﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (66) الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (67) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمْ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (68) كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ (69) أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (70) وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (72) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (73)﴾
﴿وَلَئِن سَألتَهُم لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلعَبُ قُل أَبِاللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُم تَستَهزِءُونَ(65)﴾
بَيْنَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسِيرُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَإِذَا بِرَهْطٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ يَسِيرُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَجَعَلُوا يَتَنَاجَوْنَ فِيْمَا بَيْنَهُمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «اُنْظُرُوا إِلَى هٰذَا الرَّجُلِ، يَزْعُمُ أَنَّهُ سَيَفْتَحُ قُصُورَ الشَّامِ وَحُصُونَهَا!»، وَمَا كَانُوا إِلَّا فِئَةً مِنَ الْمُنَافِقِينَ الْمُنْدَسِّينَ فِي صُفُوفِ الْجَيْشِ؛ لَا يَزِيدُونَ مَنْ حَوْلَهُمْ إِلَّا خَبَالًا، وَلَا يَبُثُّونَ إِلَّا الشَّكَّ وَالتَّثْبِيطَ.**
وَكَانُوا يَخُوضُونَ فِي شَأْنِ النَّبِيِّ ﷺ طَعْنًا وَازْدِرَاءً، يَقُولُونَ: «إِنَّ هٰذَا يَسِيرُ بِهٰذَا الْجَيْشِ لِيُقَاتِلَ هِرَقْلَ وَجُنُودَ الرُّومِ، وَيَفْتَحَ بِلَادَ الشَّامِ! هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ!».**
فَأَطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ عَلَى مَا تَنَاجَوْا بِهِ بِالْوَحْيِ، فَقَالَ ﷺ: «احْبِسُوا عَلَيَّ الرَّكْبَ»، فَوَقَفُوا حَتَّى أَتَوْهُ، فَقَالَ لَهُمْ: «قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا»، يُخْبِرُهُمْ بِمَا تَكَلَّمُوا بِهِ وَحْيًا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا كُنَّا فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِكَ، وَلَا مِنْ أَمْرِ أَصْحَابِكَ، وَلٰكِنَّا كُنَّا نَخُوضُ فِيمَا يَخُوضُ فِيهِ الرَّكْبُ لِنُقَلِّلَ عَلَى أَنْفُسِنَا مَشَقَّةَ السَّفَرِ، وَنُقَصِّرَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ الطَّرِيقَ، وَلَمْ يَكُنْ قَصْدُنَا الطَّعْنَ فِيكَ، وَلَا فِي أَصْحَابِكَ.
﴿وَلَئِن سَألتَهُم﴾:
أي لو سألتَهم، يا محمد ﷺ، عن سبب قولهم وتصرفهم في الغزوة، فستجد جوابهم.
﴿لَيَقُولُنَّ﴾:
أي بلا شك سيقولون، لأنهم مُثبتون في الكذب والتغطية على النفاق.
﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلعَبُ﴾:
أي يبررون أقوالهم بأنها مجرد مزاح أو تسلية في الطريق أثناء السفر، ليُخفّفوا من وقع الإيذاء بالكلام، ويظهرون الأمر على أنه نشاط اجتماعي غير جاد، وليس قصدًا للطعن بالنبي ﷺ.
فأنزل الله على نبيه ﷺ هذا الوحي ليكشف ما في قلوبهم من الكفر والنفاق والخداع.
﴿قُل﴾:
أي أمر الله النبي ﷺ بالرد عليهم، لا يقبل اعتذارهم ولا يغفل عن حقيقتهم.
﴿أَبِاللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُم تَستَهزِءُونَ﴾:
أي أن الله يثبت أنهم قد استهزأوا بالله وآياته ورسوله، مهما حاولوا التظاهر بالبراءة أو التسلية، إثباتًا لهم بالمساءلة واللوم.
السبب في توبيخهم: محاولة صرف الكلام عن الاستهزاء الحقيقي إلى مجرد مزاح، لكن الله عز وجل يبين أن ما استُهزئ به هو الله وآياته ورسوله ﷺ، وهو أمر غير جائز إطلاقًا.
لَمْ يُلْقِ النَّبِيُّ ﷺ لِاعْتِذَارِهِمْ بَالًا؛ لِعِلْمِهِ بِكَذِبِهِمْ فِيهِ، فَجُعِلُوا بِحُكْمِ الشَّرْعِ كَأَنَّهُمْ مُقِرُّونَ بِالِاسْتِهْزَاءِ، وَلَمْ يُعْتَدَّ بِقَوْلِهِمْ: إِنَّمَا كُنَّا نَتَسَلَّى فِي الطَّرِيقِ، فَكَانَ ذٰلِكَ مِنْهُمْ بِمَنْزِلَةِ الِاعْتِرَافِ الصَّرِيحِ بِمَا صَدَرَ مِنْهُمْ مِنَ السُّخْرِيَةِ وَالِاسْتِخْفَافِ.
وَلَمَّا حَاوَلُوا صَرْفَ الأَمْرِ إِلَى غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَتَعَلَّلُوا بِأَنَّهُمْ يَخُوضُونَ بِمَا يَخُوضُ فِيهِ الْمُسَافِرُونَ لِتَقْصِيرِ الطَّرِيقِ، كَانَ ذٰلِكَ دَلِيلًا عَلَى نِفَاقِهِمْ وَعِلْمِهِمْ بِكَذِبِهِمْ، إِذْ أَرَادُوا أَنْ يُمِيلُوا مَعْنَى الْكَلَامِ عَنْ حَقِيقَتِهِ إِلَى مَعْنًى آخَرَ.
فَجَاءَهُمُ التَّوْبِيخُ قَاطِعًا لِعُذْرِهِمْ، كَاشِفًا لِحَقِيقَةِ أَمْرِهِمْ، فَقِيلَ لَهُمْ عَلَى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ وَالتَّعْيِيرِ: «أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ؟!»، فَدَلَّ هٰذَا الِاسْتِفْهَامُ عَلَى أَنَّهُمْ قَدْ ثَبَتَ مِنْهُمُ الِاسْتِهْزَاءُ حَقِيقَةً، لِأَنَّ مَوْضِعَ الِاسْتِهْزَاءِ: أَنَّهُمْ جَعَلُوا مَحَلَّ السُّخْرِيَةِ هُوَ اللَّهَ وَآيَاتِهِ وَرَسُولَهُ ﷺ، وَهُوَ أَمْرٌ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ، إِلَّا أَنَّ هٰذَا النَّهْيَ وَالتَّقْرِيعَ إِنَّمَا يَصِحُّ بَعْدَ ثُبُوتِ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ذٰلِكَ وَوَقَعَ مِنْهُمُ الِاسْتِهْزَاءُ فِعْلًا
﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ۚ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفًا بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ(65)﴾
﴿لَا تَعْتَذِرُوا﴾:
أي لا يُغني عنكم التذرع بالاعتذارات الكاذبة، فهي لا تنفع بعد أن انكشف نفاقكم وظهر كفركم.
﴿قَدْ كَفَرْتُم﴾:
أي قد أظهرتم الكفر بالفعل أو القول، سواء بالاستهزاء بالله، أو برسوله ﷺ، أو بآياته.
﴿بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾:
أي بعد أن أظهرتم الإيمان للناس، فكانت معاملاتكم مبنية على أساس الإيمان، ولكن لما ظهر الكفر صارت معاملتكم على ما أظهرتم من كفر.
﴿إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفًا بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾:
أَيْ: إِنْ يَشَإِ اللَّهُ الْعَفْوَ عَنْ فَرِيقٍ مِنْكُمْ، فَذٰلِكَ بِسَبَبِ تَوْبَتِهِمْ الصَّادِقَةِ، وَإِخْلَاصِهِمُ الْإِيمَانَ بَعْدَ النِّفَاقِ، فَمَنْ تَبَرَّأَ مِنَ النِّفَاقِ وَرَجَعَ عَنْهُ، وَدَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ دُخُولًا حَقًّا بِالشَّهَادَتَيْنِ، عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَقَبِلَ تَوْبَتَهُ.
﴿نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾
أَيْ: نُنَزِّلُ الْعَذَابَ عَلَى فَرِيقٍ آخَرَ؛ لِثُبُوتِ الْإِجْرَامِ مِنْهُمْ، وَإِصْرَارِهِمْ عَلَى النِّفَاقِ، وَدَوَامِهِمْ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ وَلَا إِنَابَةٍ.
الشرح والتفصيل:
وَقَدِ اسْتُدِلَّ بِهٰذِهِ الآيَاتِ عَلَى أَنَّ مَنْ كَفَرَ بِاللّٰهِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِهْزَاءِ أَوِ الْهَزْلِ أَوِ الْمِزَاحِ، أَوْ سَبَّ اللَّهَ – وَالْعِيَاذُ بِاللّٰهِ – أَوْ سَبَّ آيَاتِ اللَّهِ – وَالْعِيَاذُ بِاللّٰهِ – أَوْ سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ –وَالْعِيَاذُ بِاللّٰهِ – أَوْ سَبَّ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ، أَوْ سَبَّ الْإِسْلَامَ، أَوْ سَبَّ الْمَلَائِكَةَ، فَإِنَّهُ يَكْفُرُ بِذٰلِكَ وَيَخْرُجُ مِنَ الْإِسْلَامِ، وَلَوْ كَانَ فِي ذٰلِكَ هَازِلًا أَوْ مُتَمَازِحًا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾، فَلَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ عُذْرَهُمْ، بَلْ جَاءَ الرَّدُّ الْقَاطِعُ: ﴿قُلْ أَبِاللّٰهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، فَدَلَّ ذٰلِكَ عَلَى أَنَّ الِاعْتِذَارَ بِالْمِزَاحِ أَوِ اللَّعِبِ غَيْرُ مَقْبُولٍ شَرْعًا.
وَقَدْ قَرَّرَ الإِمَامُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ رَحِمَهُ اللّٰهُ أَنَّ: «مَنْ هَزَلَ بِلَفْظِ الْكُفْرِ فَقَدْ كَفَرَ»، فَلَوْ زَعَمَ أَنَّهُ إِنَّمَا قَصَدَ الْإِضْحَاكَ أَوِ التَّسْلِيَةَ، لَمْ يَنْفَعْهُ ذٰلِكَ، بَلْ يَكُونُ حُكْمُهُ الْكُفْرَ لِصَرِيحِ لَفْظِهِ، لَا لِمَا يَدَّعِيهِ فِي نِيَّتِهِ.
وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الْيَوْمَ تَجْرِي عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ كَلِمَاتٌ يَزْعُمُونَ أَنَّهَا عَلَى سَبِيلِ الْمُزَاحِ وَالتَّخْفِيفِ عَنِ الْآخَرِينَ، وَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ يَقَعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمْ: إِنَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أُضْحِكَ النَّاسَ، أَوْ أُفَرِّحَ قُلُوبَهُمْ، فَيُقَالُ لَهُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ هٰذِهِ الآيَاتِ نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ، قِيلَ: نَعَمْ، وَلٰكِنَّ الْعِبْرَة بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وَذٰلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُعَامَلُونَ مُعَامَلَةَ الْمُؤْمِنِينَ لِظَاهِرِ أَمْرِهِمْ، فَلَمَّا أَظْهَرُوا الْكُفْرَ، جَرَى عَلَيْهِمْ حُكْمُ الْكَافِرِينَ، فَدَلَّ ذٰلِكَ عَلَى أَنَّ الْمَدَارَ فِي الْحُكْمِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى مَا يَظْهَرُ مِنَ الْأَقْوَالِ لَا عَلَى مَا يُدَّعَى فِي النِّيَّاتِ.
وَيَشْهَدُ لِهٰذَا مَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ، لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا، يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا»، وَفِي رِوَايَةٍ: «مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا، يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ».
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللّٰهُ: مَعْنَى «لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا» أَيْ: لَا يَرَاهَا ضَارَّةً، وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهَا تُخْرِجُهُ مِنَ الْإِسْلَامِ. وَنَقَلَ عَنِ الْإِمَامِ الطَّبَرِيِّ فِي شَأْنِ الْخَوَارِجِ أَنَّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَخْرُجُ مِنَ الْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْصِدَ الْخُرُوجَ مِنْهُ، وَلَا أَنْ يَتَّخِذَ دِينًا سِوَى الْإِسْلَامِ.
وَعَلَى هٰذَا؛ فَلَا يَكُونُ الْغَضَبُ عُذْرًا، وَلَا الْهَزْلُ وَالْمِزَاحُ عُذْرًا، وَلَا الْجَهْلُ عُذْرًا فِي مِثْلِ هٰذِهِ الْمَقَامَاتِ، لِعِظَمِ جَرِيمَتِهَا، وَخُطُورَةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِاللَّهِ تَعَالَى وَدِينِهِ وَرُسُلِهِ.
يُسْتَثْنَى مِنْ حُكْمِ الْكُفْرِ الْقَوْلِيِّ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ اللَّهُ الَّتِي دَلَّ عَلَيْهَا الدَّلِيلُ، وَهِيَ صُوَرٌ مُحَدَّدَةٌ لَا يُتَجَاوَزُ فِيهَا النَّصُّ:
الْأُولَى: سَبْقُ اللِّسَانِ، وَهُوَ أَنْ يَقْصِدَ الْمُتَكَلِّمُ لَفْظًا مُعَيَّنًا، فَيَجْرِيَ عَلَى لِسَانِهِ لَفْظٌ آخَرُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، كَمَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: «يَا زَيْدُ»، فَسَبَقَ لِسَانُهُ فَقَالَ: «يَا عُمَرُ»، فَهٰذَا لَا يُحْمَلُ عَلَى الْقَصْدِ، وَلَا يُحْكَمُ بِهِ بِالْكُفْرِ.
الثَّانِيَةُ: زَوَالُ الْعَقْلِ، بِالْجُنُونِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ، فَإِذَا جَرَى عَلَى لِسَانِ الْمَجْنُونِ أَوِ الْمُغْمَىٰ عَلَيْهِ لَفْظُ الْكُفْرِ، لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ بِذٰلِكَ؛ لِزَوَالِ التَّكْلِيفِ عَنْهُ.
الثَّالِثَةُ: الْحِكَايَةُ عَنِ الْغَيْرِ، مَعَ وُجُودِ أَدَاةِ الْحِكَايَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾، فَهٰذَا لَيْسَ مِنْ بَابِ الْقَوْلِ بَلْ مِنْ بَابِ نَقْلِ الْقَوْلِ.
الرَّابِعَةُ: الْإِكْرَاهُ الْمُعْتَبَرُ شَرْعًا، وَهُوَ أَنْ يُهَدَّدَ الشَّخْصُ فِي نَفْسِهِ بِالْقَتْلِ أَوْ بِمَا يُفْضِي إِلَى الْهَلَاكِ، مِنْ قِبَلِ قَادِرٍ عَلَى تَنْفِيذِ مَا هَدَّدَ بِهِ، مَعَ غَلَبَةِ الظَّنِّ عِنْدَ الْمُكْرَهِ أَنَّ التَّهْدِيدَ سَيُنفَّذُ، وَلَا مَهْرَبَ لَهُ مِنْهُ. فَفِي هٰذِهِ الْحَالَةِ إِذَا جَرَى لَفْظُ الْكُفْرِ عَلَى لِسَانِهِ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ، دَخَلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾.
وَيَجِيءُ الِاسْتِدْرَاكُ بَعْدَ هٰذَا الِاسْتِثْنَاءِ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَٰكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾، فَدَلَّ ذٰلِكَ عَلَى أَنَّهُ إِنْ انْشَرَحَ صَدْرُهُ لِلْكُفْرِ، فَلَيْسَ بِمُسْتَثْنًى، بَلْ يَخْرُجُ عَنِ الْإِيمَانِ.
فَالْمُكْرَهُ حَالُهُ عَلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ كَارِهًا لِلْكُفْرِ مُطْمَئِنَّ الْقَلْبِ بِالإِيمَانِ فَلَا يَكْفُرُ، وَإِمَّا أَنْ يَنْشَرِحَ صَدْرُهُ لِلْكُفْرِ فَيَكْفُرُ.
وَمِنْ خَطَرِ التَّلَاعُبِ بِالنُّصُوصِ أَنْ يُؤْخَذَ بَعْضُ الْآيَةِ وَيُتْرَكَ سِيَاقُهَا، كَمَا فَعَلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، فَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: «وَلَٰكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا» مُجَرَّدًا عَنْ سِيَاقِ الِاسْتِثْنَاءِ، لِيُوهِمَ أَنَّ النُّطْقَ بِالْكُفْرِ لَا يُخْرِجُ مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَّا مَعَ شَرْحِ الصَّدْرِ، وَهٰذَا تَحْرِيفٌ لِمَعَانِي الْكَلَامِ عَنْ مَوَاضِعِهِ.
وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْمَالِكِيَّةِ، وَالْحَنَفِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، عَلَى أَنَّ الْكُفْرَ يَقَعُ بِالنِّيَّةِ، أَوْ بِالْقَوْلِ، أَوْ بِالْفِعْلِ، وَلَا يُشْتَرَطُ اجْتِمَاعُهَا.
وَقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي «مِنْهَاجِ الطَّالِبِينَ»: «الرِّدَّةُ: قَطْعُ الْإِسْلَامِ بِنِيَّةٍ أَوْ قَوْلِ كُفْرٍ أَوْ فِعْلٍ، سَوَاءً قَالَهُ عِنَادًا أَوِ اعْتِقَادًا أَوِ اسْتِهْزَاءً».
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الْمَالِكِيُّ فِي «الشِّفَا بِتَعْرِيفِ حُقُوقِ الْمُصْطَفَى»: «لَا خِلَافَ أَنَّ سَابَّ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَافِرٌ».
وَعَلَى هٰذَا؛ فَإِنَّ النُّطْقَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ – وَلَوْ عَلَى سَبِيلِ الْمِزَاحِ – لَا يُقْبَلُ فِيهِ اعْتِذَارٌ، وَلَا يُنْفَعُ فِيهِ ادِّعَاءُ حُسْنِ الْقَصْدِ، بَلِ الْعِبْرَةُ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ، إِلَّا فِيمَا اسْتَثْنَاهُ الشَّرْعُ بِنَصٍّ صَرِيحٍ.
﴿ٱلمُنَٰفِقُونَ وَٱلمُنَٰفِقَٰتُ بَعضُهُم مِّن بَعض يَأمُرُونَ بِالمُنكَرِ وَيَنهَونَ عَنِ ٱلمَعرُوفِ وَيَقبِضُونَ أَيدِيَهُم نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُم إِنَّ ٱلمُنَٰفِقِينَ هُمُ ٱلفَٰسِقُونَ(67)﴾
﴿ٱلمُنَٰفِقُونَ وَٱلمُنَٰفِقَٰتُ﴾
هُمُ الرِّجَالُ الَّذِينَ أَظْهَرُوا الإِسْلَامَ وَأَبْطَنُوا الكُفْرَ؛ وَقَدْ عُرِفَ عَدَدٌ مِنْهُمْ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَإِنَّ الْمُتَخَلِّفِينَ الَّذِينَ تَعَلَّلُوا بِالأَعْذَارِ الكَاذِبَةِ بَلَغُوا تِسْعَةً وَثَلَاثِينَ رَجُلًا، وَأَمَّا الْمُنَافِقُونَ فِي المَدِينَةِ، فَقَدْ قُدِّرَ عَدَدُهُم بِثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ فَتَّانٍ، وَعَدَدُ النِّسَاءِ الْمُنَافِقَاتِ مِائَةً وَسَبْعِينَ، فَيَكُونُ الْمَجْمُوعُ أَرْبَعَمِائَةٍ وَسَبْعِينَ رَجُلًا وَامْرَأَةً.
﴿بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ﴾
أَيْ هُمْ مُتَشَابِهُونَ فِي الطَّبَائِعِ، مُتَلَازِمُونَ فِي الطُّرُقِ، كَأَنَّهُمْ نَفْسٌ وَاحِدَةٌ، وَفِي ذلِكَ نَفْيٌ لِانْتِسَابِهِمْ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَتَكْذِيبٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ﴾، وَتَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا هُمْ مِّنكُمْ﴾، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ مَا يَدُلُّ عَلَى مُضَادَّةِ أَحْوَالِهِمْ لِأَحْوَالِ الْمُؤْمِنِينَ.
﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ﴾
أَيْ يَدْعُونَ إِلَى الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي، وَيُشَجِّعُونَ عَلَيْهَا.
﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾
أَيْ يَصُدُّونَ عَنِ الطَّاعَاتِ وَالإِيمَانِ.
﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾
أَيْ يَمْنَعُونَ الإِنْفَاقَ، وَيَبْخَلُونَ بِالْمَعُونَةِ وَالصَّدَقَاتِ، وَيَتَعَلَّقُونَ بِالدُّنْيَا تَعَلُّقًا مُهْلِكًا.
﴿نَسُوا اللَّهَ﴾
أَيْ تَرَكُوا طَاعَتَهُ، وَأَغْفَلُوا ذِكْرَهُ.
﴿فَنَسِيَهُمْ﴾
أَيْ تَرَكَهُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَتَوْفِيقِهِ.
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾
أَيْ هُمُ الْمُتَمَرِّدُونَ فِي أَعْلَى دَرَجَاتِ الْفِسْقِ، وَهُوَ الْخُرُوجُ عَنِ الطَّاعَةِ بِالْكُفْرِ، وَالِانْسِلَاخُ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ، وَفِي هٰذَا مِنَ التَّغْلِيظِ وَالزَّجْرِ مَا يَكْفِي الْمُسْلِمَ رَادِعًا عَنْ مُشَابَهَةِ أَحْوَالِهِمْ.
وصفهم بالفسق هو تحذير للمسلمين من الاقتداء بهم، ويُظهر شدة ذمّهم في القرآن الكريم.
﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلمُنَٰفِقِينَ وَٱلمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُم وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُ وَلَهُم عَذَابٌ مُّقِيمٌ(68)﴾
﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلمُنَٰفِقِينَ وَٱلمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَا﴾
أي إن الله قد قدّر الخلود للكفار والمنافقين فيها، أي أنهم سيخلدون في نار جهنم جزاءً لهم على كفرهم ونفاقهم.
﴿هِيَ﴾
أي النار.
﴿حَسْبُهُم﴾
أي يكفيهم من العذاب ما يُقدّر لهم، وفيه دلالة على عظمة شدة العقوبة.
﴿وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُ﴾
أي أهانهم مع التعذيب وجعلهم مذمومين، مُلحَقين بالشياطين الملاعين.
﴿وَلَهُم عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾
أي دائم ومستمر معهم، في العاجل والآجل، وهم يلاقون مشقة النفاق والحرج والخوف من الفضيحة عند كشف سرائرهم.
﴿كالَّذِينَ مِن قَبلِكُم كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُم قُوَّةً وَأَكثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فاستَمتَعُواْ بِخَلَاقِهِم كَمَا ٱستَمتَعَ ٱلَّذِينَ مِن قَبلِكُم بِخَلَاقِهِم وَخُضْتُم كَالَّذِينَ خَاضُواْ أُوْلَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلْآخِرَةِ وَأُوْلَٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ(69)﴾
﴿كالَّذِينَ مِن قَبلِكُم كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُم قُوَّةً وَأَكثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا﴾
أي أنتم مثل الذين من قبلكم، الذين كانوا أقوى وأكثر مالًا وأولادًا.
﴿فاستَمتَعُواْ بِخَلَاقِهِم﴾
أي استمتعوا بما قُدِّر لهم من نعم الدنيا، وشهواتهم الفانية، دون النظر إلى العاقبة. والخلاق النصيب مشتق من الخلق وهو التقدير أي ما خلق للإنسان بمعنى قدر من خير
﴿كَمَا ٱستَمتَعَ ٱلَّذِينَ مِن قَبلِكُم بِخَلَاقِهِم﴾
أي حالكم كحال السابقين، الذين انشغلوا باللذة الفانية دون النظر إلى النجاة والفلاح في الآخرة.
﴿وَخُضْتُم كَالَّذِينَ خَاضُواْ﴾
أي خضتم في الباطل كما خاض الذين من قبلكم، أي كالخوض في المعاصي واللهو والانغماس في شهوات الدنيا.
﴿أُوْلَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلْآخِرَةِ﴾
أي ذهبت ثمار أعمالهم في الدنيا والآخرة، ولم ينفعهم ما اكتسبوه من مال أو جاه أو سلطة.
﴿وَأُوْلَٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾
أي هؤلاء الذين سبقوكم في الضلال والخطأ هم الخاسرون الحقيقيون، وذكرهم يكون عبرة للمسلمين.
﴿أَلَم يَأتِهِم نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبلِهِم قَومِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَومِ إِبرَٰهِيمَ وَأَصحَٰبِ مَديَنَ وَٱلمُؤتَفَكَٰتِ أَتَتهُم رُسُلُهُم بِالبَيِّنَٰتِ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظلِمَهُم وَلَٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُم يَظلِمُونَ(70)﴾
﴿وَأَصحَٰبِ مَديَنَ﴾
أي أهل مدين، وهم قوم شعيب عليه السلام، الذين جاءهم النبي شعيب بالدعوة إلى الله فرفضوا الاستجابة وكذبوه.
﴿وَٱلمُؤتَفَكَٰتِ﴾
أي مدائن قوم لوط، وائتفاكُهُنَّ الذين تحوّلت أحوالهم من الخير إلى الشر
﴿وَلَٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُم﴾
أي ظلموا أنفسهم بكفرهم وطغيانهم، وكذبهم للرسل.
﴿يَظلِمُونَ﴾
أي كانوا يظلمون أنفسهم بالمعصية ورفض الحق، وليس الله هو الظالم، بل هم أذنبوا بالاختيار والتمرد على أمر الله.
﴿وَٱلمُؤمِنُونَ وَٱلمُؤمِنَٰتُ بَعضُهُم أَوْلِيَاءُ بَعضٍ يَأمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنهَوْنَ عَنِ ٱلمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ أُوْلَٰٓئِكَ سَيَرحَمُهُمُ ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(71)﴾
﴿بَعضُهُم أَوْلِيَاءُ بَعضٍ﴾
أي متراحمون ومتواصون بالحق كما في التناصح والتراحم بين المؤمنين، كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر.
﴿يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ﴾
أي محافظون عليها، وهو دليل على اتصافهم بالرحمة والصدق في العبادة.
﴿يَأمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنهَوْنَ عَنِ ٱلمُنكَرِ وَيُؤتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ﴾
أي أنهم يتصفون بصفات المؤمن الحق: الأمر بالخير والنهي عن الشر، أداء الصلوات، إخراج الزكاة، والطاعة لله ولرسوله ﷺ.
وجود السين في ﴿سَيَرحَمُهُمُ ٱللَّهُ﴾ يؤكد حتمية الرحمة من الله لهم
﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ﴾
أي غالب وقادر على كل شيء، فهو القادر على الثواب والعقاب.
﴿حَكِيمٌ﴾
أي وضع كلَّ شيء موضعه الصحيح، فلا ظلم ولا زيادة ولا نقصان في حكمه.
﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلمُؤمِنِينَ وَٱلمُؤمِنَٰتِ جَنَّٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةٍ فِي جَنَّٰتِ عَدْنٍ وَرِضْوَٰنٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ(72)﴾
﴿وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةٍ﴾
أي مساكن الجنة التي يطيب فيها العيش، وفيها قصور مرصعة باللؤلؤ والياقوت والزبرجد كما ذُكر عن حسن في وصف الجنة.
﴿جَنَّٰتِ عَدْنٍ وَرِضْوَٰنٌ مِّنَ ٱللَّهِ﴾
أي الجنات الدائمة التي وعد الله بها عباده المؤمنين، مع رضوانه الذي هو أعظم نعمة، لأنه سبب كل سعادة وفلاح.
﴿ذَٰلِكَ هُوَ ٱلفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾
أي هذا هو الفوز الحقيقي العظيم، الذي لا يوازيه ما يعدّه الناس فوزًا دنيويًا.
مثال على ذلك: ما كان من قول بعض الصحابة إذا أصيب في المعركة: «فزت ورب الكعبة»، أي حقق الفوز الحقيقي والفوز العظيم بحفظ دينه ونصر الحق.
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلكُفَّارَ وَٱلمُنَافِقِينَ وَٱغلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأوَاهُمُ جَهَنَّمُ وَبِئسَ ٱلمَصِيرُ(73)﴾
﴿جَاهِدِ ٱلكُفَّارَ﴾
أي جاهدهم بالسيف، وهو جهاد السنان في سبيل الله.
﴿وَٱلمُنَافِقِينَ﴾
أي جاهد المنافقين بالحجة والبيان، وهو جهاد القول والبيان في كشف الحقائق لهم وللناس.
فالآية تجمع بين جهاد السنان وجهاد البيان: القتال للمكلفين الظاهرين في الكفر، والبيان والحجة للمنافقين.
﴿وَٱغلُظْ عَلَيْهِمْ﴾
أي كن شديدًا معهم، فلا تُحابِهم ولا تُلين في الحق. الإمام النسفي يقول: (كل من وقف منه على فساد في العقيدة فهذا الحكم ثابت فيه يجاهَد بالحجة وتستَعمَلُ معه الغلظة ما أمكن منها).
أما المداراة بِمَعْنَى الدَّعْوَةِ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ؛ فَإِنَّ هٰذَا مَسْلَكَ أَهْلِ اللَّهِ، وَطَرِيقَةُ الرَّاسِخِينَ فِي الدِّينِ، وَلَكِنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَنْعُ الْمُدَاهَنَةِ مَعَ الْمُعَانِدِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ الْحَقَّ.
وَقَدْ جَاءَ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ أَرَادَ أَنْ يُصَافِحَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَأَبَى أَنْ يُصَافِحَهُ، وَقَالَ: «إِنَّ الأَمْرَ لَوْ كَانَ فِي غَيْرِ الدِّينِ لَحَابَيْنَاكَ، وَأَمَّا فِي أَمْرِ الدِّينِ فَإِنِّي لَا أَضَعُ يَدِي فِي يَدِكَ، وَلَا أُصَافِحُكَ».
وَلَا تُحَابِهِمْ أي يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا مُدَاهَنَةَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَلَا مُجَامَلَةَ عَلَى حِسَابِ الْحَقِّ؛ فَنُدَارِي النَّاسَ، نَعَمْ، بِالْحِكْمَةِ، وَبِحُسْنِ التَّعَامُلِ، لِجَلْبِ الْمَصْلَحَةِ وَدَرْءِ الْمَفْسَدَةِ، وَلَا نُدَاهِنُهُمْ.
وَالْمُدَارَاةُ: مُعَامَلَةُ النَّاسِ بِاللِّينِ وَالْحِكْمَةِ.
وَأَمَّا الْمُدَاهَنَةُ: فَهِيَ الْمُوَافَقَةُ عَلَى الْبَاطِلِ، أَوِ السُّكُوتُ عَنْهُ طَمَعًا فِي صُحْبَةٍ، أَوْ مَنْصِبٍ، أَوْ جَاهٍ، أَوْ مَالٍ، أَوْ مَظَاهِرِ التَّعْظِيمِ الدُّنْيَوِيَّةِ.
وَلَيْسَ مِنْ شَأْنِ الْمُسْلِمِ الصَّالِحِ أَنْ يُدَاهِنَ أَهْلَ الضَّلَالِ طَمَعًا فِي مَكَاسِبَ زَائِلَةٍ؛ بَلْ يَثْبُتُ عَلَى الْحَقِّ، وَيَعْتَزُّ بِدِينِهِ، وَلَا يَسْتَبْدِلُ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ.
﴿وَمَأوَاهُمُ جَهَنَّمُ وَبِئسَ ٱلمَصِيرُ﴾
أي أن مصير المنافقين والكفار هو جهنم، وبئس المصير جزاء لهم على كفرهم ونفاقهم.