﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25) أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (26) فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِي الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (27) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28) وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (29) وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنصُرُنِي مِنْ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (30) وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمْ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنْ الظَّالِمِينَ (31) قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنْ الصَّادِقِينَ (32) قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (33) وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (34) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنْ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (35)﴾
﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦٓ إِنِّي لَكُمۡ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (25)﴾
يُبَيِّنُ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ذِكْرَ نَبِيِّهِ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، إِذْ إِنَّهُ أَرْسَلَهُ إِلَىٰ قَوْمِهِ بَعْدَ أَنْ ظَهَرَ الكُفْرُ فِي الأَرْضِ، فَكَانَ بَعْدَ سَيِّدِنَا آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَهُوَ نَبِيٌّ رَسُولٌ، ثُمَّ بَعْدَهُ شِيثُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، ثُمَّ إِدْرِيسُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «كُلُّهُمْ عَلَى الإِسْلَامِ»، أَيْ فِي زَمَنِ آدَمَ، وَفِي زَمَنِ شِيثَ، وَفِي زَمَنِ إِدْرِيسَ، لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ كُفْرٌ فِي الأَرْضِ.
ثُمَّ بَعْدَ وَفَاةِ نَبِيِّ اللَّهِ إِدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بزَمَانٍ ظَهَرَ الشِّرْكُ فِي الأَرْضِ، وَعُبِدَتِ الأَصْنَامُ، فَكَانَ نُوحٌ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَوَّلَ رَسُولٍ أُرْسِلَ إِلَى النَّاسِ فِي الأَرْضِ بَعْدَ انْتِشَارِ الشِّرْكِ فِيهَا.
وَكَانَ نُوحٌ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، وَقَدِ اسْتَمَرَّتْ دَعْوَتُهُ فِي قَوْمِهِ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا، وَعَاشَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَلْفًا وَسَبْعَمِائَةٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً.
﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ إِنِّي لَكُمۡ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾
أَيْ: أَرْسَلَهُ اللَّهُ مُلْتَبِسًا بِهَذَا القَوْلِ، وَهُوَ إِبْلاغُهُ لِقَوْمِهِ أَنَّهُ نَذِيرٌ لَهُمْ، مُبَيِّنٌ لَهُمْ طَرِيقَ الحَقِّ بِوُضُوحٍ.
﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَۚ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (26)﴾
يُبَيِّنُ هَذَا النَّصُّ القُرْآنِيُّ عَظِيمَ شَفَقَةِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَقْوَامِهِمْ، فَهُمْ أَرْحَمُ النَّاسِ بِالخَلْقِ، وَأَشَدُّهُمْ حِرْصًا عَلَى هِدَايَتِهِمْ، وَأَكْمَلُهُمْ فِي الصِّفَاتِ الحَسَنَةِ؛ مِنَ الرَّحْمَةِ، وَالرَّأْفَةِ، وَالقُوَّةِ فِي العَقْلِ، وَالشَّجَاعَةِ، وَالفَصَاحَةِ.
وَقَدْ كَانَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَخَافُ عَلَى قَوْمِهِ خَوْفَ الرَّحِيمِ المشْفِقِ، وَيَخْشَى عَلَيْهِمْ عَذَابَ اللَّهِ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا، فَكَانَ يُبَلِّغُهُمْ الدَّعْوَةَ بِصِدْقٍ وَإِخْلَاصٍ.
﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾
بَلاغَةٌ بَيَانِيَّةٌ بَدِيعَةٌ، حَيْثُ أُسْنِدَ الأَلَمُ إِلَى «اليَوْمِ» مَجَازًا، وَهُوَ مِنْ بَابِ الإِسْنَادِ المَجَازِيِّ؛ لِأَنَّ الأَلَمَ إِنَّمَا يَقَعُ فِيهِ، لَا أَنَّهُ يَقَعُ عَلَى ذَاتِ اليَوْمِ.
﴿فَقَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِۦ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأْيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍۢ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَٰذِبِينَ (27)﴾
يُصَوِّرُ هَذِهِ الآيَةُ مَوْقِفَ أَشْرَافِ القَوْمِ وَسَادَتِهِمْ مِنْ دَعْوَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ إِذْ تَصَدَّرَ لِمُوَاجَهَتِهِ «الْمَلَأُ» مِنْهُمْ، وَهُمُ العُظَمَاءُ وَالوُجَهَاءُ، وَقَدْ سُمُّوا مَلَأً لِأَنَّهُمْ يَمْلَؤُونَ القُلُوبَ هَيْبَةً، وَالمَجَالِسَ أُبَّهَةً، وَقِيلَ: لِأَنَّهُمْ مُلِئُوا حِلْمًا وَرَأْيًا.
﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾
يَدُلُّ عَلَى اسْتِبْعَادِهِمِ النُّبُوَّةَ فِي البَشَرِ، زَاعِمِينَ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ مَلَكًا، أَوْ صَاحِبَ سُلْطَانٍ وَمُلْكٍ، وَهَذَا مِنْ جَهْلِهِمْ بِسُنَنِ اللَّهِ فِي الاِصْطِفَاءِ.
﴿وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾
فِيهِ اسْتِخْفَافٌ بِالمُؤْمِنِينَ؛ لَا لِنَقْصٍ فِي دِينِهِمْ، وَلَكِنْ لِفَقْرِهِمْ وَضَعْفِ أَسْبَابِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَهَذِهِ نَظْرَةٌ مَادِّيَّةٌ جَاهِلِيَّةٌ لَا وَزْنَ لَهَا فِي مِيزَانِ الشَّرْعِ، فَالعِبْرَةُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى بِالتَّقْوَى، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾، وَفِي قِرَاءَةٍ: ﴿بَادِئَةَ الرَّأْيِ﴾؛
فَالْمُرَادُ أَنَّ إِتِّبَاعَهُمْ لَهُ كَانَ – فِي زَعْمِهِمْ – عَلَى ظَاهِرِ الاِنْطِبَاعِ وَسُرْعَةِ الخَاطِرِ، مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ وَلَا تَفَكُّرٍ.
﴿وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾
يَتَضَمَّنُ إِنْكَارَهُمْ فَضْلَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَتْبَاعِهِ، وَاتِّهِامَهُمْ لَهُ بِالكَذِبِ فِي الدَّعْوَةِ، زَاعِمِينَ أَنَّ مَا حَصَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَتْبَاعِهِ إِنَّمَا هُوَ تَوَاطُؤٌ عَلَى طَلَبِ الرِّيَاسَةِ.
وَقَدْ تَعَرَّضَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِأَذًى شَدِيدٍ مِنْ قَوْمِهِ؛ فَكَانُوا يَضْرِبُونَهُ حَتَّى يُغْشَىٰ عَلَيْهِ أَحْيَانًا، وَيَصِفُونَهُ بِالجُنُونِ، وَيُوَرِّثُونَ هَذِهِ التُّهْمَةَ لِأَجْيَالِهِمْ مِنْ بَعْدِهِ، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَشَدِّ مَا لَقِيَ مِنْ صُنُوفِ الإِيذَاءِ فِي سَبِيلِ الدَّعْوَةِ.
﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28)﴾
يَأْمُرُ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَوْمَهُ فِي هَذِهِ الآيَةِ أَنْ يَتَدَبَّرُوا وَيَتَفَكَّرُوا،
فَقَوْلُهُ:
﴿أَرَأَيْتُمْ﴾
مَعْنَاهُ: أَخْبِرُونِي.
وَقَوْلُهُ:
﴿إِنْ كُنْتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾
أَيْ: عَلَى بُرْهَانٍ وَاضِحٍ وَحُجَّةٍ ظَاهِرَةٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، مَعَ شَاهِدٍ يُصَدِّقُ دَعْوَتِي، لَا عَلَى سَبِيلِ الشَّكِّ، وَلَكِنْ عَلَى سَبِيلِ الإِلْزَامِ وَالمُحَاجَجَةِ.
وَقَوْلُهُ:
﴿وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾
أَيْ: مَنَحَنِي اللَّهُ النُّبُوَّةَ، وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ رَحْمَاتِهِ بِعِبَادِهِ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ إِخْرَاجِهِمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ.
وَقَوْلُهُ:
﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾
أَيْ: خَفِيَتْ عَلَيْكُمْ تِلْكَ البَيِّنَةُ، فَلَمْ تُبْصِرُوهَا وَلَمْ تَهْتَدُوا بِهَا، وَقَدْ شُبِّهَتْ الحُجَّةُ فِي حَالِ خَفَائِهَا عِنْدَهُمْ بِالدَّلِيلِ الَّذِي يَضِلُّ عَنْ قَوْمٍ فِي مَفَازَةٍ، فَيَبْقَوْنَ بِلَا هُدًى.
وَفِي قَوْلِهِ:
﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾
أَيْ: أَنُكْرِهُكُمْ عَلَى قَبُولِ هَذِهِ الرَّحْمَةِ، وَهِيَ النُّبُوَّةُ وَالدَّعْوَةُ إِلَى التَّوْحِيدِ.
وَقَوْلُهُ:
﴿وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾
دَلَالَةٌ عَلَى شِدَّةِ عِنَادِهِمْ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُرِدْ أَنْ يَجْعَلَ قَبُولَ هَذِهِ الهِدَايَةِ فِي قُلُوبِهِمْ بِسَبَبِ إِصْرَارِهِمْ وَاسْتِكْبَارِهِمْ، وَفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَمَّا لَقِيَهُ مِنْ أَذًى فِي سَبِيلِ دَعْوَتِهِ.
﴿وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًاۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِۚ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُواۚ إِنَّهُمْ مُلَاقُوا رَبِّهِمْ وَلَٰكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (29)﴾
يُبَيِّنُ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِقَوْمِهِ صِدْقَ مَقَالِهِ وَنَقَاءَ قَصْدِهِ، فَيُعْلِنُ أَنَّهُ لَا يَطْلُبُ عَلَى أَدَاءِ الرِّسَالَةِ عِوَضًا مِنَ المَالِ، وَلَا يَسْتَثْقِلُهُمْ أَجْرًا، بَلْ يُبَيِّنُ أَنَّ أَجْرَهُ مَوْكُولٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ.
وَقَوْلُهُ:
﴿لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا﴾
أَيْ: لَا أَطْلُبُ مِنْكُمْ أُجْرَةً عَلَى تَبْلِيغِ الدَّعْوَةِ، وَلَا أُلْزِمُكُمْ مَا يَشُقُّ عَلَيْكُمْ.
﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾
فِيهِ تَأْصِيلٌ لِإِخْلَاصِ العَمَلِ لِلَّهِ، وَقَطْعُ التَّعَلُّقِ بِخَلْقِهِ.
﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾
يَدُلُّ عَلَى عِظَمِ مَنْزِلَةِ المُؤْمِنِينَ عِنْدَهُ، وَأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ أَنْ يُهَانُوا أَوْ يُسْتَخَفَّ بِهِمْ.
﴿إِنَّهُمْ مُلَاقُوا رَبِّهِمْ﴾
أَيْ: سَيَقِفُونَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، فَإِنْ طَرَدَهُمْ وَظَلَمَهُمْ كَانُوا خُصَمَاءَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ.
﴿وَلَٰكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾
أَيْ: تَتَسَافَهُونَ عَلَى المُؤْمِنِينَ، وَتَجْهَلُونَ مَقَامَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ، وَتَغْفَلُونَ عَنْ حَقَائِقِ الأُمُورِ.
﴿وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (30)﴾
فِي هَذِهِ الآيَةِ يَسْتَفْهِمُ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَوْمَهُ عَلَى سَبِيلِ الإِنْكَارِ وَالتَّوْبِيخِ، أَيْ: مَنْ يَمْنَعُنِي مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَانْتِقَامِهِ إِنْ أَقَدَمْتُ عَلَى طَرْدِ هَؤُلَاءِ المُؤْمِنِينَ؟
﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾
أَيْ: أَفَلَا تَتَّعِظُونَ، وَلَا تَتَفَكَّرُونَ فِي عَاقِبَةِ الأَمْرِ؟
وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى كَمَالِ عَدْلِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَعِظَمِ شَفَقَتِهِ، وَتَوَاضُعِهِ فِي دَعْوَتِهِ.
﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًاۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (31)﴾
يُقَرِّرُ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي هَذِهِ الآيَةِ أُسُسَ الصِّدْقِ فِي الدَّعْوَةِ، فَيُبَرِّئُ نَفْسَهُ مِنْ دَعَاوَى لَمْ يَدَّعِهَا، وَيُبَيِّنُ حَقِيقَةَ مَقَامِهِ عَلَى وَجْهِ التَّوَاضُعِ وَالصِّرَاحَةِ.
﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾
أَيْ: لَا أَدَّعِي غِنًى وَلَا سُلْطَانًا وَلَا مَا يَجْعَلُنِي ذَا فَضْلٍ دُنْيَوِيٍّ عَلَيْكُمْ.
﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾
أَيْ: لَا أَدَّعِي الإِحَاطَةَ بِمَا خَفِيَ عَنْ خَلْقِ اللَّهِ، فَإِنَّ عِلْمَ الغَيْبِ اخْتِصَاصٌ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَمَا يُطْلِعُ عَلَيْهِ أَنْبِيَاءَهُ مِنَ الغَيْبِ إِنَّمَا هُوَ بِالوَحْيِ.
﴿وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾
فِيهِ نَفْيُ دَعْوَى المَلَكِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ بَشَرٌ رَسُولٌ، وَلَيْسَ مَلَكًا مِنَ المَلَائِكَةِ.
﴿وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾
فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ يَسْتَخِفُّ بِالمُؤْمِنِينَ؛ فَلَا يَحِلُّ لِلنَّبِيِّ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ بِحِرْمَانِ الخَيْرِ.
﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾
أَيْ: أَنَّ السَّرَائِرَ مَوْكُولَةٌ إِلَى عِلْمِ اللَّهِ وحدَهُ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الحُكْمُ بِالظَّاهِرِ.
﴿إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾
أَيْ: لَوْ قُلْتُ شَيْئًا مِمَّا يَطْلُبُونَهُ مِنِّي لَكُنْتُ مِنَ المُعْتَدِينَ الظَّالِمِينَ.
وَفِي ذَلِكَ تَقْرِيرٌ لِقَاعِدَةٍ عَظِيمَةٍ فِي الشَّرِيعَةِ، وَهِيَ أَنَّ الأَحْكَامَ تُبْنَى عَلَى الظَّوَاهِرِ، وَأَمَّا السَّرَائِرُ فَإِلَى اللَّهِ.
﴿قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (32)﴾
تُصَوِّرُ هَذِهِ الآيَةُ حَالَ قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي عِنَادِهِمْ وَتَمَادِيهِمْ فِي الجِدَالِ؛ إِذْ قَالُوا لَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ وَالاِسْتِبْطَاءِ: لَقَدْ خَاصَمْتَنَا طَوِيلًا، وَأَكْثَرْتَ مِنَ الحُجَجِ وَالمُنَاظَرَةِ، فَأْتِنَا بِالْعَذَابِ الَّذِي تَعِدُنَا بِهِ.
﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾
أَيْ: إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فِي وَعِيدِكَ، فَأَيْنَ مَا تَتَوَعَّدُنَا بِهِ؟
ثُمَّ جَاءَ جَوَابُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (33)﴾
فَأَبَانَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ إِنْزَالَ العَذَابِ لَيْسَ بِيَدِهِ، وَلَا هُوَ مَوْكُولٌ إِلَى إِرَادَتِهِ، بَلْ هُوَ مَرْدُودٌ إِلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ وَحِكْمَتِهِ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ الَّذِي يُنَزِّلُ العَذَابَ مَتَىٰ شَاءَ.
﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾
أَيْ: لَنْ تَقْدِرُوا عَلَى الِانْفِلَاتِ مِنْ عُقُوبَتِهِ، وَلَا عَلَى الفِرَارِ مِنْ بَأْسِهِ إِذَا أَرَادَ بِكُمْ سُوءَ العَذَابِ.
وَفِي هَذَا تَقْرِيرٌ لِكَمَالِ قُدْرَةِ اللَّهِ، وَعَجْزِ الخَلْقِ عَنْ مُعَارَضَتِهَا.
﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْۚ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (34)﴾
تُقَرِّرُ هَذِهِ الآيَةُ أَصْلًا عَظِيمًا فِي بَابِ القَدَرِ، وَهُوَ أَنَّ الهِدَايَةَ وَالضَّلَالَةَ كُلَّتَيْهِمَا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَا يَكُونُ اهْتِدَاءُ أَحَدٍ وَلَا ضَلَالُهُ إِلَّا بِإِرَادَتِهِ سُبْحَانَهُ.
﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي﴾
أَيْ: لَا يَجْدِي فِيكُمْ تَوْجِيهِي وَإِرْشَادِي، وَلَوْ بَذَلْتُ أَقْصَى وُسْعِي فِي إِخْلَاصِ النَّصْحِ لَكُمْ.
وَالنُّصْحُ حَقِيقَتُهُ: إِظْهَارُ مَوَاضِعِ الغَيِّ لِتُتَّقَى، وَبَيَانُ مَوَاطِنِ الرُّشْدِ لِيُقْتَفَى، وَهُوَ فِي جَمِيعِ مَعَانِيهِ حِيَازَةُ الخَيْرِ لِلْمَنْصُوحِ لَهُ.
﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾
أَيْ: إِنْ تَعَلَّقَتْ مَشِيئَتُهُ سُبْحَانَهُ بِإِضْلَالِكُمْ، فَلَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ صَرْفَكُمْ عَن ذَلِكَ.
وَهَذَا مِنْ أَصَحِّ الأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّ أَفْعَالَ العِبَادِ وَمَا يَصْدُرُ عَنْهُمْ دَاخِلَةٌ تَحْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ وَخَلْقِهِ.
﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾
أَيْ: هُوَ المُتَصَرِّفُ فِيكُمْ بِمَا شَاءَ وَقَدَّرَ.
﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾
أَيْ: إِلَيْهِ مَآلُكُمْ وَمَصِيرُكُمْ، فَيُجَازِيكُمْ عَلَى أَعْمَالِكُمْ.
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُۖ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (35)﴾
تَرُدُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلَى مَنْ رَمَى النَّبِيَّ بِالاِفْتِرَاءِ، فْيُؤْمَرُ أَنْ يُجِيبَهُمْ بِمُنَاهَضَةٍ بَالِغَةٍ فِي الحُجَّةِ وَالبَيَانِ.
﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي﴾
أَيْ: إِنْ كَانَ كَمَا تَزْعُمُونَ مِنَ الكَذِبِ وَالاِخْتِلَاقِ، فَإِنَّ وِزْرَ ذَلِكَ وَعُقُوبَتَهُ عَلَيَّ.
﴿وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾
أَيْ: مُتَبَرِّئٌ مِنْ إِثْمِكُمْ فِي نِسْبَةِ الاِفْتِرَاءِ إِلَيَّ، وَفِي إِعْرَاضِكُمْ عَنِ الحَقِّ.