﴿انفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (41) لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمْ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوْ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (42) عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (43) لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (44) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (45) وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمْ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (47) لَقَدْ ابْتَغَوْا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (48) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (49) إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا وَهُمْ فَرِحُونَ (50)﴾
﴿ٱنْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ(٤١)﴾
قَوْلُهُ تَعَالَى:
﴿ٱنْفِرُوا خِفَافًا﴾
أَيْ: إِنْ تَجِدُوا خِفَّةً وَنَشَاطًا فَاخْرُجُوا إِلَى الجِهَادِ، وَكَذٰلِكَ ﴿وَثِقَالًا﴾ أَي: وَلَوْ كَانَ فِي الخُرُوجِ مَشَقَّةٌ عَلَيْكُمْ. وَالكَلَامُ عَائِدٌ إِلَى غَزْوَةِ تَبُوك، غَزْوَةِ العُسْرَةِ الفَاضِحَةِ، كَمَا سُمِّيَتْ لِشِدَّةِ الظُّرُوفِ فِيهَا؛ فَالمَسَافَةُ بَعِيدَةٌ، وَالحَرُّ شَدِيدٌ، وَالعَدُوُّ كَثِيرٌ، وَمَعَ ذٰلِكَ أُمِرُوا بِالنَّفِيرِ سَوَاءٌ وَجَدُوا خِفَّةً أَمْ ثِقَلًا.
وَقِيلَ: ﴿خِفَافًا﴾ لِقِلَّةِ عِيَالِكُمْ، وَ﴿ثِقَالًا﴾ لِكَثْرَتِهِمْ؛ فَإِنَّ كَثْرَةَ العِيَالِ تُشْغِلُ بَعْضَ النَّاسِ وَتُثَبِّطُهُ عَنِ الصَّدَقَةِ وَالنَّفِيرِ، لِمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ: «الأَوْلَادُ مَجْبَنَةٌ مَبْخَلَةٌ». فَمَهْمَا كَانَ عَدَدُ العِيَالِ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا فَالأَمْرُ بِالنَّفِيرِ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الحَالَاتِ.
وَقِيلَ: ﴿خِفَافًا﴾ أَيْ: خِفَافًا مِنَ السِّلَاحِ، وَ﴿ثِقَالًا﴾ أَيْ: مُتَسَلِّحِينَ بِالْعُدَّةِ الكَامِلَةِ.
وَقِيلَ: ﴿خِفَافًا﴾ أَيْ: رُكْبَانًا، وَ﴿ثِقَالًا﴾ مَشَاةً، إِنْ وَجَدْتُمْ دَابَّةً رَكِبْتُمْ، وَإِلَّا فَاخْرُجُوا مَاشِينَ.
وَقِيلَ: ﴿خِفَافًا﴾ شَبَابًا، وَ﴿ثِقَالًا﴾ شُيُوخًا.
وَقِيلَ: ﴿خِفَافًا﴾ مَهَازِيلَ، وَ﴿ثِقَالًا﴾ سِمَانًا.
وَقِيلَ: ﴿خِفَافًا﴾ صِحَاحًا، وَ﴿ثِقَالًا﴾ مِرَاضًا.
فَكُلُّ هَذِهِ الوُجُوهِ يَحْتَمِلُهَا لَفْظُ الآيَةِ، وَهِيَ دَالَّةٌ عَلَى عُمُومِ التَّكْلِيفِ بِالنَّفِيرِ فِي جَمِيعِ الأَحْوَالِ؛ فِي المَنشَطِ وَالمَكْرَهِ، فِي اليُسْرِ وَالعُسْرِ، فِي السَّعَةِ وَالضِّيقِ.
وَقَدْ كَانَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فُقَرَاءَ، وَمَعَ ذٰلِكَ بَلَّغُوا دِينَ اللهِ وَنَشَرُوا الإِسْلَامَ، فَلَا يَتَعَذَّرَنَّ أَحَدٌ بِالفَقْرِ؛ فَقَدْ فَتَحَ اللهُ لَهُمْ البِلَادَ، وَوَسَّعَ رِزْقَهُمْ، حَتَّى صَارَ المَالُ يُطَافُ بِهِ فَلَا يُوجَدُ آحِدٌ يَأْخُذُهُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى:
﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾
أَيْ: أُوجِبَ عَلَيْكُمُ الجِهَادُ بِهُمَا مَعًا إِنْ أَمْكَنَ، فَلَا تَكْتَفُوا بِالجِهَادِ بِالْمَالِ وَحْدَهُ إِذَا كُنْتُمْ قَادِرِينَ عَلَى الجِهَادِ بِالنَّفْسِ. وَقَدْ جَاءَ فِي الحَدِيثِ: «مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللهِ فَقَدْ غَزَا»؛ أَيْ: نَالَ أَجْرًا يُشْبِهُ أَجْرَ مَنْ خَرَجَ بِنَفْسِهِ، سَوَاءٌ كَانَ قِتَالًا بِالسِّنَانِ أَوْ بِالبَيَانِ.
﴿ذٰلِكُمْ﴾:
أَيْ هٰذَا الجِهَادُ.
﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾:
مِنْ تَرْكِهِ. فَبِمَا كَانَ مِنْ انْتِشَارِ الجِهَادِ وَقُوَّةِ الدَّوْلَةِ الإِسْلَامِيَّةِ أَذَلَّ اللهُ لَهَا الكُفَّارَ، وَعَزَّ أَهْلَ الإِسْلَامِ، وَسَمِعَتِ الأُمَمُ أَسْمَاءَ الصِّدِّيقِ وَالفَارُوقِ وَذِي النُّورَيْنِ وَعَلِيٍّ رضي اللهُ عنهم، وَفُتِحَتْ بِأَيْدِيهِمْ بِلَادُ الدُّنْيَا.
﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
أَيْ: إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ ذٰلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ فَبَادِرُوا إِلَيْهِ.
﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلٰكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ(٤٢)﴾
نَزَلَتْ الآيَةُ فِي المُتَخَلِّفِينَ مِنَ المُنَافِقِينَ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوك.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا﴾
أَيْ: لَوْ كَانَ الَّذِي دُعُوا إِلَيْهِ مِمَّا يَعْرِضُ مِنْ مَنَافِعِ الدُّنْيَا وَمَتَاعِهَا؛ فَالعَرَضُ هُنَا هُوَ حُطَامُ الدُّنْيَا الزَّائِلُ. وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «الدُّنْيَا عَرَضٌ حَاضِرٌ يَأْكُلُ مِنْهُ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، وَالْآخِرَةُ أَجَلٌ صَادِقٌ». أَيْ: لَوْ كَانَ الَّذِي دُعُوا إِلَيْهِ غَنِيمَةً قَرِيبَةَ المَنَالِ، سَهْلَةَ المَأْخَذِ، لَبَادَرُوا إِلَيْهَا مُسْرِعِينَ.
﴿وَسَفَرًا قَاصِدًا﴾
أَيْ: سَفَرًا مُعْتَدِلًا قَرِيبًا، لَا بُعْدَ فِيهِ. فَهُمْ لَا يَتَخَلَّفُونَ إِذَا كَانَ السَّفَرُ قَرِيبًا وَالغَنِيمَةُ مَوْجُودَةً، فَهٰذَا مَا تَهْوَاهُ نُفُوسُهُم.
﴿لَاتَّبَعُوكَ﴾
أَيْ: لَوَافَقُوكَ فِي الخُرُوجِ.
﴿وَلٰكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾
أَيْ: بَعُدَتِ المَسَافَةُ، وَالشُّقَّةُ هِيَ المَسَافَةُ الشَّاقَّةُ البَعِيدَةُ. فَقَدْ رَأَوْا أَنَّ المَسِيرَ مِنَ المَدِينَةِ إِلَى تَبُوك مَسَافَةٌ طَوِيلَةٌ — نَحْوَ سَبْعِمِائَةِ كِيلُومِتْرٍ تَقْرِيبًا — مَعَ شِدَّةِ الحَرِّ، وَقِلَّةِ الزَّادِ، وَمُوَاجَهَةِ جَيْشِ الرُّومِ.
﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾
فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِ نُبُوَّةِ الرَّسُولِ ﷺ؛ إِذْ أَخْبَرَهُ اللهُ تَعَالَى بِمَا سَيَقُولُهُ هَؤُلَاءِ المُنَافِقُونَ عِنْدَ قُفُولِهِ مِنْ تَبُوك، قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى المَدِينَةِ. سَيَأْتُونَهُ مُعْتَذِرِينَ، يَقُولُونَ: «لَوِ اسْتَطَعْنَا — مِنْ عُدَّةٍ أَوْ بَدَنٍ — لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ». وَهُمْ فِي ذٰلِكَ مُتَظَاهِرُونَ بِالتَّمَارُضِ وَتَعَلُّلِ الضَّعْفِ.
﴿يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾
أَيْ: يُهْلِكُونَهَا بِحَلِفِهِمُ الكَاذِبِ.
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾
أَيْ: يَعْلَمُ كَذِبَهُمْ فِي مَا ادَّعَوْهُ مِنْ أَعْذَارٍ.
﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ(٤٣)﴾
لَيْسَ المَعْنَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَعَ فِي زَلَّةٍ، فَإِنَّ قَوْلَ القَائِلِ لِغَيْرِهِ: «عَفَا اللهُ عَنْكَ» لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ الْمُخَاطَبَ قَدْ أَتَى ذَنْبًا. وَيَجِبُ التَّنَبُّهُ إِلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَقَعْ فِي مَعْصِيَةٍ بِقَبُولِهِ أَعْذَارَ المُتَخَلِّفِينَ.
فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ جَاءُوا قَبْلَ الخُرُوجِ إِلَى تَبُوك أَبْدَوْا أَعْذَارًا مُخْتَلِفَةً؛ هٰذَا يَدَّعِي المَرَضَ، وَهٰذَا يَذْكُرُ عُذْرًا آخَرَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ حَقَائِقَ أَحْوَالِهِمْ، فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ الغَيْبَ، وَلَا يَعْلَمُ مِنْهُ إِلَّا مَا أَعْلَمَهُ اللهُ تَعَالَى. قَالَ رَبُّنَا: ﴿عَالِمُ الغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾.
فَلَمَّا جَاءَ هٰؤُلَاءِ يَعْتَذِرُونَ، عَامَلَهُم ﷺ عَلَى الظَّاهِرِ؛ فَأَيْنَ الزَّلَّةُ؟ وَأَيْنَ المَعْصِيَةُ؟ وَمَا وَقَعَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا مَا يُوجِبُهُ العَدْلُ وَالأَدَبُ وَالتَّوْقِيرُ فِي التَّصَرُّفِ مَعَ مَنْ لَا يُعْلَمُ بَاطِنُهُ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حَتّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾
أَيْ: يَتَبَيَّنُ لَكَ مَنْ صَدَقَ فِي عُذْرِهِ وَمَنْ كَذَبَ فِيهِ، وَقَدْ قَبِلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْهُم مَا ظَهَرَ، وَلَمْ يُكَلِّفْ نَفْسَهُ شَقَّ البَحْثِ فِي سَرَائِرِهِمْ؛ إِذْ لَا يُعْلَمُ الغَيْبُ إِلَّا بِوَحْيٍ.
فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَخْطَأَ أَوْ عَصَى فِي هٰذِهِ القِصَّةِ؛ بَلْ هُوَ تَصَرُّفٌ عَلَى القَاعِدَةِ الشَّرْعِيَّةِ: «نَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ وَاللهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ».
وَلْيُعْلَمْ أَنَّ كُتُبَ التَّفْسِيرِ المَطْبُوعَةَ نَادِرًا مَا تَخْلُو مِنَ الدَّسِّ، خَاصَّةً فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَقَامِ الأَنْبِيَاءِ، فَقَدْ دُسَّ عَلَيْهِمْ كَثِيرٌ مِنَ البَاطِلِ. وَلِهٰذَا كَانَ الإِسْنَادُ أَصْلًا عَظِيمًا، كَمَا قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ المُبَارَكِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «الإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ، وَلَوْلَا الإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ».
﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْۚوَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ(٤٤)﴾
فَالمُؤْمِنُونَ الصَّادِقُونَ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِمْ أَنْ يَطْلُبُوا الإِذْنَ فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الجِهَادِ؛ بَلْ هُمْ مُبَادِرُونَ إِلَيْهِ، لَا يَتَخَلَّفُونَ عَنْ بَذْلِ أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾
وَعْدٌ لَهُمْ بِأَجْزَلِ الثَّوَابِ وَأَعْلَى الدَّرَجَاتِ.
﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ(٤٥)﴾
فَإِنَّ الَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ لِطَلَبِ الإِذْنِ فِي التَّخَلُّفِ هُمُ المُنَافِقُونَ، الَّذِينَ جَرَت عَادَتُهُمْ عَلَى التَّعَلُّلِ وَالِاخْتِلَاقِ لِئَلَّا يَخْرُجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَدْ تَخَلَّفَ يَوْمَ تَبُوك تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ رَجُلًا مِمَّنْ أَظْهَرُوا الإِسْلَامَ وَأَبْطَنُوا ضِدَّهُ، عَلَى أَنَّ عَدَدَ المُنَافِقِينَ فِي الْمَدِينَةِ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾
أَيْ دَبَّ إِلَى قُلُوبِهِمُ الشَّكُّ، وَاضْطَرَبَتْ عَقَائِدُهُمْ.
﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ﴾
أَيْ فِي شَكِّهِمْ المُسْتَحْكِمِ.
﴿يَتَرَدَّدُونَ﴾
لأَنَّ التَّرَدُّدَ دَأْبُ مَنْ تَحَيَّرَ، كَمَا أَنَّ الثَّبَاتَ سِمَةُ مَنْ أَبْصَرَ وَاهْتَدَى.
﴿۞ وَلَوْ أَرَادُوا الخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةًۖ وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القَاعِدِينَ(٤٦)﴾
فَلَوْ كَانَتْ لَهُمْ رَغْبَةٌ صَادِقَةٌ فِي الخُرُوجِ لَاسْتَعَدُّوا لَهُ بِالْعُدَّةِ وَالأُهْبَةِ؛ فَهُمْ مَيَاسِيرُ قَادِرُونَ عَلَى التَّجَهُّزِ، وَلَكِنَّ عَدَمَ اسْتِعْدَادِهِمْ دَلِيلٌ عَلَى نَفْيِ رَغْبَتِهِمْ وَجِدِّيَّتِهِمْ.
﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾
أَيْ نُهُوضَهُمْ لِلْخُرُوجِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: مَا خَرَجُوا، وَلَكِنْ مُنِعُوا وَصُرِفُوا؛ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يُرِدْ لَهُمْ أَنْ يَكُونُوا فِي زُمْرَةِ المُجَاهِدِينَ.
﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾
أَيْ أَلْقَى فِي قُلُوبِهِمُ الكَسَلَ وَضَعْفَ العَزِيمَةِ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ نِفَاقٍ، فَصَارَ تَثْبِيطُهُ لَهُمْ تَوْقِيفًا عَنِ الخَيْرِ وَتَزْهِيدًا فِيهِ.
﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا﴾
قِيلَ ذَلِكَ: إِمَّا بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، أَوْ قَالَهُ الرَّسُولُ ﷺ عَلَيْهِمْ غَضَبًا، أَوْ قَالَهُ الشَّيْطَانُ وُسْوَسَةً.
﴿مَعَ القَاعِدِينَ﴾
وَهُوَ تَذْمِيمٌ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ إِلْحَاقٌ لَهُمْ بِالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالزَّمْنَى الَّذِينَ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِمُ الخُرُوجُ لِلْقِتَالِ.
﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ(٤٧)﴾
﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ﴾
لَوْ خَرَجَ هَؤُلَاءِ المُنَافِقُونَ مَعَكُمْ
﴿مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾
أَيْ لَمَا أَفَادُوكُمْ شَيْئًا، بَلْ لَمَا جَلَبُوا إِلَيْكُمْ إِلَّا الفَسَادَ وَالشَّرَّ. فَهَذَا شَأْنُ المُنَافِقِ: قَدْ تَرَاهُ يَتَكَلَّمُ بِاللِّسَانِ الحَسَنِ، وَتَرَى فِي كَلَامِهِ نَشَاطًا وَحِمَاسًا، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَزِيدُ الجَمَاعَةَ الَّتِي هُوَ فِيهَا إِلَّا وَهْنًا وَخَبَالًا، حَتَّى يَقُولَ أَحَدُهُمْ: “يَالَيْتَهُ لَمْ يَقِفْ مَعَنَا!”
﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾
أَيْ لَسَعَوْا بَيْنَكُمْ بِالتَّضْرِيبِ وَالنَّمَائِمِ وَإِفْسَادِ ذَاتِ البَيْنِ؛ فَهَؤُلَاءِ عَادَتُهُمْ إِشْعَالُ نَارِ الفِتْنَةِ، يَتَتَبَّعُونَ عَوْرَاتِ المُسْلِمِينَ لِيَبُثُّوهَا وَيُشِيعُوهَا، ثُمَّ تَرْتَدُّ الفِتْنَةُ عَلَيْهِمْ فَيَقَعُونَ فِيمَا أَشْعَلُوهُ.
﴿يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ﴾
أَيْ يَطْلُبُونَ إِيقَاعَ الخِلافِ فِيكُمْ، وَإِضْعَافَ هِمَمِكُمْ، وَإِفْسَادَ نِيَّاتِكُمْ فِي مَغْزَاكُمْ، حَتَّى يَضْعُفَ نَصْرُكُمْ لِلدِّينِ؛ فَضَعْفُكَ بَعْدَ سَمَاعِهِمْ عَلامَةٌ مِنْ عَلَامَاتِ النِّفَاقِ.
﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾
أَيْ فِيكُمْ مَنْ يَسْمَعُ لِهَؤُلَاءِ المُنَافِقِينَ وَالطَّاعِنِينَ فِي الدِّينِ، وَفِي عُلَمَاءِ المُسْلِمِينَ، وَفِي أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَعِبَادِهِ الصَّالِحِينَ، ثُمَّ يَنْقُلُ كَلَامَهُمْ، وَيَنْقُلُ أَخْبَارَكُمْ إِلَيْهِمْ، طَرَبًا بِأَنَّهُ اطَّلَعَ عَلَى عَوْرَةٍ أَوْ سَوْأَةٍ!
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾
أَيْ بِهَؤُلَاءِ المُنَافِقِينَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَأْضَرُّوا بِأُمَّتِهِمْ.
﴿لَقَدِ ٱبْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ(٤٨)﴾
﴿لَقَدِ ٱبْتَغَوُا الفِتْنَةَ﴾
أَيْ قَصَدُوا إِيقَاعَهَا؛ إِمَّا بِصَدِّ النَّاسِ عَنِ الدِّينِ، أَوْ بِالسَّعْيِ لِلافْتِكَاكِ بِالنَّبِيِّ ﷺ.
﴿مِنْ قَبْلُ﴾
أَيْ مِنْ قَبْلِ غَزْوَةِ تَبُوكَ؛ فَقَدْ بَدَتْ مِنْهُمْ عَلامَاتُ النِّفَاقِ: أَلَمْ يَصُدُّوا النَّاسَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ؟ أَلَمْ يَسْعَوْا لِقَتْلِ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةَ العَقَبَةِ؟ أَلَمْ يَنْسَحِبْ بَعْضُهُمْ بِطَائِفَةٍ مِنَ الجَيْشِ يَوْمَ أُحُدٍ؟ فَفِتْنَتُهُمْ قَدِيمَةٌ، وَمَسْلَكُ أَهْلِ النِّفَاقِ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَاحِدٌ، وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الوُجُوهُ.
﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ﴾
أَيْ دَبَّرُوا لَكَ الحِيَلَ وَالمَكَايِدَ، وَأَدَارُوا الآرَاءَ فِي إِبْطَالِ دَعْوَتِكَ.
﴿حَتَّى جَاءَ الحَقُّ﴾
وَهُوَ نَصْرُكَ وَتَأْيِيدُكَ بِالْوَحْيِ وَالظُّهُورِ.
﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ﴾
أَيْ عَلَا دِينُهُ وَعَمَّ شَرْعُهُ وَغَلَبَ حُكْمُهُ.
﴿وَهُمْ كَارِهُونَ﴾
عَلَى رَغْمِ أَنْفِهِمْ، فَهُمْ لَا يَرْضَوْنَ ظُهُورَ الحَقِّ، وَلَكِنَّهُمْ مُضْطَرُّونَ لِلشَّهَادَةِ بِهِ.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ٱئْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ(٤٩)﴾
﴿وَمِنْهُمْ﴾ أَيْ مِنْ هَؤُلَاءِ المُنَافِقِينَ.
﴿مَنْ يَقُولُ ٱئْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾
يَقُولُ ذَلِكَ مُتَظَاهِرًا بِالْعُذْرِ: لَا تُوقِعْنِي فِي الإِثْمِ، فَإِنِّي إِنْ تَخَلَّفْتُ بِغَيْرِ إِذْنِكَ أَثِمْتُ، فَاقْبَلْ عُذْرِي. وَقِيلَ: بَلْ قَالَ هَذَا الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ – وَهُوَ مِنَ المُنَافِقِينَ – مُعْتَذِرًا: «إِنِّي رَجُلٌ مُسْتَهْتَرٌ بِالنِّسَاءِ، فَلَا تُفْتِنِّي بِبَنَاتِ الأَصْفَرِ» أَيْ نِسَاءِ الرُّومِ، «وَلَكِنِّي أُعِينُكَ بِمَالِي»، فَطَلَبَ التَّخَلُّفَ بِحُجَّةٍ دَنِيَّةٍ تَدُلُّ عَلَى تَعَلُّقِهِ بِالشَّهَوَاتِ.
﴿أَلَا فِي الفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾
أَيْ إِنَّ الفِتْنَةَ الحَقِيقِيَّةَ هِيَ تَخَلُّفُهُمْ، فَقَدْ وَقَعُوا فِيهَا وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ يَتَجَنَّبُونَهَا.
﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾
أَيْ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلُوهَا بَعْدُ، فَقَدْ أَحَاطَتْ بِهِمْ أَسْبَابُهَا، فَالنَّارُ حُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ، وَهُمْ لَا يَتْبَعُونَ إِلَّا الشَّهْوَةَ، فَكَأَنَّهَا تُطَوِّقُهُمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ.
﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَآ أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ(٥٠)﴾
يقولُ تعالى مُبَيِّنًا حالَ المنافقين:
﴿إِنْ تُصِبْكَ﴾
أي في بعضِ الغزوات.
﴿حَسَنَةٌ﴾
كَظَفَرٍ أو غَنِيمَةٍ.
﴿تَسُؤْهُمْ﴾
أي يَضِيقُ صَدْرُهُم ولا يَسُرُّهم نَصْرُكَ، بل يَغْتَمُّون لِفَرَحِكَ.
﴿وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾
كشِدَّةٍ أو نَكْبَةٍ، ومثالُ ذلك ما وقع يومَ أُحُد؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ لم يُهْزَم، وإنما كُسِرَت صفوفُ مَن خالَف أمرَه من بعضِ الرماة، فأُصيب المسلمون بما أُصيبوا به، وشُجَّ وجهُ النبيِّ ﷺ وكُسِرَت رِباعِيَّتُه، فكان المنافقون يَفْرَحُون بذلك.
﴿يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَآ أَمْرَنَا﴾
أي تَدَبَّرْنا أمرَنا مُسْبَقًا بما نَتَّسِمُ به من الحَذَرِ والاحتياط.
﴿مِنْ قَبْلُ﴾
كأنهم يَرمُون غيرَهم بأنهم السَّببُ فيما وقع.
﴿وَيَتَوَلَّوْا﴾
أي يَنْصَرِفُون عن مَجْلِسِ الحديثِ بهذا إلى أهاليهم.
﴿وَهُمْ فَرِحُونَ﴾
أي مُسْتَبْشِرُون بما أصابَ المسلمين، ولكن تأمَّلوا عِظَمَ التَّسْلِيمِ في كشفِ دخائلِ النفوس.