فِي زَمَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَهُوَ أَبُو لُبَابَةَ الْأَنْصَارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ.
أَحْدَثَ أَبُو لُبَابَةَ أَمْرًا فَنَدِمَ عَلَيْهِ نَدَمًا شَدِيدًا، بَلَغَ الْأَمْرُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَحْدَثَ، مِنْ شِدَّةِ نَدَامَتِهِ، دَخَلَ إِلَى مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَبَطَ نَفْسَهُ بِسَارِيَةٍ وَرِبَاطًا شَدِيدًا، قِيلَ: أَثَرَ فِيهِ، بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ فَتْرَةً وَهُوَ يَذْهَبُ أَثَرُهُ، وَيَقُولُ: «لَا أُحِلُّ نَفْسِي مِنْ هَذَا الرِّبَاطِ، لَا آكُلُ وَلَا أَشْرَبُ، لَا أُطْعِمُ، لَا أُبَارِحُ مَكَانِي، لَا أَرْجِعُ إِلَى بَيْتِي، أَبْقَى فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى يُقْبِلَ اللَّهُ تَعَالَى تَوْبَتِي».
وَكَانَ الصَّحَابَةُ يَمُرُّونَ بِهِ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، وَيَرَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَبْكِي وَيَتَضَرَّعُ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يَقْبَلَ تَوْبَتَهُ، فِي سَارِيَةٍ، إِلَى الْيَوْمِ مَعْرُوفَةٍ بِاسْمِ أُسْطُوَانَةِ التَّوْبَةِ فِي نَاحِيَةِ حَجَرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرَّوْضَةِ الشَّرِيفَةِ الْمُبَارَكَةِ.
أَلَيْسَ هُنَاكَ أُسْطُوَانَةُ التَّهَجُّدِ، أُسْطُوَانَةُ الْحَرَسِ، أُسْطُوَانَةُ عَائِشَةَ، أُسْطُوَانَةُ الْوُفُودِ، وَيُوجَدُ أُسْطُوَانَةٌ يُقَالُ لَهَا أُسْطُوَانَةُ التَّوْبَةِ، وَهِيَ هَذِهِ.
قِيلَ: كَانَ أَبُو لُبَابَةَ يَبْقَى يَتَضَرَّعُ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، حَتَّى نَزَلَ فِيهِ قُرْآنٌ، فِيهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ تَابَ عَلَيْهِ.
فَجَاءَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ مُسْرِعًا: «أَبْشِرْ يَا أَبَا لُبَابَةَ، اللَّهُ تَعَالَى تَابَ عَلَيْكَ».
وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ قُرْآنًا صَدَّقَ فِي تَوْبَتِهِ مَعَ اللَّهِ.
قَالَ أَبُو لُبَابَةَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ أَحْدَثْتُ مَا أَحْدَثْتُ، لَوْ أَنِّي لَا أَرْجِعُ إِلَى دَارِي».
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَلْ ارْجِعْ».
قَالَ أَبُو لُبَابَةَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَنِّي أَنْخَلِعُ مِنْ كُلِّ مَالِي»، يَعْنِي أَنْ أَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَا أَمْلِكُ، مُبَالَغَةً مِنْهُ رَغْبَةً صَادِقَةً، وَقَدْ نَزَلَ فِيهِ قُرْآنٌ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ تَابَ عَلَيْهِ.
قَالَ أَبُو لُبَابَةَ: «أَنْخَلِعُ مِنْ كُلِّ مَالِي؟» قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «يَكْفِيكَ الثُّلُثُ».
فَتَصَدَّقَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بِثُلُثِ مَالِهِ.
قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ سَيِّئَةً فَلْيَتْبَعْهَا بِالْحَسَنَةِ، تَمْحُهَا»،
قال أمن الْحَسَنَات لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: «هِيَ أَحْسَنُ الْحَسَنَاتِ».