وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ ۖ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا (83)
لَمَّا سَأَلَ المُشرِكُونَ فِي مَكَّةَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَن ذِي القَرنَينِ بِإِشَارَةٍ مِنَ اليَهُودِ عَلَى جِهَةِ الِامتِحَانِ نَزَلَ قَولُ اللهِ تَعَالَى:
(وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ)
وَاختَلَفُوا فِي اسمِ ذِي القَرنَينِ([1]) عَلَى أَربَعَةِ أَقوَالٍ، أَحَدُهَا: عَبدُ اللهِ، وَالثَّانِي: الإِسكَندَرُ، وَلَكِن لَيسَ الإِسكَندَرَ المَقدُونِيَّ بَل هَذَا غَيرُهُ، وَالثَّالِثُ: عَيَّاشُ، وَالرَّابِعُ: الصَّعبُ بنُ ذِي مَرائِدَ، وَقِيلَ: بَلِ الصَّعبُ بنُ الحَارِثِ مِن حِميَرَ اليَمَنِ، وَاختَارَ الأَخِيرَةَ جَمَاعَةٌ مِن أَهلِ الحَدِيثِ وَالتَّفسِيرِ وَالتَّارِيخِ كَالطَّبَرِيِّ وَابنِ الجَوزِيِّ وَالقُرطُبِيِّ وَهُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ الحَافِظُ العَسقَلَانِيُّ فِي شَرحِهِ عَلَى البُخَارِيِّ.
(قُلْ)
أَي لَهُم يَا مُحَمَّدُ فِي الجَوَابِ.
(سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ)
أَي سَأَذكُرُ لَكُم مِن حَالِهِ.
(ذِكْرًا (83)
أَي خَبَرًا.
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84)
(إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ)
أَي سَهَّلنَا عَلَيهِ السَّيرَ فِيهَا، قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: “إِنَّهُ أَطَاعَ اللهَ فَسَخَّرَ لَهُ السَّحَابَ فَحَمَلَهُ عَلَيهِ وَمَدَّ لَهُ فِي الأَسبَابِ وَبَسَطَ لَهُ النُّورَ فَكَانَ اللَّيلُ وَالنَّهَارُ عَلَيهِ سَوَاءً([2])“.اهـ
(وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ)
يَحتَاجُ إِلَيهِ مِن مُهِمَّاتِ مُلكِهِ وَمَقَاصِدِهِ المُتَعَلِّقَةِ بِسُلطَانِهِ.
(سَبَبًا (84)
أَي عِلمًا أَو قُدرَةً أَو آلَةً يَتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى مَقصُودِهِ، وَقَد خَرَجَ ذُو القَرنَينِ مَرَّةً فِي الأَرضِ يُرِيدُ بُلُوغَ المَغرِبِ.
فَأَتْبَعَ سَبَبًا (85)
أَي سَلَكَ طَرِيقًا نَحوَ مَقصِدِهِ، وَالسَّبَبُ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى المَقصُودِ مِن عِلمٍ أَو قُدرَةٍ، فَأَرَادَ بُلُوغَ المَغرِبِ فَأَتبَعَ سَبَبًا يُوصِلُهُ إِلَيهِ حَتَّى بَلَغَ، وَكَذَلِكَ أَرَادَ المَشرِقَ فَأَتبَعَ سَبَبًا، وَأَرَادَ بُلُوغَ السَّدَّينِ فَأَتبَعَ سَبَبًا.
حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا ۗ قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (86)
(حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ)
أَي مُنتَهَى العِمَارَةِ نَحوَ المَغرِبِ وَكَذَا المَطلِعِ، وَمِمَّا يُروَى فِي بَدءِ أَمرِهِ أَنَّهُ وَجَدَ فِي الكُتُبِ أَنَّ أَحَدَ أَولَادِ سَامٍ يَشرَبُ مِن عَينِ الحَيَاةِ فَيَخلُدُ، فَجَعَلَ يَسِيرُ فِي طَلَبِهَا، وَالخَضِرُ وَزِيرُهُ وَابنُ خَالَتِهِ فَظَفِرَ الخَضِرُ فَشَرِبَ مِنهَا وَلَم يَظفَر ذُو القَرنَينِ.
(وَجَدَهَا)
أَيِ الشَّمسَ.
(تَغْرُبُ)
أَي فِيمَا تَرَى عَينُ النَّاظِر.ِ
(فِي عَيْنٍ)
مِنَ المَاءِ.
(حَمِئَةٍ)
بِمَعنَى حَارَّةٍ أَو ذَاتِ طِينٍ أَسوَدَ، لَا أَنَّ الشَّمسَ دَخَلَت فِي المَاءِ حَقِيقَةً، بَل حَقِيقَتُهَا أَنَّهَا تَغرُبُ فِي الجِهَةِ خَلفَ تِلكَ العَينِ مِنَ المَاءِ، وَهَذَا يُشبِهُ مَا نُشَاهِدُهُ مِنهَا عِندَ غُرُوبِهَا فِي أَرضٍ مَلسَاءَ كَأَنَّهَا تَدخُلُ فِيهَا، وَيَحتَمِلُ أَن يَكُونَ بَينَهَا وَبَينَ غُرُوبِهَا عَينُ مَاءٍ حَامِيَةٌ لِأَنَّهُ يُوجَدُ بَينَ السَّمَاءِ وَالأَرضِ بَحرٌ([3]) فَلَا يُستَبعَدُ أَن يَكُونَ بَينَ مَكَانِهِ وَغُرُوبِهَا عَينٌ ثَابِتَةٌ.
(وَوَجَدَ)
ذُو القَرنَينِ.
(عِندَهَا)
أَي عِندَ تِلكَ العَينِ.
(قَوْمًا)
كَافِرِينَ.
(قُلْنَا)
أَي أَوحَى اللهُ إِلَى نَبِيٍّ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ أَن يُخبِرَ ذَا القَرنَينِ بِالتَّخيِيرِ فِي القَومِ بِأَن يَقُولَ لَهُ.
(يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ)
أُولَئِكَ الكَافِرِينَ بِأَن تَقتُلَ مَن لَم يَدخُل فِي الإِسلَامِ مِنهُم.
(وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (86)
إِن لَم يُؤمِنُوا بِأَن تَجتَهِدَ فِي استِمَالَتِهِم إِلَى الإِيمَانِ وَالهُدَى، وَكَانَ مَعَ ذِي القَرنَينِ جُندٌ كَثِيرٌ وَعَسَاكِرُ.
قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا (87)
(قَالَ)
ذُو القَرنَينِ.
(أَمَّا مَن ظَلَمَ)
وَأَكبَرُ الظُّلمِ وَأَشَّدُّهُ الكُفرُ بِاللهِ تَعَالَى.
(فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ)
بِالقَتلِ إِن لَم يَرجِع عَنِ الكُفرِ وَيَدخُل فِي الإِسلَامِ.
(ثُمَّ يُرَدُّ)
هَذَا الكَافِرُ المَقتُولُ يَومَ القِيَامَةِ.
(إِلَىٰ رَبِّهِ)
أَي إِلَى جَزَاءِ رَبِّهِ وَالعَذَابِ الَّذِي وُعِدَ بِهِ هُنَاكَ.
(فَيُعَذِّبُهُ)
اللهُ فِي الآخِرَةِ.
(عَذَابًا نُّكْرًا (87)
أَي فَظِيعًا بَلِيغًا أَلِيمًا أَنكَرَ أَي أَشَدَّ بِكَثِيرٍ مِنَ العَذَابِ بِالقَتلِ الَّذِي حَصَلَ لَهُ فِي الدُّنيَا فَيَكُونُ مُعَذَّبًا فِي الدَّارَينِ، وَهَذَا فِيهِ الرَّدُّ عَلَى مَن يَقُولُونَ بِحُرِّيَّةِ المُعتَقَدِ، وَيَقُولُونَ بِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ الحَقَّ فِي أَن يَختَارَ الدِّينَ الَّذِي يُرِيدُ وَلَو كَانَ الكُفرَ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، بَل هَذَا تَهدِيدٌ شَدِيدٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى بِالعَذَابِ فِي الدَّارَينِ لِمَنِ اختَارَ غَيرَ الإِسلَامِ دِينًا.
وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَىٰ ۖ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (88)
(وَأَمَّا مَنْ آمَنَ)
بِاللهِ.
(وَعَمِلَ صَالِحًا)
عَلَى حَسَبِ مَا يَقتَضِيهِ الإِيمَانُ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الإِيمَانَ شَرطٌ لِقَبُولِ العَمَلِ الصَّالِحِ([4])
(فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَىٰ)
فَلَهُ جَزَاءُ الفِعلَةِ الحُسنَى الَّتِي هِيَ كَلِمَةُ الشَّهَادَةِ.
(وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (88)
أَي ذَا يُسرٍ، أَي لَا نَأمُرُهُ بِالصَّعبِ الشَّاقِّ وَلَكِن بِالسَّهلِ المُتَيَسِّرِ مِنَ الزَّكَاةِ وَالخَرَاجِ وَغَيرِ ذَلِكَ.
(ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (89)
(حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا (90)
(حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ)
هُمُ الزِّنجُ.
(لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا)
مِن دُونِ الشَّمسِ.
(سِتْرًا (90)
أَي أَبنِيَةً، وَرُوِيَ عَن كَعبٍ أَنَّ أَرضَهُم لَا تُمسِكُ الأَبنِيَةَ وَبِهَا أَسرَابٌ([5]) فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمسُ دَخَلُوهَا فَإِذَا ارتَفَعَ النَّهَارُ خَرَجُوا إِلَى مَعَايِشِهِم.اهـ وَقِيل: السِّترُ: اللِّبَاسُ.
كَذَٰلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (91)
(كَذَٰلِكَ)
أَي كَمَا بَلَغَ ذُو القَرنَينِ مَغرِبَ الشَّمسِ فَقَد بَلَغَ مَشرِقَهَا، أَو مَعنَاهُ أَنَّهُ حَكَمَ فِي الزِّنجِ كَمَا حَكَمَ فِي القَومِ الَّذِينَ فِي جِهَةِ المَغرِبِ، فَأَمرُ ذِي القَرنَينِ كَذَلِكَ، أَي كَمَا وَصَفنَاهُ تَعظِيمًا لِأَمرِهِ.
(وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ)
مِنَ الجُنُودِ وَالآلَاتِ وَأَسبَابِ المُلكِ.
(خُبْرًا (91)
أَي قَد عَلِمَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِعِلمِهِ الأَزَلِيِّ مِن قَبلِ وُجُودِ العَالَمِ بِأَسرِهِ مَا يَكُونُ مِن حَالِ ذِي القَرنَينِ وَمَا مَعَهُ مِنَ الجُندِ وَالعُدَّةِ وَآلَاتِ الحَربِ وَغَيرِ ذَلِكَ مِنَ الأَسبَابِ الَّتِي هَيَّئَهَا اللهُ تَعَالَى لَهُ، وَمَعنَى إِحَاطَةِ اللهِ عِلمًا بِمَخلُوقَاتِهِ كَونُهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلِيمًا بِهَا لَا يَغِيبُ عَن عِلمِهِ شَيءٌ مِنهَا، وَلَا يَجُوزُ وَصفُهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأَنَّهُ مُحِيطٌ بِالعَالَمِ بِذَاتِهِ، لِأَنَّ الإِحَاطَةَ بِالشَّيءِ ذَاتًا مِن أَوصَافِ الخَلقِ فَلَا يَكُونُ مَعنَى إِحَاطَةِ اللهِ بِالأَشيَاءِ عِلمًا أَنَّهُ مُحِيطٌ بِهَا بِذَاتِهِ مِنَ الجِهَاتِ بِالتَّحَيُّزِ وَالِالتِفَافِ وَالحُلُولِ وَنَحوِ ذَلِكَ، قَالَ الإِمَامُ أَبُو جَعفَرٍ الطَّحَاوِيُّ: تَعَالَى أَيِ (اللهُ) عَنِ الحُدُودِ وَالغَايَاتِ وَالأَركَانِ وَالأَعضَاءِ وَالأَدَوَاتِ، لَا تَحوِيهِ الجِهَاتُّ السِّتُّ كَسَائِرِ المُبتَدَعَاتِ.اهـ
(ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (92)
أَي سَلَكَ طَرِيقًا ثَالِثًا مَا بَينَ المَشرِقِ وَالمَغرِبِ يُوصِلُهُ إِلَى جَبَلَينِ عَظِيمَينِ مُتَقَابِلَينِ.
حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (93)
(حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ)
أَي وَصَلَ إِلَى المَوضِعِ الوَاقِعِ.
(بَيْنَ السَّدَّيْنِ)
بَينَ الجَبَلَينِ، وَهُمَا جَبَلَانِ سَدَّ ذُو القَرنَينِ مَا بَينَهُمَا، وَهَذَا السَّدُّ فِي مُنقَطِعِ أَرضِ التُّركِ مِمَّا يَلِي المَشرِقَ.
(وَجَدَ مِن دُونِهِمَا)
أَي عِندَ الجَبَلَينِ، أَي مِن وَرَائِهِمَا مُجَاوِزًا عَنهُمَا.
(قَوْمًا)
أَي أُمَّةً مِنَ النَّاسِ.
(لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (93)
لَا يَعرِفُونَ غَيرَ لُغَةِ أَنفُسِهِم إِلَّا بِجُهدٍ وَمَشَقَّةٍ مِن إِشَارَةٍ وَنَحوِهَا، لِأَنَّ لُغَتَهُم غَرِيبَةٌ مَجهُولَةٌ وَمَا كَانُوا يَفهَمُونَ اللِّسَانَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ ذُو القَرنَينِ، وَقَرَأَ حَمزَةُ وَالكِسَائِيُّ (يُفقِهُونَ) بِالضَّمِّ عَلَى مَعنَى لَا يُمكِنُهُم تَفهِيمُ غَيرِهِم، فَإِن قِيلَ كَيفَ فَهِمَ ذُو القَرنَينِ مِنهُم هَذَا الكَلَامَ بَعدَ أَن وَصَفَهُمُ اللهُ بِقَولِهِ: (لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (93) الجَوَابُ: أَن نَقُولَ: كَادَ إِثبَاتُهُ نَفيٌ وَنَفيُهُ إِثبَاتٌ، فَقَولُهُ: (لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (93) لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُم لَا يَفهَمُونَ شَيئًا، بَل يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُم قَد يَفهَمُونَ عَلَى مَشَقَّةٍ وَصُعُوبَةٍ.
قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94)
(قَالُوا)
أَي قَالَت لَهُ أُمَّةٌ مِنَ الإِنسِ صَالِحَةٌ.
(يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ) ([6])
اسمَانِ أَعجَمِيَّانِ بِدَلِيلِ مَنعِ الصَّرفِ، وَبَعضُهُم قَالَ: هُمَا مِن غَيرِ هَمزٍ، وَقَالَ بَعضُهُم: مَعَ الهَمزِ، وَهُمَا مِن وَلَدِ يَافِثَ بنِ سَيِّدِنَا نُوحٍ عَلَيهِ السَّلَامُ.
(مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ)
قِيلَ: كَانُوا يَأكُلُونَ النَّاسَ، وَقِيلَ كَانُوا يَخرُجُونَ أَيَّامَ الرَّبِيعِ فَلَا يَترُكُونَ شَيئًا أَخضَرَ إِلَّا أَكَلُوهُ وَلَا يَابِسًا إِلَّا احتَمَلُوهُ، وَهُم كُلَّ يَومٍ يَحفِرُونَ السَّدَّ حَتَّى يَخرُجُوا حَتَّى كَادُوا يَنقُبُونَهُ، فَيُعِيدُهُ اللهُ تَعَالَى كَمَا كَانَ، حَتَّى يَأتِيَ يَومٌ يَقُولُونَ نَنقُبُهُ غَدًا إِن شَاءَ اللهُ تَعَالَى، اللهُ يُجرِي عَلَى أَلسِنَتِهِم هَذِهِ الكَلِمَةَ إِن شَاءَ اللهُ، فَيَنقُبُونَهُ وَيَخرُجُونَ وَيَتَحَصَّنُ النَّاسُ بِالحُصُونِ فَيَرمُونَ إِلَى السَّمَاءِ فَيُرَدُّ السَّهمُ عَلَيهِم مُلَطَّخًا بِالدَّمِ، ثُمَّ يُهلِكُهُمُ اللهُ تَعَالَى بِالنَّغَفِ فِي رِقَابِهِم، وَقَد جَاءَ مَرفُوعًا عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ يَأجُوجَ وَمَأجُوجَ يَحفِرَانِ كُلَّ يَومٍ، حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَونَ شُعَاعَ الشَّمسِ قَالَ الَّذِي عَلَيهِمُ ارجِعُوا فَسَتَحفِرُونَهُ غَدًا، فَيُعِيدُهُ اللهُ أَشَدَّ مَا كَانَ، حَتَّى إِذَا بَلَغَت مُدَّتُهُم وَأَرَادَ اللهُ تَعَالَى أَن يَبعَثَهُم عَلَى النَّاسِ حَفَرُوا، حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَونَ شُعَاعَ الشَّمسِ قَالَ: ارجِعُوا فَسَتَحفِرُونَهُ غَدًا إِن شَاءَ اللهُ تَعَالَى، فَاستَثنَوا، فَيَعُودُونَ إِلَيهِ وَهُوَ كَهَيئَتِهِ حِينَ تَرَكُوهُ، فَيَحفِرُونَهُ وَيَخرُجُونَ عَلَى النَّاسِ، فَيُنَشِّفُونَ المَاءَ، وَيَتَحَصَّنُ النَّاسُ مِنهُم فِي حُصُونِهِم، فَيَرمُونَ بِسِهَامِهِم إِلَى السَّمَاءِ فَترجِعُ، عَلَيهَا الدَّمُ الَّذِي اجفَظَّ([7])، فَيَقُولُونَ قَهَرنَا أَهلَ الأَرضِ وَعَلَونَا أَهلَ السَّمَاءِ، فَيَبعَثُ اللهُ تَعَالَى عَلَيهِم نَغَفًا فِي أَقفَائِهِم فَيَقتُلُهُم بِهَا([8])»، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِنَّ دَوَابَّ الأَرضِ لَتَسمَنُ وَتَشكَرُ([9]) شَكَرًا مِن لُحُومِهِم([10])».
(فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا)
خَرَاجًا، أَي جَعلًا نُخرِجُهُ مِن أَموَالِنَا، وَنَظِيرُهُمَا النَّولُ وَالنَّوَالُ.
(عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94)
رَدمًا، وَالرَّدمُ مَا جُعِلَ بَعضُهُ عَلَى بَعضٍ حَتَّى يَتَّصِلَ، قَالَ الإِمَامُ القُرطُبِيُّ: فِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى اتِّخَاذِ السُّجُونِ وَحَبسِ أَهلِ الفَسَادِ فِيهَا وَمَنعِهِم مِنَ التَّصَرُّفِ لِمَا يُرِيدُونَهُ وَلَا يُترَكُونَ وَمَا هُم عَلَيهِ([11]).اهـ
قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95)
(قَالَ)
لَهُم ذُو القَرنَينِ.
(مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي)
أَي مَا جَعَلَنِي فِيهِ مَكِينًا قَادِرًا مِنَ المُلكِ وَالمَالِ وَاليَسَارِ وَسَائِرِ الأَسبَابِ.
(خَيْرٌ)
أَي أَفضَلُ مِمَّا تُرِيدُونَ جَعلَهُ لِي مِنَ الجَعلِ وَالخَرَاجِ فَلَا حَاجَةَ لِي إِلَيهِ. (فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ)
بِفَعَلَةٍ وَصُنَّاعٍ يُحسِنُونَ البِنَاءَ وَالعَمَلَ وَبِالآلَاتِ.
(أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95)
جِدَارًا أَو حَاجِزًا حَصِينًا مُوَثَّقًا، وَالرَّدمُ أَكبَرُ مِنَ السَّدِّ.
آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96)
(آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ)
قِطَعَ الحَدِيدِ، قَالَ الخَلِيلُ: الزُّبَرَةُ مِنَ الحَدِيدِ القِطعَةُ الضَّخمَةُ، قِيلَ: حَفَرَ الأَسَاسَ حَتَّى بَلَغَ المَاءَ وَجَعَلَ الأَسَاسَ مِنَ الصَّخرِ وَالنُّحَاسِ المُذَابِ، وَالبُنيَانَ مِن زُبَرِ الحَدِيدِ بَينَهَا الحَطَبُ وَالفَحمُ حَتَّى سَدَّ مَا بَينَ الجَبَلَينِ إِلَى أَعلَاهُمَا، ثُمَّ وَضَعَ المَنَافِيخَ حَتَّى إِذَا صَارَت كَالنَّارِ صَبَّ النُّحَاسَ المُذَابَ عَلَى الحَدِيدِ المُحَمَّى فَاختَلَطَ وَالتَصَقَ بَعضُهُ بِبَعضٍ وَصَارَ جَبَلًا صَلدًا.
(حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ)
جَانِبَيِ الجَبَلَينِ لِأَنَّهُمَا يَتَصَادَفَانِ أَي يَتَقَابَلَانِ، وَقِيلَ بُعدُ مَا بَينَ السَّدَّينِ مِائَةُ فَرسَخٍ.
(قَالَ)
ذُو القَرنَينِ لِلعَمَلَةِ.
(انفُخُوا)
فِي الحَدِيدِ.
(حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ)
أَيِ المَنفُوخَ فِيهِ وهُوَ الحَدِيدُ.
(نَارًا)
كَالنَّارِ.
(قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ)
أَعطُونِي أَصُبَّ عَلَيهِ.
(قِطْرًا (96)
نُحَاسًا مُذَابًا لِأَنَّهُ يَقطُرُ، قِيلَ وَضَعَ زُبَرَ الحَدِيدِ بَعضَهَا عَلَى بَعضٍ حَتَّى صَارَت بِحَيثُ تَسُدُّ مَا بَينَ الجَبَلَينِ إِلَى أَعلَاهُمَا، ثُمَّ وَضَعَ المَنَافِخَ عَلَيهَا حَتَّى إِذَا صَارَت كَالنَّارِ صَبَّ النُّحَاسَ المُذَابَ عَلَى الحَدِيدِ المُحَمَّى فَالتَصَقَ بَعضُهُ بِبَعضٍ وَصَارَ جَبَلًا صَلدًا([12])، وَاعلَم أَنَّ هَذَا شَيءٌ عَجِيبٌ، لِأَنَّ هَذِهِ الزُّبَرَ الكَثِيرَةَ إِذَا نُفِخَ عَلَيهَا حَتَّى صَارَت كَالنَّارِ لَم يَقدِرِ الحَيَوَانُ عَلَى القُربِ مِنهَا، وَالنَّفخُ عَلَيهَا لَا يَحصُلُ إِلَّا مَعَ القُربِ مِنهَا، فَكَأَنَّهُ قَد صُرِفَ تَأثِيرُ تِلكَ الحَرَارَةِ العَظِيمَةِ عَن أَبدَانِ أُولَئِكَ النَّافِخِينَ عَلَيهَا بِقُدرَةِ اللهِ تَعَالَى.
فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97)
(فَمَا اسْطَاعُوا)
بِحَذفِ التَّاءِ لِلخِفَّةِ لِأَنَّ التَّاءَ قَرِيبَةُ المَخرَجِ مِنَ الطَّاءِ.
(أَن يَظْهَرُوهُ)
أَن يَعلُوهُ، أَي مَا قَدَرُوا عَلَى الصُّعُودِ عَلَيهِ لِأَجلِ ارتِفَاعِهِ وَمَلَاسَتِهِ.
(وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97)
وَلَا عَلَى نَقبِهِ لِأَجلِ صَلَابَتِهِ وَثَخَانَتِهِ، وَلَمَّا فَرَغَ ذُو القَرنَينِ مِن بِنَاءِ الرَّدمِ.
قَالَ هَٰذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي ۖ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ ۖ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (98)
(قَالَ هَٰذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي)
فَقَولُهُ هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى السَّدِّ، أَي هَذَا السَّدُّ نِعمَةٌ مِنَ اللهِ وَرَحمَةٌ عَلَى عِبَادِهِ، أَو هَذَا الِاقتِدَارُ وَالتَّمكِينُ مِن تَسوِيَتِهِ.
(فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي)
يَعنِي فَإِذَا دَنَا مَجِيءُ القِيَامَةِ، وَشَارَفَ أَن يَأتِيَ، وَظَهَرَت عَلَامَاتُ السَّاعَةِ الكُبرَى كَنُزُولِ سَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنَ السَّمَاءِ وَخُرُوجِ الدَّجَّالِ وَبُرُوزِ يَأجُوجَ وَمَأجُوجَ.
(جَعَلَهُ دَكَّاءَ)
أَي مَدكُوكًا مَبسُوطًا مُسَوًّى بِالأَرضِ وَكُلُّ مَا انبَسَطَ بَعدَ ارتِفَاعٍ فَقَدِ اندَكَّ، وَقُرِئَ (دَكَّا) بِالمَدِّ أَي أَرضًا مُستَوِيَةً.
(وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (98)
فَالَّذِي وَعَدَ اللهُ تَعَالَى بِهِ عِبَادَهُ مِن دَكِّ الرَّدمِ وَخُرُوجِ يَأجُوجَ وَمَأجُوجَ عَلَى النَّاسِ قَبلَ قِيَامِ السَّاعَةِ وَغَيِر ذَلِكَ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ، وَرَوَى البَيهَقِيُّ عَن حَبِيبَةَ عَن أُمِّهَا أُمِّ حَبِيبَةَ عَن زَينَبَ زَوجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَت: استَيقَظَ النَّبِيُّ ﷺ مِن نَومٍ مُحمَرًّا وَجهُهُ وَهُوَ يَقُولُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ـ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ـ وَيلٌ لِلعَرَبِ مِن شَرٍّ قَدِ اقتَرَبَ، فُتِحَ اليَومَ مِن رَدمِ يَأجُوجَ وَمَأجُوجَ مِثلُ هَذِهِ»، وَحَلَّقَ حَلقَةً بِأُصبُعَيهِ، قُلتُ يَا رَسُولَ اللهِ أَنَهلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: «نَعَم إِذَا كَثُرَ الخَبَثُ([13])».اهـ
([1]) رَوَى الشَّيخُ أَبُو سُلَيمَانَ الخَطَّابِيُّ فِي شَرحِهِ عَلَى البُخَارِيِّ أَنَّ رَجُلًا مِن حِميَرَ أَنشَدَ عِندَ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَبيَاتًا قَالَهَا تُبَّعٌ مَلِكُ حِميَرَ فِي مَدحِ ذِي القَرنَينِ وَهِيَ: (بحر الكامل)
قَد كَانَ ذُو القَرنَينِ جَدِّي مُسلِمًا
مَلِكًا عَلَا فِي الأَرضِ غَيرَ مُفَنَّدِ
[أَي غَيرَ مُكَذَّبِ].
بَلَغَ المَشَارِقَ وَالمَغَارِبَ يَبتَغِي
أَسبَابَ عِلمٍ مِن كَرِيمٍ مُرشِدِ
فَرَأَى مَآبَ الشَّمسِ عِندَ غُرُوبِهَا
فِي عَينِ ذِي خُلُبٍ وَثَأطٍ حَرمَدِ
[الخُلُبُ: الطِّينُ الصُّلبُ، الثَّأطُ: هُوَ الطِّينُ الأَسوَدُ. الحَرمَدُ: هُوَ الطِّينُ الأَسوَدُ كَذَلِكَ].
فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا لِمَن عِندَهُ: يَا غُلَامُ اكتُب، وَفِي عِلَّةِ تَسمِيَتِهِ بِذِي القَرنَينِ عَشَرَةُ أَقوَالٍ، أَحَدُهَا: أَنَّهُ دَعَا قَومَهُ إِلَى اللهِ تَعَالَى فَضَرَبُوهُ عَلَى قَرنِهِ فَهَلَكَ، فَغَبَرَ زَمَانٌ ثُمَّ بَعَثَهُ اللهُ فَدَعَاهُم إِلَى اللهِ فَضَرَبُوهُ عَلَى قَرنِهِ الآخَرِ فَهَلَكَ، فَذَانِكَ قَرنَاهُ، قَالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ سُمِّيَ بِذِي القَرنَينِ لِأَنَّهُ سَارَ إِلَى مَغرِبِ الشَّمسِ وَإِلَى مَطلِعِهَا، قَالَهُ ابنُ عَبَّاسٍ، وَالثَّالِثُ: لِأَنَّ صَفحَتَي رَأسِهِ كَانَتَا مِن نُحَاسٍ، وَالرَّابِعُ: لِأَنَّهُ رَأَى فِي المَنَامِ كَأَنَّهُ امتَدَّ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرضِ وَأَخَذَ بِقَرنَيِ الشَّمسِ فَقَصَّ ذَلِكَ عَلَى قَومِهِ فَسُمِّيَ بِذِي القَرنَينِ، وَالخَامِسُ: لِأَنَّهُ مَلَكَ الرُّومَ وَالفُرسَ، وَالسَّادِسُ: لِأَنَّهُ كَانَ فِي رَأسِهِ شِبهُ القَرنَينِ، وَالسَّابِعُ: لِأَنَّهُ كَانَت لَهُ غَدِيرَتَانِ مِن شَعَرٍ، قَالَهُ الحَسَنُ، قَالَ ابنُ الأَنبَارِيِّ: وَالعَرَبُ تُسَمِّي الضَّفِيرَتَينِ مِنَ الشَّعَرِ غَدِيرَتَينِ وَجَمِيرَتَينِ وَقَرنَينِ، وَالثَّامِنُ: لِأَنَّهُ كَانَ كَرِيمَ الطَّرَفَينِ مِن أَهلِ بَيتٍ ذَوِي شَرَفٍ، وَالتَّاسِعُ: لِأَنَّهُ انقَرَضَ فِي زَمَانِهِ قَرنَانِ مِنَ النَّاسِ وَهُوَ حَيٌّ، وَالعَاشِرُ: لِأَنَّهُ سَخَّرَ اللهُ لَهُ النُّورَ وَالظُّلمَةَ فَإِذَا سَرَى يَهدِيهِ النُّورُ مِن أَمَامِهِ وَتُحَوِّطُهُ الظُّلَمُ مِن وَرَائِهِ، وَذُو القَرنَينِ عَبدٌ تَقِيٌّ وَلِيٌّ صَالِحٌ مِنَ البَشَرِ، لَم يَكُن نَبِيًّا وَلَا مَلَكًا، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيهِ الأَكثَرُونَ، وَقَد رَوَى عَبدُ الرَّزَّاقِ وَالطَّبَرِيُّ وَغَيرُهُمَا عَن أَبِي الطُّفَيلِ الأَحمَسِيِّ عَن سَيِّدِنَا عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ فِيهِ: كَانَ عَبدًا صَالِحًا أَحَبَّ اللهَ فَأَحَبَّهُ اللهُ.اهـ وَقَد مَلَكَ الدُّنيَا اثنَانِ مُؤمِنَانِ ذُو القَرنَينِ وَسُلَيمَانُ عَلَيهِ السَّلَامُ، وَكَافِرَانِ نُمرُودُ وَبُختَنَصَّرُ وَكَانَ بَعدَ نُمرُودَ، رَوَى ابنُ أَبِي شَيبَةَ وَالحَاكِمُ عَن مُجَاهِدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: “لَم يَملِكِ الأَرضَ كُلَّهَا إِلَّا أَربَعَةٌ، مُسلِمَانِ وَكَافِرَانِ، فَأَمَّا المُسلِمَانِ فَسُلَيمَانُ بنُ دَاوُدَ وَذُو القَرنَينِ، وَأَمَّا الكَافِرَانِ فَبُختَنَصَّرَ وَالَّذِي حَاجَّ إِبرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ”.اهـ وَقَد مَلَّكَهُ اللهُ تَعَالَى الأَرضَ وَأَعطَاهُ العِلمَ وَالحِكمَةَ، وَيُروَى أَنَّ سَيِّدَنَا الخَضِرَ عَلَيهِ السَّلَامُ كَانَ وَزِيرَهُ وَعَلَى مُقَدَّمِ جَيشِهِ، وَقَد حَجَّ ذُو القَرنَينِ مَاشِيًا مِنَ اليَمَنِ إِلَى مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ وَالتَقَى بِسَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ وَإِسمَاعِيلَ عَلَيهِمَا السَّلَامُ وَطَافَ مَعَهُمَا حَولَ الكَعبَةِ المُشَرَّفَةِ وَذَبَحَ الذَّبَائِحَ للهِ تَعَالَى، وَلَمَّا سَمِعَ سَيِّدُنَا إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلَامُ بِقُدُومِهِ استَقبَلَهُ وَدَعَا لَهُ وَأَوصَاهُ بِوَصَايَا، وَجِيءَ لَهُ بِفَرَسٍ لِيَركَبَهَا فَقَالَ تَأَدُّبًا: لَا أَركَبُ فِي بَلَدٍ فِيهِ الخَلِيلُ إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلَامُ، فَسَخَّرَ اللهُ تَعَالَى لَهُ السَّحَابَ وَبَشَّرَهُ سَيِّدُنَا إِبرَاهِيمُ بِذَلِكَ، فَكَانَت تَحمِلُهُ إِذَا أَرَادَ، وَكَانَ مِن أَمرِهِ أَنَّ اللهَ مَدَّ لَهُ فِي عُمُرِهِ وَنَصَرَهُ حَتَّى قَهَرَ البِلَادَ وَفَتَحَ المَدَائِنَ، وَسَارَ حَتَّى أَتَى المَشرِقَ وَالمَغرِبَ، فَمَنِ اتَّبَعَ دِينَ الإِسلَامِ سَلِمَ وَإِلَّا فَقَد أَخزَاهُ، وَعَاشَ ذُو القَرنَينِ مِئَاتِ السِّنِينَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، وَقَد تَزَوَّدَ لِآخِرَتِهِ بِزَادِ التَّقوَى وَالعَمَلِ الصَّالِحِ، وَقِيلَ فِيهِ: (بحر الكامل)
وَالصَّعبُ ذُو القَرنَينِ أَمسـَى مُلكُهُ
أَلفَينِ عَامًا ثُمَّ صَارَ رَمِيمًا
الجَامِعُ لِأَحكَامِ القُرآنِ، لِشَمسِ الدِّينِ القُرطُبِيِّ (ج11 ص45ـ53)، مَعَالِمُ التَّنزِيلِ، لِأَبِي مُحَمَّدٍ البَغَوِيِّ (ج5 ص197ـ198)، البِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ، لِابنِ كَثِيرٍ (ج2 ص535ـ560)، مَدَارِكُ التَّنزِيلِ وَحَقَائِقُ التَّأوِيلِ، لِأَبِي البَرَكَاتِ النَّسَفِيِّ (ج2 ص316ـ321).
([2]) زَادُ المَسِيرِ فِي عِلمِ التَّفسِيرِ، لِأَبِي الفَرَجِ ابنِ الجَوزِيِّ (ج3 ص106).
([3]) الكَامِلُ فِي التَّارِيخِ، لِعِزِّ الدِّينِ ابنِ الأَثِيرِ (ج1 ص22).
([4]) قَالَ اللهُ تَعَالَى: (مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ۖ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ ۖ لَّا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَىٰ شَيْءٍ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ) [سُورَةُ إِبرَاهِيمَ:18]. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ أَحمَدُ: «وَأَمَّا الكَافِرُ فَيُطعَمُ بِحَسَنَاتِهِ فِي الدُّنيَا حَتَّى إِذَا أَفضَى إِلَى الآخِرَةِ لَم يَكُن لَهُ حَسَنَةٌ يُعطَى بِهَا خَيرًا»، فَمَن لَم يَكُن مُؤمِنًا بِأَن كَفَرَ بِاللهِ فَقَد خَسِرَ الدُّنيَا وَالآخِرَةِ وَذَلِكَ هُوَ الخُسرَانُ المُبِينُ.
([5]) قَالَ الفَيُّومِيُّ: السَّرَبُ بِفَتحَتَينِ بَيتٌ فِي الأَرضِ لَا مَنفَذَ لَهُ وَهُوَ الوَكرُ، وَانسَرَبَ الوَحشُ فِي سَرَبِهِ وَالجَمعُ أَسرَابٌ مِثلُ: سَبَبٍ وَأَسبَابٍ فَإِن كَانَ لَهُ مَنفَذٌ إلَى مَوضِعٍ آخَرَ فَهُوَ النَّفَقُ.اهـ المِصبَاحُ المُنِيرُ فِي غَرِيبِ الشَّرحِ الكَبِيرِ، لِلفَيُّومِيِّ (ج1 ص272).
([6]) وَأَمَّا مَا قِيلَ مِن أَنَّ آدَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ احتَلَمَ فَاختَلَطَ مَاؤُهُ بِالتُّرَابِ فَأَسَفَّهُ فَخُلِقُوا مِن ذَلِكَ المَاءِ فَهَذَا بَاطِلٌ رَدَّهُ الإِمَامُ القُرطُبِيُّ فِي الجَامِعِ لِأَحكَامِ القُرآنِ عِندَ تَفسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ لِرَقمِ (94)، وَرَدَّ ذَلِكَ أَيضًا النَّوَوِيُّ فِي شَرحِهِ عَلَى مُسلِمٍ، وَابنُ حَجَرٍ العَسقَلَانِيُّ فِي شَرحِهِ عَلَى البُخَارِيِّ، وَقَالُوا: “بِدِلَالَةِ أَنَّ الأَنبِيَاءَ لَا يَحتَلِمُونَ” لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى نَزَّهَ الأَنبِيَاءَ وَصَانَهُم عَن أَن يَتَلَاعَبَ بِهِمُ الشَّيطَانُ فِي يَقَظَتِهِم كَمَا فِي نَومِهِم، هَذَا مَعَ أَنَّ أَبدَانَهُم تَنَامُ وَقُلُوبَهُمُ الشَّرِيفَةُ لَا تَنَامُ، وَهُمَا قَبِيلَتَانِ مِنَ البَشَرِ كُلُّهُم كُفَّارٌ، وَمِن عَجِيبِ شَأنِهِم أَنَّهُ لَا يَمُوتُ أَحَدُهُم حَتَّى يَلِدَ أَلفًا مِن صُلبِهِ أَو أَكثَرَ، كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَمِن كَثرَةِ عَدَدِهِم يَكُونُ البَشَرُ يَومَ القِيَامَةِ بِالنِّسبَةِ لَهُم كَوَاحِدٍ مِن مِائَةٍ عَدَدًا، وَفِي رِوَايَةٍ: كَوَاحِدٍ مِن أَلفٍ عَدَدًا، وَقَد أَخفَى اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مَكَانَهُم وَكَيفَ يَعِيشُونَ وَمَاذَا يَأكُلُونَ وَتَفَاصِيلَ هَيئَتِهِم، فَلَا يَثبُتُ مَا يُروَى فِيهِم مِن أَنَّهُم قِصَارُ القَامَةِ وَآذَانَهُم طَوِيلَةٌ يَنَامُونَ عَلَى وَاحِدَةٍ وَيَتَغَطَّونَ بِالأُخرَى وَإِن كَانَ ذَلِكَ فِي بَعضِ كُتُبِ التَّارِيخِ، وَلَا يَصِحُّ مَا يُقَالُ إِنَّهُمُ الآنَ هُم أَهلُ الصِّينِ، وَالثَّابِتُ فِي شَأنِهِم أَنَّهُم مَحبُوسُونَ فِي مَكَانٍ مِنَ الأَرضِ مَخفِيٍّ عَنَّا، ثُمَّ يَخرُجُونَ بَعدَ نُزُولِ سَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرضِ بِمُدَّةٍ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، وَتَحصُلُ فِي أَيَّامِهِم مَجَاعَةٌ فِي الأَرضِ، فَيَمُرُّونَ عَلَى بُحَيرَةِ طَبَرَيَّا فِي فِلَسطِينَ يَشرَبُونَهَا فَيَمُرُّ آخِرُهُم فَيَقُولُ: كَانَ هُنَا مَاءٌ، وَلَا يَتَجَرَّأُ المُسلِمُونَ لِحَربِهِم، فَيَذهَبُ سَيِّدُنَا عِيسَى عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَالمُؤمِنُونَ إِلَى جَبَلِ الطُّورِ بِسِينَاءَ فَيَدعُونَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَيَستَغِيثُونَ بِهِ مِنهُم وَيَتَضَرَّعُونَ إِلَيهِ أَن يُهلِكَهُم، فَيُرسِلُ اللهُ عَلَى يَأجُوجَ وَمَأجُوجَ نَغَفًا أَي دُودًا يَدخُلُ رَقَبَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنهُم فَيَرمِيهِ مَيتًا، ثُمَّ يُرسِلُ اللهُ تَعَالَى طُيُورًا فَتَحمِلُ جُثَثَهُم وَتَرمِيهِم فِي البَحرِ، ثُمَّ يُنزِلُ مَطَرًا يَجرُفُ آثَارَهُم إِلَى البَحرِ، أَخرَجَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي المُسنَدِ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: “إِنَّ يَأجُوجَ وَمَأجُوجَ مِن وَلَدِ آدَمَ، وَإِنَّهُم لَو أُرسِلُوا عَلَى النَّاسِ لَأَفسَدُوا عَلَيهِم مَعَايِشَهُم، وَلَن يَمُوتَ مِنهُم أَحَدٌ إِلَّا تَرَكَ مِن ذُرِّيَّتِهِ أَلفًا فَصَاعِدًا، وَإِنَّ مِن وَرَائِهِم ثَلَاثَ أُمَمٍ تَاوِيلُ وَتَارِيسُ وَمَنسَكُ“، وَقَد وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِيَأجُوجَ وَمَأجُوجَ لَيلَةَ الإِسرَاءِ وَالمِعرَاجِ بَلَّغَهُمُ الدَّعوَةَ فَأَبَوا، وَلَم يَزَالُوا يَتَدَاوَلُونَ الخَبَرَ أَنَّهُ جَاءَهُم رَجُلٌ اسمُهُ مُحَمَّدٌ وَأَخبَرَهُم أَنَّ اللهَ وَاحِدٌ لَا يَجُوزُ أَن يُعبَدَ غَيرُهُ وَلَكِنَّهُم أَبَوا إِلَّا الكُفرَ فَلَا يُسلِمُونَ بَل يَمُوتُونَ عَلَى الكُفرِ جَمِيعُهُم.اهـ جَامِعُ البَيَانِ عَن تَأوِيلِ آيِ القُرآنِ، لِابنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ (ج18 ص109ـ120)، الجَامِعُ لِأَحكَامِ القُرآنِ، لِأَبِي عَبدِ اللهِ القُرطُبِيِّ (ج11 ص55ـ63).
([7]) أَي مَلَأَهَا. أَي تَرجِعُ السِّهَامُ عَلَيهِم حَالَ كَونِ الدَّمِ مُمتَلِئًا عَلَيهَا.اهـ
([8]) مُسنَدُ أَحمَدَ، لِلإِمَامِ أَحمَدَ بنِ حَنبَلٍ (ج16 ص369).
([9]) قَالَ ابنُ الأَثِيرِ: أَي تَسمَنُ وَتَمتَلِئُ شَحمًا، يُقَالُ: شَكِرَتِ الشَّاةُ بِالكَسرِ تَشكَرُ شَكَرًا بِالتَّحرِيكِ إِذَا سَمِنَت وَامتَلَأَ ضَرعُهَا لَبَنًا.اهـ النِّهَايَةُ فِي غَرِيبِ الحَدِيثِ وَالأَثَرِ، لِابنِ الأَثِيرِ الجَزَرِيِّ (ج2 ص494).
([10]) مُسنَدُ أَحمَدَ، لِلإِمَامِ أَحمَدَ بنِ حَنبَلٍ (ج16 ص369).
([11]) الجَامِعُ لِأَحكَامِ القُرآنِ، لِأَبِي عَبدِ اللهِ القُرطُبِيِّ (ج11 ص59).
([12]) قَالَ الفَيرُوزأَبَادِيُّ: الصَّلدُ، وَيُكسَرُ: الصُّلبُ الأَملَسُ.اهـ القَامُوسُ المُحِيطُ، لِمَجدِ الدِّينِ الفَيرُوزأَبَادِيِّ (ص392).
([13]) صَحِيحُ البُخَارِيِّ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بنِ إِسمَاعِيلَ البُخَارِيِّ ـ كِتَابُ الفِتَنِ ـ بَابُ قَولِ النَّبِيِّ ﷺ وَيلٌ لِلعَرَبِ مِن شَرٍّ قَدِ اقتَرَبَ ـ رَقمُ الحَدِيثِ (6650).