﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ (51) قُلْ هَلْ تَتَربَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (52) قُلْ أَنفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ (53) وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ (54) فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (55) وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (56) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (57) وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (58) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (59) إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60)﴾
﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ(٥١)﴾
يقول تعالى:
﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا﴾
أي ما قضاه اللهُ لنا من خيرٍ أو شرٍّ، فلا يتجاوز شيءٌ ما قدَّره سبحانه لعبده.
﴿هُوَ مَوْلَانَا﴾
أي هو المتولِّي لشؤوننا، الحافظُ لنا، ونحنُ نتولّاه ونعتصم به.
﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾
أي حَقُّ المؤمنين أن يُفَوِّضوا أمورَهم إلى الله وحده دون سواه.
ومعنى الآية: أنّ ما يُصيبُ العبدَ من خيرٍ أو شرٍّ فهو بمشيئةِ الله وتقديره؛ فما أرادَه الله لعبدٍ من خيرٍ فلن يستطيع أحدٌ من الخلق أن يَحُولَ بينه وبينه، ولو اجتمع الناسُ كلُّهم على منعه. وكم اجتمعت الأممُ المعاديةُ للإسلام — من مشركين وكافرين — للنَّيْلِ من أمةِ محمدٍ ﷺ، ولكنَّ الله تعالى قدَّر لهذه الأمة أن تبقى، وقدَّر للإسلام أن يدوم، وللقرآن أن يُحفَظ، ولِكَلِمَةِ التوحيد أن تظلَّ عاليةً إلى قيام الساعة.
ومهما بلغَت قوّةُ الأعداء فلن يستطيعوا أن يُميتوا هذه الأمة، وقد يَظهرون عليها حينًا، وقد يُهَدِّدونها، ولكنَّ الله هو ناصرُها. وما أعظمَ الراحةَ التي تغمر قلبَ المؤمن حين يقفُ عند هذه الآية ويتأمَّلها!
يا مهموم، يا مكروب، يا مغموم، يا فقير، يا مُسْتَضْعَف، يا مظلوم: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا﴾ فَسَلِّمْ أمرك لله، وعلى الله توكَّل.
﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّآ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِنْدِهِۦٓ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوٓا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ(٥٢)﴾
﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ﴾
أي هل تنتظرون بنا إلا ما تظنّونه من سوء؟
﴿إِلَّآ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ﴾
أي إحدى الحسنيين: إمّا النصرُ وإمّا الشهادة، وكلتاهما خيرٌ للمؤمن.
﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ﴾
أي ننتظر بكم إحدى السوأيين.
﴿أَنْ يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِنْدِهِۦ﴾
أي بقارعةٍ من السماء، كما أنزل الله على عادٍ وثمود.
﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾
أي أو يعذِّبَكم بأن يُمَكِّنَنا منكم، فيكون القتلُ على كفركم.
﴿فَتَرَبَّصُوٓا﴾
ما أنتم مترقِّبون من السوء لنا.
﴿إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ﴾
أي ننتظرُ ما سيقضي الله به عليكم؛ أمّا نحن فليس أمامنا إلا إحدى الحسنيين: النصرُ أو الشهادةُ بإذن الله، ومِمَّ نخاف؟ من الجوع؟ من القتل؟ إن أصابَنا ما أصابَنا فمصيرُنا إلى الله، وأمّا الكفارُ فإمّا عذابٌ من السماء، وإمّا أن يُؤْسَروا ويُعَذَّبوا بأيدي المؤمنين.
﴿قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَٰسِقِينَ(٥٣)﴾
﴿قُلْ أَنفِقُوا﴾
أي أخرِجوا أموالَكم في وجوهِ البرّ. وهنا يأتي الكلامُ على الصدقة، وما أعظمَ شأنَها! فقد قال عليه الصلاة والسلام: «المؤمنُ في ظلِّ صدقته يومَ القيامة»، وببركة الصدقة يجعل الله تعالى لصاحبها نورًا عند الصراط.
﴿طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾
أي سواءٌ أخرجتموها مختارين أو مُلجَئين مُكرَهين. وخطابُ الآية موجَّهٌ إلى المنافقين؛ لأن المؤمنَ يُقبل الله تعالى منه، أمّا هؤلاء فلا.
﴿لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ﴾
والسببُ أنّ الإيمانَ شرطٌ في قبول العمل الصالح؛ فالمنافقون — وهم كفّار — لا يقبل الله صدقاتهم، سواءً أخرجوها طوعًا أو كرهًا. ومعنى عدم القبول: أنّ النبيّ ﷺ يردُّها عليهم ولا يقبلها منهم، أو أن الله لا يُثيبهم عليها.
﴿طَوْعًا﴾
أي بغيرِ إلزامٍ من الله ورسوله
﴿كَرْهًا﴾
أي تحت الإلزام، وسُمِّي الإلزامُ إكراهًا؛ لأن قلوبَهم لم تُرِد الخير، وكان إلزامُهم الإنفاق شاقًّا عليهم كوقع الإكراه.
﴿إِنَّكُمْ﴾
تعليلٌ لردِّ نفقتهم.
﴿كُنتُمْ قَوْمًا فَـٰسِقِينَ﴾
أي خارجين عن طاعة الله، متمرّدين عاتين.
﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَٰتُهُمْ إِلَّآ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِۦ وَلَا يَأْتُونَ ٱلصَّلَوٰةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَٰرِهُونَ(٥٤)﴾
أي ما منع قبول صدقاتهم إلا كفرُهم بالله وبرسوله.
﴿وَلَا يَأْتُونَ ٱلصَّلَوٰةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَىٰ﴾
أي يأتونها متثاقلين؛ جمعُ «كَسْلان».
﴿وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَٰرِهُونَ﴾
لأنهم لا يُريدون بإنفاقهم وجهَ الله تعالى. وقد وصفَهم في الآية السابقة بالطوع، ثم نفاه هنا؛ لأن المراد بطوعهم أنهم يُخرجون المال من غير إلزامٍ من رؤسائهم أو من الرسول ﷺ، أمّا حقيقتُه فليست طوعًا، بل كراهةٌ واضطرارٌ لا رغبةَ ولا اختيار.
﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَٰدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَٰفِرُونَ(٥٥)﴾
أي إذا رأيتَ ما أُوتوا من الأموال والأولاد فلا يُعجِبَنَّكَ ذلك، ولا تَستحسِنه، ولا يَخدعَنَّك مظهرُه؛ فإنهم متعلِّقون بها تعلُّقًا مرضيًّا.
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا﴾
أي بما أُعطوا من المال والبنين.
﴿فِي ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾
وذلك بوجوهٍ من العذاب:
إمّا بالمصائب التي تُنزل بهم، أو بإلزامِهم الإنفاقَ في وجوه الخير وهم كارهون، أو بنهب أموالهم وسبي أولادهم، أو بعذاب حبّ المال: جمعِه، وخوفِ ضياعه، والبخلِ به، والذُّعْرِ عليه، حتى يموت أحدُهم حسراتٍ على ما جَمَع.
﴿وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَٰفِرُونَ﴾
أي تخرج أرواحهم خروجًا شديدًا صعبًا، والزُّهوقُ هو الخروجُ العسير.
والآيةُ تُبطِل قولَ مَن قال: إنّ الله يجب عليه الأصلحُ للعبد؛ إذ لو كان الأصلح واجبًا لَما أعطاهم المالَ والبنين ليكون ذلك سببًا في عذابهم وإماتتهم على الكفر. ومثلها إرادةُ الله تعالى للمعاصي من حيث المشيئة؛ لأن إرادةَ العذابِ تَلزم منها إرادةُ ما يُعَذَّبُ عليه، وهو الكفر، وكذلك إرادةُ الإماتة على الكفر.
﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُمْ مِنكُمْ وَلَٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦)﴾
المعنى: يخاف هؤلاء المنافقون القتلَ والفرار من العذاب، فيتظاهرون بالإسلام تقيةً من شدة خوفهم، وما هم حقًا من المؤمنين؛ يَفْرَقُونَ أي يخافون القتل وما يفعل بالمشركين فيتظاهرون بالإسلام تقية.
﴿لَو يَجِدُونَ مَلْجَأً أَو مَغَارَاتٍ أَو مُدَّخَلاً لَّوَلَّواْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجمَحُونَ(٥٧)﴾
﴿مَلْجَأً﴾:
مكانًا يلجأون إليه، متحصنين في رأس جبل، أو قلعة، أو جزيرة.
﴿أَو مَغَارَاتٍ﴾:
أو غيرانًا أي كهوفًا أو مخابئ طبيعية.
﴿أَو مُدَّخَلاً﴾:
نفقًا يندسّون فيه، من مشتقّات الدخول.
﴿لَّوَلَّواْ إِلَيْهِ﴾:
أي لأقبلوا نحوه للاحتماء.
﴿وَهُمْ يَجمَحُونَ﴾:
أي يسرعون إسراع الفرس الجامح، لا يردهم شيء عن الانطلاق، أي سرعة فرارهم.
﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَاتِ فَإِن أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ(٥٨)﴾
﴿وَمِنْهُم﴾:
أي بعض المنافقين.
﴿مَن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَاتِ﴾:
أي يعيب على النبي ﷺ في قسمة الصدقات ويطعنه في حكمه.
﴿فَإِن أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ﴾:
إذا أُعطوا جزءًا منها فسرّوا بذلك.
﴿وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾:
أي إذا لم يُعطوا فاجأهم ذلك، فيظهر سخطهم.
الرضا والسخط لديهم لذواتهم لا لدين الله، إذ إن النبي ﷺ كان يستعطف القلوب بالصدقات والغنائم على أهل مكة يومئذٍ، فاستاء المنافقون لذلك.
﴿وَلَو أَنَّهُمْ رَضُواْ مَا آتَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ سَيُؤتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَرَسُولُهُۥٓ إِنَّآ إِلَىٰ ٱللَّهِ رَاغِبُونَ(٥٩)﴾
المعنى: جواب لو محذوف تقديره ولو أنهم رضوا لكان خيراً لهم والمعنى ولو أنهم رضوا ما أصابهم به الرسول من الغنيمة وطابت به نفوسهم وإن قل نصيبهم وقالوا كفانا فضل الله وصنعه وحسبنا ما قسم لنا سيرزقنا غنيمة أخرى لو أنهم رضيوا بما آتاهم الله ورسوله، وقالوا:
﴿حَسْبُنَا اللَّهُ﴾
أي كفانا ما قسم لنا اليوم، ووثقوا بأن الله سيؤتينا من فضله وكرمه وفضل رسوله ﷺ أكثر مما آتانا اليوم، لكان ذلك خيرًا لهم.
﴿إِنَّآ إِلَىٰ اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾:
أي راجين فضل الله، راغبين في أن يُغنّمهم ويخوّلهم من فضله، لا يطلبون الدنيا والمنافع الشخصية.
وقد بينت الآية مواضع الصدقة ووجوه إنفاقها، لتكون سببًا في تقوية الإيمان وتزكية النفوس، مقابل المنافقين الذين لا يبتغون وجه الله.
﴿۞ إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱلْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَٱلْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(٦٠)﴾
شرح الآية وتفسيرها التفصيلي:
﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ﴾
حَصَرَ الله تعالى جنسَ الصدقات على الأصنافِ الثمانية المذكورة في الآية، أي أنّ هذه الصدقات مختصّة بهم فقط ولا تتجاوز إلى غيرهم.
الزكاة واجبةٌ في أموال محددة، ولها مصارف معلومة.
﴿إِنَّمَا﴾
الحصر هنا يدل على أنّ الصدقات محصورةٌ بهذه الأصناف، فلا تُصرف لغيرهم.
مع ذلك، الباب مفتوح للصدقات غير الزكاة، فهي تشمل أوجه البر والخير المختلفة، أما الزكاة فلها أصنافها المحددة. قصر جنس الصدقات على الأصناف المعدودة أي هي مختصة بهم لا تتجاوز إلى غيرهم كأنه قيل إنما هي لهم لا لغيرهم تريد لا تتعداهم ولا تكون لغيرهم فيحتمل أن تصرف إلى الأصناف كلها وأن تصرف إلى بعضها كما هو مذهبنا وعن حذيفة وابن عباس وغيرهما من الصحابة والتابعين أنهم قالوا في أي صنف منها وضعتها أجزأك وعند الشافعى رحمه الله لا بد من صرفها إلى الأصناف وهو المروي عن عكرمة.
يَرَى الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ صَرْفُ الزَّكَاةِ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةٍ فَأَكْثَرَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنَ الأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ، إِذَا وُجِدُوا فِي بَلَدِ المَالِ، وَهُوَ بَلَدُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ.
وَقَدِ اخْتَارَ جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ جَوَازَ صَرْفِ الزَّكَاةِ ـ حَتَّى زَكَاةِ الفِطْرِ ـ إِلَى ثَلَاثَةِ فُقَرَاءَ أَوْ مَسَاكِينَ فَقَطْ، كَمَا اخْتَارَ جَمَاعَةٌ آخَرُونَ جَوَازَ صَرْفِ الزَّكَاةِ إِلَى مُسْتَحِقٍّ وَاحِدٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ الحَنَفِيَّةِ، وَيَجُوزُ العَمَلُ بِهِ عِنْدَ الحَاجَةِ، خَاصَّةً فِي زَمَانٍ يَتَعَذَّرُ فِيهِ وُجُودُ جَمِيعِ الأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ.
وَقَدْ نَصَّ الدِّمْيَاطِيُّ فِي كِتَابِهِ «إِعَانَةُ الطَّالِبِينَ» قَائِلًا: (وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ «العُبَابِ»: قَالَ الأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ وَكَثِيرُونَ: يَجُوزُ صَرْفُهَا إِلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ مِنَ الأَصْنَافِ).
وَحَكَى الرَّافِعِيُّ عَنْ ابْنِ بَدْرَانَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيَّ يَقُولُ فِي اخْتِيَارِهِ وَرَأْيِهِ: (يَجُوزُ صَرْفُهَا إِلَى وَاحِدٍ)، فَلَا بَأْسَ بِالعَمَلِ بِهَذَا، عَلَى أَنْ تُصْرَفَ إِلَى وَاحِدٍ مِنَ الأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ.
ثم الفقير الذي لا يسأل لأن عنده ما يكفيه للحال والمسكين الذي يسأل لأنه لا يجد شيئاً فهو أضعف حالا منه وعند الشافعي رحمه الله على العكس
عِنْدَ الحنفية أَنَّ الفَقِيرَ هُوَ الَّذِي لَا يَسْأَلُ النَّاسَ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ مَا يَكْفِيهِ فِي الحَالِ، وَأَنَّ المِسْكِينَ هُوَ الَّذِي يَسْأَلُ؛ لِعَدَمِ وُجُودِ شَيْءٍ عِنْدَهُ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ المِسْكِينُ أَشَدَّ حَالًا مِنَ الفَقِيرِ.
أَمَّا عِنْدَ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَالأَمْرُ عَلَى العَكْسِ، فَالفَقِيرُ عِنْدَهُ: مَنْ لَا تَجِبُ عَلَى غَيْرِهِ نَفَقَتُهُ، وَلَا يَجِدُ إِلَّا أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ كِفَايَتِهِ، كَالَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى عَشَرَةٍ فَلَا يَجِدُ إِلَّا أَرْبَعَةً أَوْ أَقَلَّ.
وَأَمَّا المِسْكِينُ: فَهُوَ الَّذِي عِنْدَهُ مَا يَسُدُّ مَسَدًّا مِنْ حَاجَتِهِ، إِمَّا بِمِلْكٍ أَوْ بِعَمَلٍ يُدِرُّ عَلَيْهِ رِزْقًا، وَلَكِنَّهُ لَا يَبْلُغُ بِهِ حَدَّ الكِفَايَةِ اللَّائِقَةِ بِحَالِهِ، كَالَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى عَشَرَةٍ، فَلَا يَجِدُ إِلَّا ثَمَانِيَةً.
وَعَلَى هَذَا فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ تَكُونُ حَالَةُ الفَقِيرِ أَشَدَّ وَأَضْيَقَ مِنْ حَالِ المِسْكِينِ من عن الحنفية.
الفقير والمسكين:
الفقير: مَن لا يجد ما يكفيه للمعيشة، ولا يسأل الناس. عند الشافعية، الفقير أشد حالًا من المسكين، فهو لا يجد إلا أقل من نصف حاجته.
المسكين: مَن يسأل لتغطية حاجته الأساسية، أقوى حالًا من الفقير عند الحنفية، أما عند الشافعية فهو أقل حاجة من الفقير.
﴿وَٱلعَٰمِلِينَ عَلَيْهَا﴾
هم السعاة الذين يتولّون قبض الزكاة وتوزيعها على المستحقين، ويجوز لهم أن يأخذوا أجورهم على العمل.
﴿وَٱلمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾
هم الأشخاص الذين يُرجَى إلفاؤهم للإسلام، أو لتقوية الملة، ومنهم من أسلم بالفعل.
يُعطى لهم تقديرًا ومكافأةً على ميلهم نحو الإسلام، وإظهارًا لحسن النية في إصلاح قلوبهم.
﴿وَفِي ٱلرِّقَابِ﴾
المُكاتَبون، أي الذين يُراد تحريرهم من الرق، فيُصرف لهم المال ليعتقوا أنفسهم.
﴿وَٱلْغَارِمِينَ﴾
هم الذين تراكمت عليهم الديون، ولم يستطيعوا الوفاء بها، فتُصرف لهم الصدقات لتيسير دفعها
﴿وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾
المقصود: فقراء الغزاة أو الحجيج المنقطع بهم فالمقاتلون في سبيل الله، أو المتطوعون للجهاد، ممن لا حق لهم في الغنائم أو الديوان، لإعانتهم على الجهاد في سبيل الله.
يُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عِنْدَ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الغُزَاةُ المُتَطَوِّعُونَ الَّذِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ سَهْمٌ فِي دِيوَانِ المُرْتَزِقَةِ مِنَ الفَيْءِ، فَيُعْطَوْنَ مِنَ الزَّكَاةِ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ لِلْجِهَادِ، وَلَوْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ؛ إِعَانَةً لَهُمْ عَلَى الغَزْوِ.
وَلَيْسَ المُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عِنْدَ العُلَمَاءِ جَمِيعَ أَوْجُهِ الخَيْرِ؛ لِأَنَّ الأَصْنَافَ الثَّمَانِيَةَ كُلَّهَا أَعْمَالُ خَيْرٍ فِي نَفْسِهَا، فَلَوْ حُمِلَ اللَّفْظُ عَلَى العُمُومِ لَدَخَلَ فِيهَا كُلُّ مَا ذُكِرَ.
وَقَدْ قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي كِتَابِهِ «المَجْمُوعِ»: (فَإِنَّ المُرَادَ بِهِمْ بَعْضُهُمْ، وَهُمْ المُتَطَوِّعُونَ الَّذِينَ لَا حَقَّ لَهُمْ فِي الدِّيوَانِ، وَلَمْ يُذْكَرُوا بِاسْمِهِمُ الخَاصِّ).
وَنَقَلَ القَاضِي أَبُو بَكْرِ ابْنُ العَرَبِيِّ فِي «أَحْكَامِ القُرْآنِ» عَنْ الإِمَامِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ قَالَ: (سُبُلُ اللَّهِ كَثِيرَةٌ، وَلَكِنِّي لَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ المُرَادَ بِسَبِيلِ اللَّهِ هَاهُنَا الغَزْوُ).
وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ الحَنْبَلِيُّ فِي «المُغْنِي»: (هَذَا الصِّنْفُ السَّابِعُ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ، وَلَا خِلَافَ فِي اسْتِحْقَاقِهِمْ وَبَقَاءِ حُكْمِهِمْ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُمُ الغُزَاةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ لِأَنَّ سَبِيلَ اللَّهِ عِنْدَ الإِطْلَاقِ هُوَ الغَزْوُ).
وَذَكَرَ الزَّبِيدِيُّ فِي «شَرْحِ القَامُوسِ»: (وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أُرِيدَ بِهِ الَّذِي يُرِيدُ الغَزْوَ وَلَا يَجِدُ مَا يُبَلِّغُهُ مَغْزَاهُ، فَيُعْطَى مِنْ سَهْمِهِ). فمن المستحقين: الفقراء الذين خرجوا للجهاد ولم يُعطوا نصيبًا من الفَيء، أو للمنقطعين عن الغنائم لتسهيل قتالهم.
﴿وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ﴾
المسافر المنقطع عن ماله، المحتاج أثناء السفر، لمن يحتاج إلى النفقة ليكمل سفره.
عَدَلَ عَنِ اللَّامِ إِلَى «فِي» فِي قَوْلِهِ: ﴿وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ﴾، ثُمَّ كَرَّرَ «فِي» فِي قَوْلِهِ: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾؛ وَذَلِكَ لِإِيذَانٍ بِلَطِيفِ المَعْنَى وَعَمِيقِ الدِّلَالَةِ.
فَالعُدُولُ عَنِ اللَّامِ إِلَى «فِي» فِي الأَصْنَافِ الأَرْبَعَةِ الأَخِيرَةِ يُفِيدُ أَنَّهُم أَرْسَخُ فِي اسْتِحْقَاقِ الصَّدَقَةِ مِمَّنْ سَبَقَ ذِكْرُهُمْ؛ لِأَنَّ «فِي» تَدُلُّ فِي أَصْلِهَا عَلَى الوِعَاءِ وَالاِحْتِوَاءِ، فَنَبَّهَتْ عَلَى أَنَّهُمْ أَحَقُّ بِأَنْ تُوضَعَ فِيهِمُ الصَّدَقَاتُ، وَأَنْ يُجْعَلُوا مَظِنَّتَهَا وَمَوْضِعَ إِيدَاعِهَا.
وَأَمَّا تَكْرَارُ «فِي» فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ﴾ فَفِيهِ إِيذَانٌ بِفَضْلٍ وَتَرْجِيحٍ لِهَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ عَلَى مَا قَبْلَهُمَا، أَيْ: عَلَى «الرِّقَابِ» وَ«الْغَارِمِينَ»، فَصَارَ الأَرْبَعَةُ مُقَدَّمِينَ فِي الاِسْتِحْقَاقِ، ثُمَّ خُصَّ مِنْهُمُ الأَخِيرَانِ بِمَزِيدِ تَشْرِيفٍ وَإِبَانَةٍ فِي المَعْنَى.
وَيَدُلُّ هَذَا كُلُّهُ عَلَى أَنَّ الحَرْفَ فِي كِتَابِ اللَّهِ لَهُ دَلَالَتُهُ الخَاصَّةُ وَمَعْنَاهُ الدَّقِيقُ، وَأَنَّ تَغْيِيرَ الأَدَوَاتِ وَتَكْرَارَهَا لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ الاِتِّفَاقِ، بَلْ هُوَ لِحِكْمَةٍ بَلَاغِيَّةٍ مَقْصُودَةٍ.
وَقَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي سِيَاقِ ذِكْرِ المُنَافِقِينَ؛ لِتَدُلَّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الأَصْنَافَ هُمْ المَصَارِفُ الشَّرْعِيَّةُ الخَاصَّةُ لِلصَّدَقَاتِ دُونَ غَيْرِهِمْ، حَسْمًا لِأَطْمَاعِ المُنَافِقِينَ، وَإِشْعَارًا بِبُعْدِهِمْ عَنْهَا وَعَنْ مَصَارِفِهَا، فَلَا حَقَّ لَهُمْ فِيهَا، وَلَا مَوْضِعَ لِتَدَخُّلِهِمْ فِي قِسْمَتِهَا، وَلَا لَمْزِ مَنْ قَسَمَهَا.
﴿فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ﴾
تعني أن الزكاة فرض من الله تعالى، وأن الإنفاق فيها واجب على المكلف، وليس اختيارًا.
﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
يشير إلى علم الله بحقيقة أحوال الناس، ومصلحتهم في التوزيع، وحكمته في تنظيم هذه المصارف بما يحقق العدالة والمصلحة.