بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِي فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (78) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (79) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80) قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنْ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمْ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنْ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83) وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84) وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85) بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86) قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88) وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (89) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (90)﴾
﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِي فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (78)﴾
﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾
جَاءُوا مُسْرِعِينَ، كَأَنَّهُمْ يُدْفَعُونَ دَفْعًا، يَسُوقُهُمْ شَرَهُ الْفَاحِشَةِ، وَلَا يَرْدَعُهُمْ خُلُقٌ وَلَا حَيَاءٌ.
﴿وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾
أَيْ: مِنْ قَبْلِ هَذَا الْوَقْتِ كَانُوا مُقِيمِينَ عَلَى الْفَوَاحِشِ، حَتَّى كَثُرَتْ فِيهِمْ، وَأَلِفُوهَا، وَمَرنُوا عَلَيْهَا، فَضَعُفَ فِي نُفُوسِهِمُ اسْتِقْبَاحُهَا، فَصَارُوا يَأْتُونَهَا مُجَاهَرَةً، لَا يَكُفُّهُمْ حَيَاءٌ، وَلَا يَزْجُرُهُمْ خَوْفٌ، وَهَذَا هُوَ حَالُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ أَرَادُوا السُّوءَ بِضُيُوفِ نَبِيِّهِمْ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
﴿قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي﴾
أَيْ: عَرَضَ عَلَيْهِمُ النِّكَاحَ الْحَلَالَ، يُرِيدُ أَنْ يَقِيَ ضُيُوفَهُ الشَّرَّ، وَأَنْ يَصْرِفَهُمْ عَنْ مُنْكَرِهِمْ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ الْفَاحِشَةَ، حَاشَاهُ، وَإِنَّمَا هُوَ النِّكَاحُ الشَّرْعِيُّ.
﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾
أَيْ: أَزْكَى لِأَنْفُسِكُمْ، وَأَبْعَدُ عَنِ الرِّجْسِ، وَفِي ذَلِكَ تَوْجِيهٌ لَهُمْ إِلَى مَا يُرْضِي اللَّهَ، وَصَوْنٌ لِضُيُوفِهِ عَنِ الْأَذَى.
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِي فِي ضَيْفِي﴾
أَيْ: لَا تُهِينُونِي، وَلَا تَفْضَحُونِي؛ فَالْخِزْيُ إِمَّا ذُلٌّ وَفَضِيحَةٌ، وَإِمَّا خَجَلٌ وَحَيَاءٌ.
﴿فِي ضَيْفِي﴾
أَيْ: فِي حَقِّ ضُيُوفِي؛ فَإِنَّهُمْ جَمَاعَةٌ لَا وَاحِدٌ، وَإِهَانَةُ ضَيْفِ الرَّجُلِ أَوْ جَارِهِ إِهَانَةٌ لَهُ، وَذَلِكَ مِنْ عَرَاقَةِ الْكَرَمِ وَأَصَالَةِ الْمُرُوءَةِ.
﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾
أَيْ: أَلَا يُوجَدُ فِيكُمْ رَجُلٌ وَاحِدٌ ذُو رُشْدٍ وَعَقْلٍ، يَهْتَدِي إِلَى طَرِيقِ الْحَقِّ، وَيَدُلُّ عَلَى فِعْلِ الْجَمِيلِ، وَيَكُفُّ الْقَوْمَ عَنِ السُّوءِ وَالْمُنْكَرِ؟
﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (79)﴾
﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾
أَيْ: مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَاجَةٍ وَلَا رَغْبَةٍ، عَلَى زَعْمِهِمُ الْفَاسِدِ؛ لِأَنَّ نِكَاحَ الْإِنَاثِ، فِي مَذْهَبِهِمُ الْمُنْحَرِفِ، أَمْرٌ مَرْفُوضٌ، وَإِنَّمَا مَذْهَبُهُمْ—وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ—إِتْيَانُ الذُّكْرَانِ.
﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾
أَيْ: تَعْلَمُ مَا نَقْصِدُهُ مِنَ الْفَاحِشَةِ، وَمَا لَنَا فِيهَا مِنَ الشَّهْوَةِ الْمُنْكَرَةِ، فَقَالُوهَا وَقَاحَةً وَمُجَاهَرَةً بِالسُّوءِ.
﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80)﴾
﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾
أَيْ: لَوْ كَانَ عِنْدِي قُوَّةٌ أَقْدِرُ بِهَا عَلَيْكُمْ، وَأَدْفَعُكُمْ عَنْ ضُيُوفِي.
﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾
وَجَوَابُ «لَوْ» مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: لَفَعَلْتُ بِكُمْ، وَلَانْتَصَرْتُ عَلَيْكُمْ.
وَالْمَعْنَى: لَوْ كُنْتُ أَقْوَى عَلَيْكُمْ بِنَفْسِي، أَوْ أَلْتَجِئُ إِلَى سَنَدٍ قَوِيٍّ، أَوْ عَشِيرَةٍ مَنِيعَةٍ، أَتَمَنَّعُ بِهَا مِنْ شَرِّكُمْ.
وَ«الرُّكْنُ» يُطْلَقُ فِي اللُّغَةِ عَلَى مَعَانٍ؛ فَيُقَالُ لِلزَّاوِيَةِ، وَيُقَالُ لِلْجُنْدِ، وَيُقَالُ لِلْقَبِيلَةِ وَالسَّنَدِ الْقَوِيِّ.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ هُنَا رَبَّ الْعَالَمِينَ؛ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ وَصْفُ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ «رُكْنٌ»، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَقْصِدَ نَبِيِّ اللَّهِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
إِنَّمَا أَرَادَ: لَوْ أَنَّ لِي عِزْوَةً، أَوْ مَنْ أَلْجَأُ إِلَيْهِ فَيُعِينُنِي عَلَيْكُمْ، لَآوَيْتُ إِلَيْهِ، وَلَاسْتَنَدْتُ إِلَيْهِ، وَلَامْتَنَعْتُ بِهِ؛ لِيَحْمِيَنِي مِنْكُمْ، فَشَبَّهَ الْقَوِيَّ الْعَزِيزَ بِالرُّكْنِ مِنَ الْجَبَلِ فِي شِدَّتِهِ وَمَنَعَتِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا جَاءُوهُ أَغْلَقَ بَابَهُ، وَجَعَلَ يُرَادُّهُمْ، وَيَدْفَعُهُمْ عَنْ ضُيُوفِهِ، وَيُجَادِلُهُمْ، حَتَّى تَسَوَّرُوا الْجِدَارَ، كَمَا حَكَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ.
﴿قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81)﴾
﴿قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾
أَيْ: يَا لُوطُ، إِنَّ سَنَدَكَ لَشَدِيدٌ، وَإِنَّ رُكْنَكَ لَمَنِيعٌ؛ فَنَحْنُ رُسُلُ رَبِّكَ، فَلَا تَخَفْ، وَلَا تَحْزَنْ. ثُمَّ أَذِنَ لَهُمْ فَفَتَحَ الْبَابَ، فَدَخَلُوا، فَاسْتَأْذَنَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَبَّهُ فِي إِنْزَالِ الْعُقُوبَةِ عَلَيْهِمْ، فَأَذِنَ لَهُ، فَضَرَبَهُمْ بِجَنَاحِهِ فِي وُجُوهِهِمْ، فَطَمَسَ أَعْيُنَهُمْ، فَأَعْمَاهُمْ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾. فَصَارُوا لَا يَهْتَدُونَ إِلَى الطَّرِيقِ، وَخَرَجُوا يَتَصَايَحُونَ قَائِلِينَ: النَّجَاةَ، النَّجَاةَ؛ فَإِنَّ فِي بَيْتِ لُوطٍ قَوْمًا سَحَرَةً.
﴿لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾
وَهَذِهِ جُمْلَةٌ مُوَضِّحَةٌ لِمَا قَبْلَهَا؛ أَيْ: إِذْ كَانُوا رُسُلَ اللَّهِ، فَإِنَّهُمْ لَنْ يَقْدِرُوا عَلَى أَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ بِأَذًى، وَلَنْ يَنَالُوكَ بِسُوءٍ.
﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾
أَيْ: امْضِ بِأَهْلِكَ لَيْلًا فِي طَائِفَةٍ مِنَ اللَّيْلِ، أَوْ فِي نِصْفِهِ.
﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾
أَيْ: لَا يَلْتَفِتْ قَلْبًا إِلَى مَا خَلَّفَ، وَلَا يَنْظُرْ إِلَى مَا وَرَاءَهُ، وَلَا يَتَخَلَّفْ أَحَدٌ مِنْكُمْ عَنِ الْمَسِيرِ.
﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾
وَهِيَ مُسْتَثْنَاةٌ مِنَ الْإِسْرَاءِ بِالْأَهْلِ. وَقَدْ وَرَدَتْ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ أَخْرَجَهَا مَعَهُمْ، وَأُمِرَ أَنْ لَا يَلْتَفِتَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا هِيَ، فَلَمَّا سَمِعَتْ دَوِيَّ الْعَذَابِ الْتَفَتَتْ، وَقَالَتْ: يَا قَوْمَاهُ! فَأَدْرَكَهَا حَجَرٌ فَقَتَلَهَا.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ أُمِرَ أَنْ يُخَلِّفَهَا مَعَ قَوْمِهَا؛ لِأَنَّ هَوَاهَا كَانَ مَعَهُمْ، فَلَمْ يُسْرِ بِهَا.
﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾
أَيْ: إِنَّ وَقْتَ هَلَاكِهِمْ وَنُزُولَ الْعَذَابِ بِهِمُ الصُّبْحُ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ لُوطًا عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: أُرِيدُ أَسْرَعَ مِنْ ذَلِكَ.
﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾
أَيْ: إِنَّ الصُّبْحَ قَرِيبٌ، وَعَذَابَهُمْ قَرِيبٌ لَا مَحَالَةَ.
﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82)﴾
﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾
أَيْ: لَمَّا حَضَرَ وَقْتُ الْعَذَابِ، وَنَزَلَ قَضَاءُ اللَّهِ بِالْإِهْلَاكِ.
﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾
أَيْ: إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ جَعَلَ جَنَاحَهُ تَحْتَ قُرَاهِمْ، فَرَفَعَهَا إِلَى السَّمَاءِ، حَتَّى سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاءِ نُبَاحَ الْكِلَابِ وَصِيَاحَ الدِّيَكَةِ، ثُمَّ قَلَبَهَا عَلَيْهِمْ، فَصَارَ أَعْلَاهَا أَسْفَلَهَا، وَأُتْبِعُوا بَعْدَ ذَلِكَ بِالْحِجَارَةِ مِنْ فَوْقِهِمْ.
﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾
أَيْ: أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ «سِجِّيلًا» لَفْظٌ مُعَرَّبٌ مِنَ الْفَارِسِيَّةِ (سَنْكٍ وَكِل)، فَالسَّنْكُ هُوَ الْحَجَرُ، وَالْوَكِلُ هُوَ الطِّينُ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
وَقَدْ دَلَّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾.
﴿مَنْضُودٍ﴾
نَعْتٌ لِـ«سِجِّيلٍ»؛ أَيْ: مُتَتَابِعَةٍ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، أَوْ مَجْمُوعَةٍ مُعَدَّةٍ لِلْعَذَابِ، لَا تَخْطِئُ مَنْ أُمِرَتْ بِهِ.
﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83)﴾
﴿مُسَوَّمَةً﴾
أَيْ: مَعْلُومَةً مُعَلَّمَةً لِلْعَذَابِ، وَقِيلَ: مَكْتُوبٌ عَلَى كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ مَنْ يُرْمَى بِهِ.
﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾
أَيْ: مُهَيَّأَةٌ فِي خَزَائِنِهِ، أَوْ مُقَدَّرَةٌ فِي حُكْمِهِ وَقَضَائِهِ.
﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾
أَيْ: لَيْسَتْ بِبَعِيدَةٍ عَنْ كُلِّ ظَالِمٍ. وَفِي الْآيَةِ وَعِيدٌ شَدِيدٌ؛ فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يَعْنِي ظَالِمِي أُمَّتِكَ. فَمَا مِنْ ظَالِمٍ إِلَّا وَهُوَ بِعَرْضِ حَجَرٍ، يَسْقُطُ عَلَيْهِ فِي أَيِّ سَاعَةٍ شَاءَ اللَّهُ.
وَقِيلَ: إِنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلَى الْقُرَى؛ أَيْ: إِنَّهَا قَرِيبَةٌ مِنْ ظَالِمِي أَهْلِ مَكَّةَ، يَمُرُّونَ بِهَا فِي أَسْفَارِهِمْ، فَيَرَوْنَ آثَارَ الْعَذَابِ، فَتَكُونُ لَهُمْ عِبْرَةً وَتَخْوِيفًا.
﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84)﴾
﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾
أَيْ: وَأَرْسَلْنَا إِلَىٰ أَهْلِ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَمَدْيَنُ: إِمَّا اسْمُ الْمَدِينَةِ الَّتِي كَانُوا يَسْكُنُونَهَا، وَإِمَّا اسْمُ جَدِّهِمْ مَدْيَنَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ فَالْمَعْنَى: أَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَىٰ سَاكِنِي مَدْيَنَ أَوْ إِلَىٰ بَنِي مَدْيَنَ.
﴿قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ﴾
هَذِهِ هِيَ دَعْوَةُ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ: تَوْحِيدُ اللَّهِ، وَإِفْرَادُهُ بِالْعِبَادَةِ، كَمَا هِيَ دَعْوَةُ نُوحٍ، وَهُودٍ، وَصَالِحٍ، وَغَيْرِهِمْ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
﴿وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ﴾
أَيْ: لَا تُنْقِصُوا الْمَكِيلَ عِنْدَ الْكَيْلِ بِالْمِكْيَالِ.
﴿وَالْمِيزَانَ﴾
أَيْ: وَلَا تُنْقِصُوا الْمَوْزُونَ عِنْدَ الْوَزْنِ بِالْمِيزَانِ، فَلَا تَغِشُّوا وَلَا تُطَفِّفُوا.
﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾
أَيْ: أَرَاكُمْ فِي نِعْمَةٍ وَسَعَةٍ وَرَغَدٍ مِنَ الْعَيْشِ، تُغْنِيكُمْ عَنِ الْغِشِّ وَالتَّطْفِيفِ؛ فَلِمَ تُقَابِلُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ بِالْمَعْصِيَةِ، وَحَقُّهَا أَنْ تُقَابَلَ بِالشُّكْرِ وَالْعَدْلِ؟
﴿وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾
أَيْ: أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُهْلِكٍ يُحِيطُ بِكُمْ، كَمَا يُحِيطُ الْعَدُوُّ بِمَنْ حَاصَرَهُ؛ وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ عَذَابَ اسْتِئْصَالٍ فِي الدُّنْيَا، أَوْ عَذَابَ الْآخِرَةِ.
﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85)﴾
﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾
أَيْ: أَتِمُّوهُمَا تَمَامًا، مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ وَلَا غِشٍّ.
﴿بِالْقِسْطِ﴾
أَيْ: بِالْعَدْلِ التَّامِّ، مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ. وَقَدْ نُهُوا أَوَّلًا عَنِ الْقَبِيحِ، وَهُوَ التَّطْفِيفُ وَالْغِشُّ، ثُمَّ أُمِرُوا بِالْحَسَنِ، وَهُوَ الْإِيفَاءُ، تَرْغِيبًا فِيهِ، وَتَأْكِيدًا لِمَعْنَى الْعَدْلِ.
﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾
أَيْ: لَا تَنْقُصُوا النَّاسَ حُقُوقَهُمْ، وَكَانُوا يَبْخَسُونَ الْأَثْمَانَ وَيُنْقِصُونَ الْحُقُوقَ عِنْدَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ.
﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾
أَيْ: لَا تَبْلُغُوا فِي الْفَسَادِ غَايَتَهُ؛ فَالْعَثْيُ وَالْعَيْثُ أَشَدُّ أَنْوَاعِ الْفَسَادِ، كَالسَّرِقَةِ، وَالْغَارَةِ، وَقَطْعِ السَّبِيلِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّطْفِيفُ وَالْبَخْسُ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَثْيِ فِي الْأَرْضِ.
﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86)﴾
﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ﴾
أَيْ: مَا يَبْقَى لَكُمْ مِنَ الْحَلَالِ بَعْدَ التَّنَزُّهِ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ؛ فَهِيَ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَذِنَ فِيهِ، وَفِيهِ الْبَرَكَةُ وَالسَّلَامَةُ.
﴿خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
أَيْ: هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ بِشَرْطِ الْإِيمَانِ؛ فَإِنَّكُمْ إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لَنْ يَنْفَعَكُمْ شَيْءٌ. فَالْإِيمَانُ أَعْظَمُ نِعْمَةٍ أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَى الْعِبَادِ، وَهُوَ شَرْطُ قَبُولِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. فَمَنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ عَمَلًا.
نَعَمْ، بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْكَافِرِينَ أَيْضًا مِنْ حَيْثُ الدُّنْيَا؛ لِأَنَّهُمْ يَسْلَمُونَ بِهَا مِنْ تَبِعَةِ الْبَخْسِ وَالتَّطْفِيفِ، وَيَتَجَنَّبُونَ مَا يَجُرُّهُ الظُّلْمُ مِنْ مَفَاسِدَ. إِلَّا أَنَّ ثَمَرَتَهَا الْكُبْرَى لَا تَظْهَرُ إِلَّا مَعَ الْإِيمَانِ، مِنْ حُصُولِ الثَّوَابِ مَعَ النَّجَاةِ مِنَ الْعِقَابِ. أَمَّا مَعَ عَدَمِ الْإِيمَانِ، فَلَا يَحْصُلُ صَاحِبُهَا إِلَّا عَلَى نَفْعٍ دُنْيَوِيٍّ، وَيَبْقَى مُنْغَمِسًا فِي غَمَرَاتِ الْكُفْرِ. وَفِي ذَلِكَ تَعْظِيمٌ لِشَأْنِ الْإِيمَانِ، وَتَنْبِيهٌ عَلَى جَلَالَتِهِ.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ: إِنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِينَ لِي فِيمَا أَقُولُ، قَابِلِينَ لِنُصْحِي.
﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾
أَيْ: لَسْتُ رَقِيبًا عَلَيْكُمْ أَحْفَظُ أَعْمَالَكُمْ، وَلَا مُجْبِرًا لَكُمْ عَلَى الْهُدَى، وَلَكِنِّي نَاصِحٌ مُبَلِّغٌ؛ فَاحْفَظُوا نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بِتَرْكِ الْبُخْسِ وَالظُّلْمِ.
﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87)﴾
﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ﴾
وَقُرِئَ: ﴿أَصَلَوَاتُكَ﴾. وَكَانَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَثِيرَ الصَّلَاةِ، فَكَانَ قَوْمُهُ يَقُولُونَ لَهُ عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ: مَاذَا تَصْنَعُ لَكَ صَلَاتُكَ؟ فَكَانَ يَقُولُ: إِنَّهَا تَأْمُرُ بِالْمَحَاسِنِ، وَتَنْهَى عَنِ الْقَبَائِحِ.
فَقَالُوا—وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ—عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِهْزَاءِ: أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ عِبَادَةَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا، أَوْ أَنْ نَكُفَّ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي أَمْوَالِنَا كَيْفَ نَشَاءُ، مِنْ إِيفَاءٍ أَوْ نُقْصَانٍ؟
وَجَازَ أَنْ تُنْسَبَ الصَّلَوَاتُ إِلَى الْأَمْرِ مَجَازًا؛ كَمَا نَسَبَهَا اللَّهُ تَعَالَى إِلَى النَّهْيِ مَجَازًا فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾.
﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾
قَالُوهَا عَلَى وَجْهِ السُّخْرِيَةِ وَالِاسْتِهْزَاءِ؛ أَيْ: السَّفِيهُ الضَّالُّ—وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ—وَهَذَا مِنْ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِضِدِّهِ تَهَكُّمًا.
وَقِيلَ: بَلْ أَرَادُوا: إِنَّكَ حَلِيمٌ رَشِيدٌ فِي زَعْمِنَا، وَلَكِنَّكَ لَا تَفْعَلُ بِنَا مَا يَقْتَضِيهِ حِلْمُكَ وَرُشْدُكَ، وَفِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى عَظِيمِ صَبْرِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ عَلَى أَذَى أَقْوَامِهِمْ.
﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي، وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا، وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ، إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ، وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (88)
يَتَرَفَّقُ سَيِّدُنَا شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي خِطَابِهِ لِقَوْمِهِ، فَيُقَدِّمُ لَهُمُ الحُجَّةَ فِي أَسْلُوبٍ لَطِيفٍ، مَقْرُونٍ بِالنُّصْحِ وَالْإِشْفَاقِ.
﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾
أَيْ: أَخْبِرُونِي إِنْ كُنْتُ عَلَى حُجَّةٍ وَاضِحَةٍ، وَبُرْهَانٍ جَلِيٍّ مِنْ عِنْدِ رَبِّي.
﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾
أَيْ: مِنْ لَدُنْهُ سُبْحَانَهُ. وَالرِّزْقُ الْحَسَنُ هُنَا يُحْمَلُ عَلَى أَحَدِ مَعْنَيَيْنِ:
إِمَّا النُّبُوَّةُ وَالرِّسَالَةُ، فَهُمَا مِنْ أَعْظَمِ الْأَرْزَاقِ، وَإِمَّا مَالٌ حَلَالٌ طَيِّبٌ، لَا شُبْهَةَ فِيهِ وَلَا بَخْسَ وَلَا تَطْفِيفَ، عَلَى خِلَافِ مَا تَفْعَلُونَ.
وَجَوَابُ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: أَيَصِحُّ لِي، وَأَنَا عَلَى هَذِهِ الْبَيِّنَةِ، أَنْ أَتْرُكَ أَمْرَكُمْ بِتَرْكِ الشِّرْكِ وَالْمَعَاصِي؟ وَالْأَنْبِيَاءُ إِنَّمَا بُعِثُوا لِذَلِكَ، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾
أَيْ: لَا أَنْهَاكُمْ عَنْ شَيْءٍ ثُمَّ آتِيهِ أَنَا، وَلَا أَسْبِقُكُمْ إِلَى الشَّهَوَاتِ الَّتِي نَهَيْتُكُمْ عَنْهَا، فَأَسْتَبِدَّ بِهَا دُونَكُمْ، فَذَلِكَ مِمَّا يَتَنَزَّهُ عَنْهُ الْأَنْبِيَاءُ.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ﴾
أَيْ: مَا قَصْدِي إِلَّا إِصْلَاحَكُمْ، بِالْمَوْعِظَةِ، وَالنَّصِيحَةِ، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ.
﴿مَا اسْتَطَعْتُ﴾
أَيْ: مَا دُمْتُ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ، وَلَا أُقَصِّرُ فِي بَذْلِ وُسْعِي وَجُهْدِي فِي طَرِيقِ الْإِصْلَاحِ.
﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾
أَيْ: لَا أَصِيبُ الْحَقَّ، وَلَا أُوَفَّقُ لِلْخَيْرِ، إِلَّا بِمَعُونَةِ اللهِ وَتَأْيِيدِهِ.
﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾
أَيْ: اعْتَمَدْتُ فِي أَمْرِي كُلِّهِ عَلَيْهِ وَحْدَهُ.
﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾
أَيْ: أَرْجِعُ إِلَيْهِ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَفِي كُلِّ أَحْوَالِي.
﴿وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ، أَوْ قَوْمَ هُودٍ، أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ، وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ (89)
أَيْ: لَا يَكْسِبَنَّكُمْ خِلَافِي وَمُخَالَفَتِي أَنْ يَنْزِلَ بِكُمُ الْعَذَابُ، كَمَا نَزَلَ بِالْأُمَمِ السَّالِفَةِ الَّتِي كَذَّبَتْ رُسُلَهَا.
فَقَدْ أُهْلِكَ قَوْمُ نُوحٍ بِالْغَرَقِ، وَقَوْمُ هُودٍ بِالرِّيحِ الْعَقِيمِ، وَقَوْمُ صَالِحٍ بِالرَّجْفَةِ.
﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾
أَيْ: لَسْتُمْ بَعِيدِينَ عَنْهُمْ زَمَانًا، فَهُمْ أَقْرَبُ الْهَالِكِينَ إِلَيْكُمْ عَهْدًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْقُرْبَ فِي الْمَكَانِ، فَإِنَّ دِيَارَهُمْ قَرِيبَةٌ مِنْ دِيَارِكُمْ، وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا الْقُرْبُ فِيمَا يُسْتَحَقُّ بِهِ الْهَلَاكُ، وَهُوَ الْكُفْرُ وَارْتِكَابُ الْمَسَاوِئِ.
﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ، إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ (90)
﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾
يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَيَأْمُرُهُمْ بِطَلَبِ الْمَغْفِرَةِ مِمَّا سَلَفَ، ثُمَّ الرُّجُوعِ إِلَى اللهِ بِالتَّوْبَةِ الصَّادِقَةِ.
﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ﴾
أَيْ: كَثِيرُ الرَّحْمَةِ، يَغْفِرُ لِأَهْلِ الْجَفَاءِ إِذَا آمَنُوا وَأَنَابُوا.
﴿وَدُودٌ﴾
أَيْ: مُحِبٌّ لِأَهْلِ الطَّاعَةِ وَالْوَفَاءِ مِنَ الصَّالِحِينَ.