﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (19) أُوْلَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمْ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (20) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (21) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمْ الأَخْسَرُونَ (22) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (23) مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلا تَذَكَّرُونَ (24)﴾
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ۚ أُولَٰئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۖ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18)﴾
وَلَا أَشَدُّ ظُلْمًا مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَنَسَبَ إِلَيْهِ مَا لَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، فَأُولَٰئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ يَوْمَ الْعَرْضِ وَالْحِسَابِ، حِينَ يُحْبَسُونَ فِي الْمَوْقِفِ، وَتُعْرَضُ أَعْمَالُهُمْ عَلَيْهِمْ فِي مَشْهَدٍ عَظِيمٍ، يَوْمَ يُبَدِّلُ اللَّهُ الْأَرْضَ غَيْرَ الْأَرْضِ، وَتُجْمَعُ الْخَلَائِقُ جَمْعًا.
وَيُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ عَلَىٰ أَصْنَافٍ ثَلَاثَةٍ: صِنْفٌ يُحْشَرُونَ طَاعِمِينَ كَاسِينَ رَاكِبِينَ عَلَىٰ نُوقٍ رَحَائِلُهَا مِنَ الذَّهَبِ، وَهُمْ الْأَنْبِيَاءُ وَالصِّدِّيقُونَ وَالصَّالِحُونَ وَالشُّهَدَاءُ؛ وَصِنْفٌ يُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً، وَهُمْ عُصَاةُ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ حَشْرُهُمْ عَلَىٰ تِلْكَ الصُّورَةِ؛ وَصِنْفٌ يُحْشَرُونَ – وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ – يَمْشُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ، وَهُمْ الْكَافِرُونَ. وَبِهٰذِهِ التَّفْصِيلَاتِ يُجْمَعُ بَيْنَ النُّصُوصِ الْوَارِدَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
وَفِي أَرْضِ الْمَحْشَرِ تُعْرَضُ أَعْمَالُ الْعِبَادِ عَلَيْهِمْ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾، وَيُكَلِّمُ اللَّهُ تَعَالَىٰ عِبَادَهُ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ وَلَا حَاجِبٌ يَحْجُبُهُ».
فَيَسْأَلُهُمْ اللَّهُ عَنْ أَقْوَالِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ وَنِيَّاتِهِمْ، وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ، لَا تَخْفَىٰ عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾؛ فَيَفْرَحُ الصَّالِحُونَ، وَيَكْرَبُ الْكَافِرُونَ كُرُوبًا عَظِيمًا لَا مَوْتَ فِيهِ.
ثُمَّ يُبَيِّنُ اللَّهُ حَالَ هَٰؤُلَاءِ الظَّالِمِينَ قَائِلًا:
﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَٰدُ هَٰٓؤُلَآءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْۚ﴾
هَٰؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَىٰ رَبِّهِمْ، وَالأَشْهَادُ هُمْ مَنْ يَشْهَدُونَ عَلَىٰ ذَلِكَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ، أَنَّهُمْ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ فِي مَا نَسَبُوهُ إِلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ اتَّخَذَ وَلَدًا أَوْ شَرِيكًا. فَشَهِدَتِ الْمَلَائِكَةُ وَالنَّبِيُّونَ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي مَا نَسَبُوهُ إِلَيْهِ مِنْ تَصْوِيرِ الشَّرِيكِ وَاتِّخَاذِ الْوَلَدِ.
﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّٰلِمِينَ﴾
أَلَا فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ، وَالظَّالِمُونَ هُمْ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ.
﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (19)﴾
هَؤُلَاءِ جَمَعُوا بَيْنَ جَرِيمَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ: الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَىٰ، وَالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِهِ؛ فَهُمْ يَصْرِفُونَ النَّاسَ عَنْ دِينِ اللَّهِ، وَقَدْ ضَلُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ، وَسَعَوْا فِي إِضْلَالِ غَيْرِهِمْ، فَجَمَعُوا بَيْنَ الضَّلَالِ وَالْإِضْلَالِ.
وَمَعْنَىٰ قَوْلِهِ تَعَالَىٰ:
﴿يَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾
أَنَّهُمْ يَصِفُونَ سَبِيلَ اللَّهِ بِالِاعْوِجَاجِ وَهِيَ فِي نَفْسِهَا مُسْتَقِيمَةٌ، أَوْ يَبْغُونَ لِأَهْلِهَا أَنْ يَعْوَجُّوا عَنْهَا بِالِارْتِدَادِ وَالِانْحِرَافِ.
وَمِنْ صُوَرِ ذَٰلِكَ مَا يَقَعُ فِي بَعْضِ الْأَزْمِنَةِ مِنْ طَائِفَةٍ ضَلَّتْ وَأَضَلَّتْ، فَتَعَرَّضَتْ لِسُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ بِالتَّكْذِيبِ، وَصَرَفَتِ النَّاسَ عَنْ تَصْدِيقِهَا، فَأَنْكَرَتْ عَذَابَ الْقَبْرِ وَالْبَعْثَ، وَنَسَبَتْ ذَٰلِكَ إِلَىٰ الْوَهْمِ وَالْخُرَافَةِ، وَهَٰذَا كُلُّهُ مِنْ أَعْظَمِ الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ.
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَىٰ فِي تَوْعِيدِهِ:
﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾
أَيْ: الَّذِينَ يَطْلُبُونَ لِأَهْلِهَا الِانْحِرَافَ وَالِارْتِدَادَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَىٰ:
﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾
فَإِنَّ تَكْرَارَ ضَمِيرِ «هُمْ» جَاءَ لِلتَّوْكِيدِ عَلَىٰ تَحَقُّقِ كُفْرِهِمْ بِالْآخِرَةِ، وَلِلدَّلَالَةِ عَلَىٰ اخْتِصَاصِهِمْ بِهَٰذَا الْوَصْفِ، وَتَمَكُّنِهِ فِي قُلُوبِهِمْ، وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ مِنْ حَالِهِمْ.
﴿أُولَٰئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ۘيُضَٰعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ ۚ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (20)﴾
أَيْ: مَا كَانُوا مُفْلِتِينَ مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ، وَلَا عَاجِزِينَ لَهُ فِي الْأَرْضِ، بَلْ هُوَ سُبْحَانَهُ قَادِرٌ عَلَىٰ أَنْ يُعَجِّلَ لَهُمُ الْعُقُوبَةَ مَتَىٰ شَاءَ؛ فَلَوْ شَاءَ لَخَسَفَ بِهِمُ الْأَرْضَ، أَوْ طَبَقَ السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ، أَوْ أَشْعَلَ الْبِحَارَ نِيرَانًا فَأَحْرَقَهُمْ، وَلَا يُعْجِزُونَهُ شَيْئًا.
﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾
فَمَعْنَاهُ أَنَّهُمْ لَا يَجِدُونَ نَاصِرًا يَدْفَعُ عَنْهُمْ بَأْسَ اللَّهِ، وَلَا وَلِيًّا يَمْنَعُهُمْ مِنْ عَذَابِهِ، وَلَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ أَمْهَلَهُمْ وَأَنْظَرَهُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْحِسَابِ، وَهَٰذَا مِمَّا نَطَقَ بِهِ الْأَشْهَادُ.
﴿يُضَٰعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ﴾
أَيْ: يُكَرَّرُ عَلَيْهِمْ وَيُشَدَّدُ؛ بِسَبَبِ إِضْلَالِهِمُ النَّاسَ، وَفِي قِرَاءَةٍ: (يُضَعَّفُ لَهُمُ الْعَذَابُ).
ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَ ذَٰلِكَ فَقَالَ:
﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾
أَيْ: لَا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ سَمَاعِ الْحَقِّ سَمَاعَ قُبُولٍ وَانْتِفَاعٍ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ آذَانٌ تَسْمَعُ الْأَصْوَاتِ؛ وَلَا يُبْصِرُونَ الْحَقَّ إِبْصَارَ الِاعْتِبَارِ وَالِاهْتِدَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ أَعْيُنٌ تَرَىٰ الْمَرْئِيَّاتِ، فَهُمْ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا.
وَفِي هَٰذَا بَيَانٌ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ غِشَاوَةً؛ فَلَا يَفْقَهُونَ الْحَقَّ، وَلَا يَهْتَدُونَ إِلَيْهِ، لِسُوءِ قَصْدِهِمْ وَعِظَمِ جُرْمِهِمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (21)﴾
أَيْ: هَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ أَهْلَكُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَوْرَدُوهَا مَوَارِدَ الْهَلَاكِ؛ إِذِ اسْتَبْدَلُوا عِبَادَةَ اللَّهِ بِعِبَادَةِ مَا لَا يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ، دَلَالَةً عَلَىٰ أَنَّهُمْ تَرَكُوا الْحَقَّ وَآثَرُوا الْبَاطِلَ، فهؤلاء اشتروا عبادة الأصنام بعبادة الله فهنا الباء دخلت على المتروك معناهم تركوا عبادة الله وعبدوا شيئًا من دون الله عز وجل، كَمَا قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ فَدَخَلَتِ الْبَاءُ عَلَى الْمَتْرُوكِ.
﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾
فَمَعْنَاهُ: بَطَلَ وَتَلَاشَىٰ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَرْجُونَهُ مِنْ نَفْعِ الْمَعْبُودَاتِ الْبَاطِلَةِ.
﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾
أَيْ: مَا ادَّعَوْهُ وَاخْتَلَقُوهُ مِنْ الشَّفَاعَةِ وَالنَّصْرِ فِي تِلْكَ الْأَصْنَامِ وَالْمَعْبُودَاتِ.
وَيَنْبَغِي التَّنْبِيهُ أَنَّ لَفْظَ «الْإِلَٰه» فِي الِاسْتِعْمَالِ الشَّرْعِيِّ الْمُطْلَقِ اسْمٌ خَاصٌّ بِاللَّهِ تَعَالَىٰ لَا يُطْلَقُ عَلَىٰ غَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا يَرِدُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ عَلَى سَبِيلِ الْإِضَافَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَىٰ: ﴿وَانْظُرْ إِلَىٰ إِلَٰهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾؛ أَيْ: الَّذِي زَعَمْتَ أَنَّهُ إِلَٰهُكَ.
وَلِهَٰذَا فَإِنَّ قَوْلَ: «لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ» هُوَ الْحَصْرُ الشَّرْعِيُّ فِي الْمَعْبُودِ بِالْحَقِّ، فَمَا سِوَاهُ مَعْبُودٌ بِالْبَاطِلِ.
فَبِعِبَادَتِهِمُ الْأَصْنَامَ مِنْ دُونِ اللَّهِ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ، وَضَاعَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَزْعُمُونَهُ مِنَ الشَّفَاعَةِ وَالنُّصْرَةِ، فَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ شَفَاعَةً وَلَا نَصِيرًا.
﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (22)﴾
﴿لَا جَرَمَ﴾:
أَيْ لَا شَكَّ وَلَا مَحَالَةَ، ثَبَتَ وَتَحَقَّقَ أَنَّ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ هُمْ فِي الْآخِرَةِ أَعْظَمُ الْخَاسِرِينَ.
﴿أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾:
أَيْ أَشَدُّ النَّاسِ خُسْرَانًا، لِأَنَّهُمْ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَضَلُّوا وَأَضَلُّوا، فَحَقَّتْ عَلَيْهِمُ الْخَسَارَةُ وَثَبَتَتْ.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (23)﴾
﴿وَأَخْبَتُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ﴾:
أَيْ سَكَنَتْ قُلُوبُهُمْ إِلَيْهِ، وَاطْمَأَنَّتْ نُفُوسُهُمْ بِعِبَادَتِهِ، وَانْقَطَعَتْ جَوَارِحُهُمْ لِطَاعَتِهِ بِخُشُوعٍ وَتَوَاضُعٍ؛ وَالْإِخْبَاتُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْخَبْتِ، وَهُوَ الْأَرْضُ الْمُطْمَئِنَّةُ الْمُنْخَفِضَةُ.
وَهَٰذِهِ الْمَرْتَبَةُ مَرْتَبَةٌ عَالِيَةٌ مِنْ مَرَاتِبِ السَّائِرِينَ إِلَى اللَّهِ؛ يَجِدُ صَاحِبُهَا لَذَّةَ الطَّاعَةِ، وَأُنْسَ الْعِبَادَةِ؛ يَنْتَظِرُ أَوْقَاتَهَا بِشَوْقٍ، وَيَفْرَحُ بِقِيَامِهَا، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «أَرِحْنَا بِهَا يَا بِلَالُ»، فَتَصِيرُ الصَّلَاةُ قُرَّةَ عَيْنِهِ، وَتَصِيرُ الطَّاعَةُ رَاحَةَ قَلْبِهِ.
﴿أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾:
أَيْ هُمُ الْمُخَلَّدُونَ فِي الْجَنَّةِ خُلُودًا لَا انْقِطَاعَ لَهُ وَلَا زَوَالَ.
وَيُنَادِي الْمُنَادِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ: «يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ».
وَأَمَّا عُصَاةُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ الَّذِينَ مَاتُوا بِلَا تَوْبَةٍ، فَإِنَّهُمْ قَدْ يُعَذَّبُونَ فِي النَّارِ مُدَّةً بِقَدْرِ ذُنُوبِهِمْ، ثُمَّ يُخْرَجُونَ بِشَفَاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ.
فَالْمُؤْمِنُونَ الصَّالِحُونَ خَالِدُونَ فِي الْجَنَّةِ مِنْ غَيْرِ سَابِقِ عَذَابٍ، وَالْفَاسِقُ الْمُؤْمِنُ لَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ، بَلْ لَا بُدَّ لَهُ مِنَ الْخُرُوجِ إِلَى الْجَنَّةِ فِي نِهَايَةِ الْأَمْرِ.
﴿۞ مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَىٰ وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ ۚ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚأَفَلَا تَذَكَّرُونَ (24)﴾
بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَىٰ فِي هَٰذِهِ الْآيَةِ مَقَامَ الْفَرِيقَيْنِ: فَرِيقَ الْخَاسِرِينَ، وَفَرِيقَ الْمُؤْمِنِينَ الْفَائِزِينَ، فَشَبَّهَ فَرِيقَ الْكُفَّارِ بِالْأَعْمَىٰ وَالْأَصَمِّ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَنْتَفِعُونَ بِأَبْصَارِهِمْ وَلَا بِأَسْمَاعِهِمْ فِي إِدْرَاكِ الْحَقِّ، وَإِنْ كَانَتْ حِسِّيًّا صَحِيحَةً، وَشَبَّهَ فَرِيقَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ؛ لِكَمالِ بَصِيرَتِهِمْ وَحُسْنِ اسْتِمَاعِهِمْ لِلْهُدَىٰ.
﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾:
أَيْ لَا يَسْتَوِيَانِ أَبَدًا فِي الْحَقِيقَةِ وَالتَّقْدِيرِ؛ فَلَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ، وَلَا الْأَصَمُّ وَالسَّمِيعُ، كَذَٰلِكَ لَا يَسْتَوِي الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ عِنْدَ اللَّهِ.
﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾:
أَيْ أَفَلَا تَتَّعِظُونَ وَتَنْتَفِعُونَ بِهَٰذَا الْمَثَلِ الْبَلِيغِ، فَتَجْتَنِبُوا طَرِيقَ الْخَاسِرِينَ، وَلَا تَمِيلُوا إِلَىٰ صُحْبَتِهِمْ، وَلَا تَفْرَحُوا بِمَسْلَكِهِمْ.
بَلِ الْوَاجِبُ الِاقْتِدَاءُ بِفَرِيقِ الْمُخْبِتِينَ، الْمُتَلَذِّذِينَ بِطَاعَةِ اللَّهِ، الَّذِينَ لَا يَمَلُّونَ مَجَالِسَ الْعِلْمِ، وَلَا يَشْبَعُونَ مِنَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، يَطْلُبُونَ الْفِقْهَ فِي الدِّينِ، وَيَتَشَوَّقُونَ إِلَىٰ سَمَاعِ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَىٰ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾، وَقَالَ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾؛ فَهَٰؤُلَاءِ هُمُ الْفَرِيقُ الْمُبَارَكُ.