رأى يوسف عليه السلام في المنام وهو صغير لم يحتلم ويقال كان عمره اثنتي عشرة سنة كما ورد في السورة: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوكَبا وَٱلشَّمسَ وَٱلقَمَرَ رَأَيتُهُم لِي سَاجِدِينَ﴾ أما الكواكب في التأويل إخوانه والشمس والقمر أبواه متواضعين.
عندما قصَّ سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام وهو في هذه السن الرؤيا على أبيه أشفق عليه أبوه يعقوب عليه السلام من حسد إخوانه له، وعلم يعقوب عليه السلام أنه سيكون لابنه يوسف شأنٌ عظيم وسينال رتبةً عالية ورفعةً سامية في الدنيا والآخرة لذلك أمره بكتمان ما رأى في المنام وألّا يقصها على إخوته خوفًا عليه من كيدهم وحسدهم.
فإن بقية أبناء يعقوب عليه السلام يحسدون يوسف وشقيقه بنيامين على محبة أبيهم يعقوب لهما وعلى ما لهما عند يعقوب عليه الصلاة والسلام من الخصوصية وكانوا يعتبرون أنفسهم جماعةً أقوياء كُفاة قالوا: نحن أنفع إلى أبينا ونحن أحق بمحبة أبينا، نحن عشرة رجال كُفاة، قالوا: فنحن أحق بزيادة المحبة من يوسف وبنيامين لفضلنا بالكثرة والمنفعة عليهما و كان من إخوة يوسف والعياذ بالله بأنهم وصفوا أباهم نبيّ الله يعقوب عليه الصلاة والسلام بأنه في ضلال مبين وهو نبيّ رسول وفي ذلك الوقت لم يكن أحد أكرمَ على الله ولا أفضل على وجه هذه الأرض من سيدنا يعقوب عليه السلام وهذا فيه تحقير والعياذ بالله وشتم لنبيّ الله يعقوب عليه السلام ومعلوم أن شتم الأنبياء وتحقيرهم كفرٌ والعياذ بالله لكنهم بعد ذلك تابوا ورجعوا إلى الإسلام.
﴿ٱقتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطرَحُوهُ أَرضا يَخلُ لَكُم وَجهُ أَبِيكُم وَتَكُونُواْ مِن بَعدِهِۦ قَوما صَالِحِين﴿٩﴾﴾
يسبّون يعقوب عليه السلام ويكيدون ليوسف عليه السلام ثم يختلفون ماذا نفعل بيوسف، قال شمعون اقتلوه والباقون كانوا راضين فجُعلوا آمِرين لذلك قال اقتلو، كان كره إخوة يوسف ليوسف عليه السلام قد ازداد وحسدهم ليوسف عليه السلام كان كبيرًا وازداد لمّا علموا بأمر رؤياه ولذلك تآمروا فيما بينهم على أن يفرقوا بينه وبين أبيه وتشاوروا فيما بينهم على قتل يوسف ،فبعضهم قال: اقتلوه وبعضهم قال: اطرحوه في أرض بعيدة منكورة مجهولة بعيدة عن العُمران لا يرجع منها.
ليخلو لهم وجه أبيهم أي لِتتمحّض محبته لهم عن شغله بيوسف حتى تصير محبته بزعمهم خالصة لهم، فأجمع إخوة يوسف وهم من سوى بنيامين على الكيد ليوسف الصديق عليه الصلاة والسلام وقال قائل منهم: لا تقتلوا يوسف، لا، لا يصل الأمر إلى القتل. لكن هو هذا كان مشاركًا لهم، اقترح عليهم و قال: بدلًا من القتل ألْقُوهُ فِي قَعَرِ الْبِئْر،ِ بئر يغيب عن النظر وهذا الذي اقترح هذا كان على أمل أنه إن حصل ذلك لا يموت.
و بعد أن أجمعوا أمرهم بعد ذلك ذهبوا إلى سيدنا يعقوب عليه السلام وطلبوا من سيدنا يعقوب أن يرسل يوسف معهم إلى البرية يرتع ويلعب بما يباح من أمر الصيد والرمي والركض وتعهدوا أن يحفظوا يوسف ، بدعوى أن يلعب معهم ويأكل.
وهم أرادوا بذلك استنزال نبي الله يعقوب عليه الصلاة والسلام عن رأيه وعادته في حفظ يوسف منهم، سيدنا يعقوب كان قد أحس أن إخوته يكيدون له قالوا فهذا فيه دليل على أن يعقوب عليه السلام أحس منهم المكر، لكن جاءوا يزينون هذا الأمر وسيدنا يعقوب يعلم أنهم يريدون السوء.
وكان سيدنا يعقوب يشق عليه أن يغيب يوسف عنه، فقد كان قلبه معلق به جدًا ويوسف كان الأصغر بين إخوانه فأخبرهم بأنهم يصعب عليه غياب يوسف عن عينه، ومن ناحية ثانية أنهم قد يكونون في انشغال غافلون عنه فيأتي الذِّئب ويأكله فكان ذلك شديدًا عليه وكأنه قال لهم أخاف من عدوة الذئب على ولدي وسيدنا يعقوب عليه السلام حين قال ما قال كان يخطر له ما يضمره بنوه لأخيهم يوسف ويخشى عليه منهم فأراد بهذا الذي ذكره أن يثنيهم عن هذا الأمر وهو كان يتخوف كثيرا من عداوتهم ليوسف عليه السلام ولكن هؤلاء كانوا بارعين في الدهاء فبماذا أجابوا؟
كأنهم قالوا والله لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون كان عندهم دهاء كبير قالوا نحن فرقة مجتمعة مقتدرة لو جاء ذئب ندفع هذا الذئب فإذا لم نستطع أن ندفع الذئب عن أخينا ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون هلكت مواشينا وخسرناها.
خرجوا بيوسف ويقال لما خرجوا كانوا يظهرون لأبيهم أن هذا يحمله وذاك يحمله أي أنهم يعتنون بيوسف عناية كبيرة ويعقوب عليه السلام ينظر إلى ولده.
وما إن غابوا على عينيه حتى بدأوا بضرب يوسف عليه السلام وأظهروا له العداوة وكادوا يقتلونه قبل أن يصلوا إلى البئر من شدة حقدهم وحسدهم على سيدنا يوسف عليه السلام وبعد أن أخذوا يوسف عليه السلام أجمعوا أمرهم على إلقاءه في البئر فتعلق بثيابهم و كان طفلا صغيرا فنزعوها من يده فتعلّق عليه الصلاة والسلام بحائط البئر فربطوا يديه ونزعوا قميصه، ليحيكوا أمر عذرهم بتلطيخه بالدم فيحتالوا على أبيهم.
وهم ينزعون قميص يوسف عليه السلام ناداهم يوسف و قال: يا إخوتاه لم نزعتم قميصي؟ ردوه علي أستر به عورتي، ويكون كفنا لي عند مماتي.
فقالوا: ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكبا تؤنسك، أليس رأيت تلك الرؤيا؟ أدلوا سيدنا يوسف عليه السلام في البئر حتى إذا بلغ نصف البئر ألقوه إرادة أن يموت فسقط سيدنا يوسف عليه السلام في البئر لكن بتقدير الله تعالى كان في البئر ماء فسقط سيدنا يوسف عليه السلام فيه وهناك بعد أن سقط سيدنا يوسف عليه السلام في البئر أوى إلى صخرة في البئر، فقام عليها وجعل يبكي عليه الصلاة والسلام فعندما صار يبكي سمعوا صوته فنادوه فظن أنها رحمة أدركتهم قال: لعل الرحمة تحركت في قلوبهم، سمعوا بكائي فأجابهم، فأرادوا أن يرجموه بالحجارة ليقتلوه فمنعهم أخوه يهوذا و قال: أنتم أعطيتم العهد ألا تقتلوه.
حسد الإخوة وحقدهم وظلمهم وأذاهم وضربهم وإرادة قتلهم وإلقاؤه في البئر وظلمة البئر ووحشته ووحدته، ويوسف عليه السلام في سن صغير في كل هذا الحال مع اجتماع هذه الأنواع الكثيرة من الضيق والشدة تأتي تباشير الفرج، جاءت البشارة ليوسف عليه السلام إلهام جعله الله تعالى في قلبه لذلك فيما يأتي بعد ذلك في سورة يوسف صار وزير مصر، وخزائن تلك الأرض تحته وإخوته جاؤوا إليه وحصل ما حصل وقالوا تصدق علينا – لكن ليس الذي لبس الثوب وقد خاطه كمن رقعه ثم خاطه فسيدنا يوسف عليه السلام في هذه الشدة فعندما يجد الواحد منا نفسه في وقت من الأوقات وقد اشتد الضيق به فليذكر هذا الذي مع سيدنا يوسف عليه السلام لكن عليك أن تتأسى بسيدنا يوسف وبسيدنا يعقوب بالصبر.