﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(40)﴾.
﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ﴾:
أي إن لم تُعينوه وتقوموا بنُصرته، فإنَّ الله تعالى هو الذي تولَّى نُصرته دائمًا، ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ﴾، فدلَّ ذلك على أنَّ نصرَه ثابتٌ في الماضي، واقعٌ في الحاضر، جارٍ في المستقبل.
فالآياتُ المتقدِّمة قبل هذه الآية كانت في الحثِّ على النفير في سبيل الله، حيث قال سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾. ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
وفي هذا تقريرٌ واضحٌ أنَّ النصرَ من عند الله، وأنَّ دينه منصور، ونبيَّه منصور، ومَن تبعه منصورٌ بإذن الله، وأنَّ من تخلَّف عن النصرة يستبدل الله به غيره.
ثم جاءت الآيةُ التي فيها ذِكرُ هجرة النبيّ صلى الله عليه وسلّم لتُثبِت أنَّ النصر لا يتوقَّف على كثرة الناصرين، بل هو من عند الله وحدَه. أي: إن تخلَّفتم عن نصرتِه في تبوك، فإنَّ الله قد نصره من قبل، حين لم يكن معه إلا رجلٌ واحد، وهو الصِّدِّيقُ رضي الله عنه.
﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ﴾:
برهانٌ متجدِّدٌ على أن النصر من عند الله تعالى، فهو سبحانه الخالقُ وحدَه، لا خالقَ غيرُه، وهو الذي ينصر مَن يشاء، ويُعِزُّ مَن يشاء، ويُذِلُّ مَن يشاء.
﴿إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا﴾
أُسنِدَ الإِخْراجُ إلى الكفّار؛ لِأنَّهُم لَمّا هَمُّوا بإِخراجِهِ أَذِنَ اللهُ لَهُ في الخروج، فكأنَّهُم هُمُ الذين أخرجوه. نعم، نقول: إنَّ خُروجَهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلام كان بأَمرٍ مِنَ اللهِ تعالى، فهِجْرَتُهُ مِنْ مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ إلى المدينةِ المُنَوَّرَةِ كانت تنفيذًا لِأَمْرِ الله، لا جُبْنًا ولا هُروبًا.
فإذًا، كان خروجُ النبيِّ عليه الصلاة والسلام تنفيذًا لِأَمْرِ الله، ومع ذلك جاء التعبيرُ القرآنيُّ: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لأنَّه في واقع الحال هم الذين هَمُّوا بإِخْراجِهِ؛ فقد اجتمعُوا وأرادُوا قتلهُ أو طَرْدَهُ. قال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ﴾،
والمعنى: أنَّ اللهَ يُجازِي الماكِرين على مَكْرِهِم، لا أنَّهُ يُوصَفُ بالمَكْرِ على الإِطلاق؛ فليس ذلك مِن أسمائِهِ الحُسنى.
وقد عَقَدَ الكفّارُ اجتماعًا حضره إبليسُ، وأَحاط بالبيت أربعون شابًّا جَلدًا نسيبًا، كلُّ واحدٍ منهم يحملُ سيفه، واتَّفقوا على أن يضربوا محمّدًا ضربةَ رجلٍ واحدٍ لِيَتَفَرَّقَ دمُهُ بين القبائل. فجاء جبريلُ عليه السلام فأَعلَمَ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم بنيَّتِهِم.
فنادَى النبيُّ صلى الله عليه وسلّم عليًّا رضي الله عنه وقال له: «تَسَجَّ ببُرْدِي هذا الأخضرِ الحَضْرَمِيِّ، فإنَّه لن يَخلُصَ إليكَ شيءٌ تكرهُه». فباتَ عليٌّ في فراش النبيّ، وخرج النبيّ صلى الله عليه وسلم من بيته، وأخذ حُفنةً من التُّراب فنثرها عليهم، فما بقيَ واحدٌ منهم إلّا وقد أصاب الترابُ رأسَه، وهو يقرأ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾.
لم يَرَوْهُ وهو يخرج من بين أيديهم، وكانوا أربعين رجلًا ممتلئين قوّة، وظلّوا يراقبون البيت وهم يظنّون أنَّه لا يزال في فراشه، إذ كانوا يرون عليًّا رضي الله عنه فيه. ومضت ساعةٌ من الزمن، حتى جاء رجلٌ وقال لهم: «ماذا تفعلون؟» قالوا: «ننتظر محمّدًا ليخرج». فقال: «لقد خرج، رأيتُه منذ وقتٍ يسير». فأنكروا قوله وقالوا: «كيف يخرج ونحن نُحيط بالبيت؟». قال: «ما هذا الترابُ على رؤوسكم؟». فوضع كلُّ واحدٍ يدَه على رأسه فوجد التراب، فعَلِموا أنَّ الأمر قد فات.
فدخلوا البيتَ، فوجدوا عليًّا رضي الله عنه مكان النبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا يظهر أنَّهم هم الذين هَمُّوا بإِخراجِهِ بل بقتلِهِ، فجاء التعبير القرآني مطابقًا لِحقيقة مَكْرِهِم.
﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾
أي: أحدُ اثنين، كقوله: ثَالِثُ ثَلاثَةٍ. وهما رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلّم وصاحبُه أبو بكرٍ الصِّدِّيق رضي الله عنه.
﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾
والغارُ نَقْبٌ في أعلى جبلِ ثَوْرٍ، ويقال له: غارُ ثَوْرٍ، وهو جبلٌ يقع في الجهة اليمنى مِن مكّة على مسيرةِ ساعةٍ تقريبًا. ومكثا فيه ثلاثَ ليالٍ. ودخل النبيُّ صلى الله عليه وسلّم ومعه صاحبُه أبو بكر رضي الله عنه، مختبئين فيه من طلب المشركين.
﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾
قال الإمامُ الرّازيّ: معنا بالنُّصرة، معنا بالتأييد، معنا بالحِرَاسة، معنا بالمعونة، وليس المعنى أنَّ اللهَ عزَّ وجلّ يحلّ في مكانٍ أو يسكنُ فيه؛ فاللهُ تعالى مُنزَّهٌ عن ذلك.
مكث النبيُّ صلى الله عليه وسلّم وأبو بكرٍ ثلاثًا داخل الغار، والغارُ ضيّقٌ جدًّا؛ فلو دخله شخصٌ رَبْعةٌ لم يسهل عليه الوقوف، ومع ذلك لبثا فيه ثلاثة أيام. فأيُّ شرفٍ هذا للصِّدِّيق رضي الله عنه وأرضاه!
ولم يُنصَّ في القرآن الكريم على صُحبةِ أحدٍ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم تصريحًا إلا لأبي بكر، في قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾
فالأمّةُ أجمعت على أنَّ المرادَ بالصاحب هنا هو أبو بكر. فمن أنكر ذلك فقد كذّب القرآن.
وكان أبو بكرٍ رضي الله عنه يخاف على النبيِّ صلى الله عليه وسلّم، وقيل: إنَّ المشركين صعدوا إلى فَوْق الغار، فأشفق أبو بكر على رسول الله، فقال: إن تُصَبْ اليومَ ـ يعني إن أُصبتَ ـ ذهبَ دينُ الله.فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلّم: «يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ؟ اَللَّهُ ثَالِثُهُمَا». وكرّرها عليه الصلاة والسلام تثبيتًا لقلبه.
وقيل: لَمّا دخل النبيّ صلى الله عليه وسلم الغارَ، بعث اللهُ تعالى حَمَامَتَيْن فباضتا عند مدخله، وأرسل العنكبوتَ فنسج على بابه. وكان هذا سببًا لردِّ المشركين؛ إذ إنَّ رؤيةَ بيض الحمام وخيوط العنكبوت تدلّ ـ في العادة ـ على أن المكانَ خالٍ لم يدخله أحد. وهذه من دلائل حفظ الله لنبيّه وصاحبه.
وأخذت الحمامتان والعنكبوتُ بالأسباب التي جعلها الله ردْعًا للمشركين، والنبيُّ صلى الله عليه وسلّم داخل الغار، ومعه أفضلُ أولياءِ البشر بعد الأنبياء: أبو بكر الصديق رضي الله عنه. فكيف لا تطمئنّ هذه المخلوقات، وفي داخل الغار خيرُ الخلق صلى الله عليه وسلم وأفضلُ أولياء الله.
ولو دخل أحدُ المشركين الغارَ لتمزّقت خيوطُ العنكبوت، لكنّ الله حفظها. وقد قال النبيّ صلى الله عليه وسلّم: «اللَّهُمَّ أَعْمِ أَبْصَارَهُمْ».
فصاروا يتردّدون حول الغار، يصعدون وينزلون، يبحثون في كلّ اتّجاه، ولا يفطنون إلى وجود النبيّ وصاحبه؛ لِأنَّ اللهَ تعالى قد أخذ بأبصارهم عنه.
﴿فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ﴾
أي: ألقى في قلبِه من الطُّمأنينةِ والأَمْنَةِ ما سَكَنَ به، وعَلِمَ معه أنَّ أعداءَه لا يصلون إليه.
﴿فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾
أي على النبيِّ صلى الله عليه وسلّم، أو على أبي بكرٍ رضي الله عنه؛ لأنَّه كان يخافُ على رسول الله، أمّا النبيّ صلى الله عليه وسلّم فكان ثابتَ الجنان، ساكنَ القلب، واثقًا بربه.
﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾
أي عضَّده وناصره بملائكةٍ صرفوا وجوهَ المشركين وأبصارَهم عن رؤيته، فلم يهتدوا إلى الغار. وقيل: أيّده بملائكةٍ يوم بدر، والأحزاب، وحنين، فكان النصر في جميع ذلك من عند الله.
﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾
أي: دعوتهُم إلى الكفر، وشعارهم الباطل.
﴿السُّفْلَى﴾
أي: الدُّنوَّ والضَّعَةَ والذِّلَّةَ.
﴿وَكَلِمَةُ اللهِ﴾
أي: دعوتُه إلى الإسلام، وتوحيدُه الخالص.
﴿هِيَ الْعُلْيَا﴾
كانت عاليةً منصورةً، ولم تزل كذلك إلى يوم القيامة، ولو كره الكافرون.
﴿وَاللهُ عَزِيزٌ﴾
يُعِزُّ أهلَ الإيمان بنَصره وتأييده.
﴿حَكِيمٌ﴾
يُذِلُّ أهلَ الشِّرك بحكمته، ويضع كلَّ شيءٍ في موضعه.