣٠)﴾
﴿وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ﴾
أي قالت طائفةٌ من اليهود ذلك، ولم يكن جميعهم على هذا القول؛ فهم فِرَقٌ متعددة، وكذلك النصارى. ويشهد لتفرّقهم الحديثُ الصحيح الوارد في سنن أبي داود في كتاب الفتن، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَافْتَرَقَتِ النَّصَارَى عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَسَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً، مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي».
﴿ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ﴾
أي هو مجردُ ألفاظٍ يتشدّقون بها، لا يقوم عليها دليلٌ صحيح، ولا شبهةُ حجة، فهي كلماتٌ فارغةٌ من المعنى، لا تستند إلى برهانٍ عقليٍّ ولا نقليٍّ، كالألفاظ التي لا حقيقة لها إلا في ظاهرها.
﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ﴾
أي يشابهون ويقلِّدون قولَ الأمم الكافرة التي سبقتهم؛ فليس قولهم هذا أمرًا مُبتدعًا جديدًا، بل هو امتداد لكفرٍ قديم تتابعت عليه الأمم الضالَّة. وقيل: الضمير للنصارى، أي يشابه قولُ النصارى في عيسى قولَ اليهود في عزير؛ فهم تبعٌ للأقدمين في الانحراف عن التوحيد. وأصل المضاهاة: المشابهةُ في الهيئة والقول.
﴿قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ﴾
بيان أنهم أحقُّ شيءٍ بهذا القول لِما اجترؤوا عليه من الافتراء على الله تعالى.
﴿أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾
أي كيف يُصرَفون عن الحقِّ الواضح، ويُعْدَل بهم عنه بعد قيام الحجة وظهور البراهين؟! فالتعجُّب هنا من ضلالهم البيِّن مع قيام الأدلة الدامغة على وحدانية الله سبحانه وتعالى وتنزُّهه عن الولد.
﴿ٱتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ ۖ وَمَآ أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَٰحِدًا ۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُۥ عَمَّا يُشْرِكُونَ(٣١)﴾
﴿ٱتَّخَذُوا﴾
أي: أهلُ الكتاب من اليهودِ والنصارى.
﴿أَحْبَارَهُمْ﴾
جمعُ حَبْرٍ، وهم علماؤهم المهيمنون على شريعتهم.
﴿وَرُهْبَانَهُمْ﴾
جمع راهب، وهم نُسّاكُهم المنقطعون للعبادة والزهد.
﴿أَرْبَابًا﴾
أي آلهةً يُشرِّعون لهم من دون الله، فيُحلّون ما شاءوا ويحرّمون ما شاؤوا، فيقبل أهل الكتاب ذلك منهم قبولًا مقرونًا بالاعتقاد بأن لهم حقَّ التشريع، لذلك كان هذا من جملة كفرهم.
فليس المراد مجرد الطاعة، فإن طاعةَ المخلوق إذا لم تُبنَ على اعتقاد استحقاقه للتشريع لا تُعدُّ عبادةً له، بل هي معصية فحسب إن خالفت أمر الله. أمّا ما فعله أهل الكتاب فهو رفعُ الأحبار والرهبان إلى رتبةٍ جعلوهم فيها مشرّعين، وهذا هو الذي دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿ٱتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾. قالوا: هذا يستحق أن يقول حلال ويستحق أن يقولَ حرام.
﴿وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ﴾
عطفٌ على الأحبار والرهبان، أي اتخذوا المسيحَ ربًّا وإلها، فغلوا فيه وعبدوه، وزعموا أنه ابنُ الله، ثم تناقضوا مع دعواهم فجعلوه إلهًا يُقتل ويُصلب! وكيف يكون الإلهُ مخلوقًا محدودًا، ثم يُنسب إليه الضعف والموت؟!
﴿وَمَآ أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَٰحِدًا﴾
أي لم تُؤمر الأممُ إلا بتوحيد الله تعالى
﴿لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾
إثباتٌ للوحدانية المطلقة، وقطعٌ لمادة الشرك من أصله.
﴿سُبْحَانَهُۥ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾
تنزيهٌ له سبحانه عن كل ما نسبوه إليه من الولد والشريك، وتعالٍ عن قولهم الباطل.
﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِـُٔوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢)﴾
مَثَّلَ اللهُ تَعَالَى حالَ هؤلاءِ الذين يسعَوْنَ جاهدين لإبطالِ نبوَّةِ محمّدٍ صلّى اللهُ عليهِ وسلّم بالتكذيبِ، بحالِ مَن ينفخُ في نورٍ عظيمٍ قد انتشرَ في الآفاقِ كلِّها، يريدُ اللهُ تعالى أن يزيدَهُ إشراقًا وامتدادًا حتى يبلغَ الغايةَ القصوى من الضياء، فيحاولُ هذا الجاهلُ أن يُطفِئَهُ بنفخةٍ واحدة! فهؤلاءِ مهما بذلوا من جهدٍ فلن يستطيعوا ذلك أبدًا بإذنِ الله.
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾
﴿رَسُولَهُ﴾:
محمّدًا صلّى اللهُ عليهِ وسلّم.
﴿بِالْهُدَى﴾:
أي بالقرآنِ الكريمِ الذي يُبَيِّنُ معالمَ الإيمانِ ويهدي إلى سواءِ السبيل.
﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾:
أي الإسلام، وهو الدينُ الخاتمُ الذي ارتضاهُ اللهُ لعبادِه.
﴿لِيُظْهِرَهُ﴾:
أي ليُعلِيَهُ ويُقيمَ حجّتَهُ، ويجعلَه غالبًا منصورًا.
﴿عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾:
أي على سائرِ الأديانِ وأهلِها، فلا يبقى دينٌ يُقارِعُهُ أو يساويه، بل يعلو، ويَسْمو، ويقهرُ الباطلَ حيث وُجِد. ولم يقل: “على الأديانِ السماوية” بل قال: ﴿عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ ليدلَّ على شمولِ الغلبةِ، وأنَّ الدينَ المقبولَ عند اللهِ في النهايةِ هو الإسلام وحدَهُ. وهذه بشارةٌ عظيمةٌ لنا بأنَّ الإسلامَ ينتشرُ ويعلو، وإنْ تقاعسَ الناسُ أو اشتدَّت الفتنُ، فالعاقبةُ له بإذنِ الله.
﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾
أي: ولو أَبغَضَ المشركونَ هذا الظهورَ وكرِهوا انتشارَ الإسلام، فهم يكذّبون محمّدًا صلّى اللهُ عليهِ وسلّم، أو يكذّبون القرآن، أو يكذّبون الإسلام نفسَهُ، ولن يُغْنِيَ ذلك عنهم شيئًا، فإرادةُ الله نافذةٌ، ونورُه لا يُطفَأ، ووعدُه صادقٌ لا يتخلَّف.
﴿۞ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤)﴾
﴿إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾
استُعير لفظُ الأكل للأخذِ بغير حقٍّ؛ لأنَّهم كانوا يتناولون أموالَ الناسِ ظلمًا ورِشًا، يُلبِّسون بها على الضعفاء ويحرِّفونَ بها أحكامَ الدِّين.
﴿وَيَصُدُّونَ﴾
أي يمنعون أتباعَهُم، وسَفَلَتَهُم (ويُقال: سِفَلَتَهُم) ممَّن يقلِّدونهم، عن استماعِ الحقّ واتِّباعِ الهدى.
﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾
أي عن دِينِه القويم، فيصرفون الناسَ عنه لئلَّا يظهرَ الحقُّ، وليبقوا على ما هم فيه من سلطانٍ ومال.
﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾
يجوز أن يكون هذا عائدًا على كثيرٍ من الأحبارِ والرهبان، للدلالة على اجتماعِ خصلتين ذميمتين فيهم: أكلُ الرِّشا، وكَنْزُ الأموال وحرمانُها من مصارف الخير. ويجوز أن تكون الآيةُ شاملةً للمسلمين الذين يكنزون المال ولا يؤدُّون زكاتَه؛ فقرنهُم اللهُ بأهلِ الكتاب تغليظًا وتشديدًا في التحذير، لا على معنى الكفر، بل على معنى ارتكابِ كبيرةٍ عظيمة.
وقد كان الصحابةُ رضوانُ الله عليهم، كعبدِ الرَّحمنِ بنِ عوفٍ، وطلحةَ رضي الله عنهما، يملكون الأموال ويتصرَّفون فيها، ولم يعبهم أحد؛ لأن الاقتناءَ مباح، وليس مذمومًا في ذاته، بل المذموم منعُ الحقوق الواجبة، أو جمعُ المال من الحرام، أو إنفاقُه في الحرام. وقد صحَّ عن النبيِّ ﷺ قوله: «نِعْمَ المالُ الصالحُ للرجلِ الصالح»، فالممدوح من جمع المال هو من جعله وسيلةً لإعانةِ الحقِّ ونصرةِ الدِّينِ والإحسانِ إلى الخلق.
﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾
الضميرُ في يُنْفِقُونَهَا عائدٌ إلى معنى الأموال؛ لأن الذهبَ والفضةَ دنانيرُ ودراهمُ، وخصَّهما الله بالذِّكر لكونهما أصلَ الثروةِ وأثمانَ الأشياء، وذكرُ كنزهما دليلٌ على تركِ ما أوجبه الله من الزكاة، بل وعلى البخلِ بسائرِ الأموال.
﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾
أي أخبرْهم خبرًا متحققًا لا ريبَ فيه بعذابٍ موجعٍ ينتظرُهم يوم القيامة، جزاءَ ما ظلموا، وما بخلوا، وما صَدُّوا عن طريقِ الهُدى.
﴿يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖهَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)﴾
﴿يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾
أي يُسخَّن هذا المالُ المحرَّم الذي لم تُؤدَّ زكاتُه، حتى يصير جمرةً ملتهبةً يُعذَّبون بها، والضمير يعود على الذهب والفضة المذكورَيْن قبلُ.
﴿فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ﴾
أي تُحرق جباهُ مَن منع الزكاة وتُسمَلُ سِمْلَ الحديد المحمَى، جزاءً لما اقترفوه من البخل.
﴿وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾
خصَّ اللهُ هذه المواضع بالذِّكر؛ لأن منعَ الزكاة كان يقترن في الدنيا بسوءِ استقبالِ الفقير، فإذا رآه مانعُ الزكاة عَبَسَ وجهُه، وضاق به صدرُه، وانحرف عنه بجنبه، وأعرض عنه بظهره، فجاءت العقوبةُ على نفسِ الأعضاء التي شاركت في هذا الصدِّ والجفاء.
ومع أن النارَ تعمُّ جميعَ الجسد، فإن تخصيصَ هذه المواضع تهويلٌ لشناعة الجريمة، وبيانٌ لشدَّة أثرها على أصحابها.
﴿هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾
أي يقال لهم على سبيل التوبيخ: هذا الذي جمعتموه للشهوة والمتعة، تزعمون الانتفاعَ به، فإذا هو وبالٌ عليكم، يعذِّبكم في الآخرة ولا ينفعكم شيئًا.
﴿فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾
أي ذوقوا جزاءَ ما كنتم تجمعون وتبخلون به، فإن الكنزَ الذي تُمنع زكاتُه يتحوَّل عليكم عذابًا.
وقد ورد في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:
«مَنْ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ، مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ، لَهُ زَبِيبَتَانِ، يُطَوَّقُهُ يَومَ القِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ ـ أي شِدْقَيْهِ ـ ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ»، ثم تلا النبي ﷺ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
فالمال الذي لا تُؤدَّى زكاتُه ينقلب على صاحبه حسرةً وندامة، ويكون سببًا لعذابه يوم القيامة. والزكاةُ واجبةٌ في الأموالِ المخصوصة: كالذهب والفضة، والأنعام من الإبل والبقر والغنم، والتمر والزبيب، والحبوب المقتاتة، وعروض التجارة. فمن كان له مالٌ فليتعلم أحكامَ الزكاة، فهي طُهرةٌ للنفس والمال، وتركُها كبيرةٌ من الكبائر، يُخشى على صاحبها هذا الوعيد الشديد.
﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُم ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ۚ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)﴾
﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾
أي إن عددَ شهورِ السنة في حكمِ الله وتقديره اثنا عشر شهرًا لا تزيد ولا تنقص، وفي هذا بيانٌ أن الشريعةَ مبنيةٌ على الشهور القمرية المرتبطةِ برؤية الأهلة، لا على الشهور الشمسية. ومن هنا شُرِع التماسُ رؤية الهلال، كما قال النبيُّ ﷺ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا».
﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾
أي في اللوح المحفوظ أو فيما أثبته الله تعالى من أحكامه وشرائعه.
﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾
أي أن هذا التقديرَ ثابتٌ منذ بدء الخلق، لا تبديل فيه ولا تغيير.
﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾
أي من هذه الشهور اثنان عشرَ أربعةٌ حُرُمٌ: ذو القعدة، وذو الحجة، والمُحَرَّم، ورجب.
ثلاثةٌ منها متتابعة، ورجبُ مفردٌ بينها. وقد عظَّمها العربُ قديمًا، فاتفق شرعُ الإسلام مع بقايا هذا التعظيم الذي ورثوه عن ملة إبراهيم عليه السلام.
﴿ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾
أي هذا الحكمُ المستقيمُ الموافقُ للفطرة ولشرع الأنبياء، لا ما غيَّره أهلُ الجاهلية من تحريمٍ بلا ضبطٍ ولا التزام. وكانت العرب تمسكت به فكانوا يعظمونها هذه الأشهر الحرم ويحرمون القتال فيها يكون بينهم ثأر وانتقام الحرب بينهم مستمرة ينقطعون عن القتال في الأشهر الحرم حتى أُحدِثَت النسيء.
﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾
أي لا ترتكبوا الذنوب في هذه الأشهر
﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾
أي قاتلوهم مجتمعين صفًّا واحدًا، كما أنهم يجتمعون عليكم كذلك، فلا تفرقوا كلمتكم في مواجهتهم.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾
معهم بمعونته ونصره، وهذه معيةُ تأييدٍ ووعدُ نُصرةٍ لمن اتقى ربَّه وأطاعه.
﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ۖ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا ۖ يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ ۚ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٣٧)﴾
﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾
النَّسِيءُ مصدرٌ من نَسَأَ، أي أخَّر. وهو تأخيرُ حرمةِ الشهر الحرام إلى شهرٍ آخر، فكان العربُ إذا احتاجوا للقتال في شهرٍ محرَّمٍ حرَّموا غيره وأحلُّوا القتال فيه، فغيَّروا حكمَ الله وثبَّتوا عددَ الأشهر الحرم فقط دون تعيينها. فكانوا يحرمون من بين شهور العام أربعةَ أشهر، ﴿زِيَادَة فِي ٱلكُفرِ﴾ أي هذا الفعلُ منهم زيادةٌ في كفرهم.
﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾
أي يُفتنون بهذا الفعل الباطل فيتمادون في كفرهم.
﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾
أي يحلُّون الشهر الحرام عامًا، ثم يحرِّمونه عامًا آخر، تبعًا لأهوائهم.
﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾
أي ليوافقوا عدد الأشهر الحرم وهي أربعة، لكنهم بدَّلوا أعيانَها، فأبطلوا أحدَ مقصودي التحريم.
﴿فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾
أي أحلُّوا القتال في الشهر الذي حرَّمه الله تعالى. أي فيحلوا بمواطئةِ العدةِ وحدَها من غيرِ تخصيصِ ما حرم الله من القتال أو من تركِ الاختصاصِ للأشهرِ بعينها.
﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾
أي زيَّن الشيطان لهم هذه الجناية، فتوهموها صوابًا.
﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾
أي لا يوفقهم للحق ما داموا مصرِّين على باطلهم.