بسم الله الرحمن الرحيم
﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (91) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيّاً إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (92) وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (93) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتْ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (94) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (95) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (96) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمْ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (99) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (100) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمْ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (101) وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102)﴾
﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ، وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً، وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ، وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ(91)﴾
﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ﴾
يُنَادُون نَبِيَّهُم شُعَيْبًا عليه الصلاة والسلام، النَّبيُّ العربيُّ الذي مُنِحَ من الله تعالى فصاحةَ اللسان وقوةَ الحُجَّة، حتى كان يُلقَّب بـ”خطيب الأنبياء”.
﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ﴾
أَيْ: لا نَفْهَمُ صِحَّةَ ما تقول، وَلَا نُصَدِّقُ كلامَك بالرغم من فصاحته، إذ يَصِفُونَه بأنه كلامٌ فصيح لكنه غير مُقنع لهم.
﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً﴾
أَيْ: نَرَاكَ ضعيفًا في وسطنا، لا تَمْلِك قُوَّةً تَحْمِينَا مِنْ مَكْرُوهُنا إن رَغِبْنَا في إيذائِكَ.
﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾
أَيْ: لَوْلَا حِمَايَةُ أَهْلِ رَهْطِكَ (عشيرتك) لَقَتَلْنَاكَ بِالرَّجْمِ، وكان رهطُه من أهل ملتِهم فلذلك أظهروا الميلَ إليهم والإكرامَ لهم.
﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾
أَيْ: لستَ قادِرًا على التَّصَدِّي لَنا، فالعِزَّةُ فينا، وإنما يعِّز علينا رهطُك لأنهم من أهلِ دينِنا، كأنه قيل ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ بل رهطُك هم الأعزةُ علينا ولذلك قال عليه السلام في جوابهم.
﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ، وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا، إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ(92)﴾
﴿أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ﴾
يُشير النبيُّ شُعَيْب عليه السلام إلى أنّ قومه قد أَعَزُّوا رهطه على الله، أي أَعْطَوْا قبولهُم وإجلالَهُم لأهل الرهط مكانةً فوق طاعَتِهم لله، مع أنّ طاعة الرسول طاعة لله، فكان الإعزاز لغير الله أو لمَن يلي أمر الله تجاوزًا عليه، وهذا توبيخ لهم.
﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾
يُبيّن أنّهم نَسُوا أمرَ الله ورَكَّنُوا إلى رهطه كما يُتَرَك الشيء وراء الظهر، أي لا يُعبَأ به.
﴿إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾
الله تعالى عالم بكل ما تفعلونه، بما أخفيتم، ما أسررتم وما أعلنتم، وما جهرتم، وما أَذَيْتُم به الناس، فهو مُحيط بكل شيء، عالم بالقلوب قبل الأفعال، ومن سيؤمن أو يكفر من الناس، فلا يخفى عليه شيء.
﴿وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ، إِنِّي عَامِلٌ، سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ، وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ، وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (93)﴾
﴿وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ﴾
أي: اثبتوا على ما أنتم عليه، واستمرُّوا في طريقِكم.
﴿مَكَانَتِكُمْ﴾
بمعنى المكان؛ فيُقال: مكان، ومَكانة، ومَقام، ومَقامة. وقيل: هي مصدرٌ من قولهم: مَكُنَ يَمْكُنُ مَكانةً، فهو مَكِينٌ، أي: إذا تمكَّن من الشيءِ صار قادرًا عليه.
والمعنى هنا على وجهِ الإنكارِ والتحدِّي لهم: اعملوا قارِّين على جهتِكم التي أنتم عليها من الشِّركِ، والبغضاءِ لي، والعداوةِ، واعملوا متمكِّنين من عداوتي؛ وهذا كلُّهُ على سبيلِ التهديدِ والإنكارِ عليهم.
﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾
أي: عاملٌ على ما آتاني اللهُ تعالى من الهدايةِ، وبما يُؤتيني من النُّصرةِ والتأييدِ، وما يُمكِّنُني به.
﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾
أي: كأنَّه قيلَ لهم: سوف تعلمون أيُّنا يأتيه عذابٌ يُخزيه، أي: يفضحُه ويُهينه، وأيُّنا هو الكاذبُ في دعواه.
﴿وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾
أي: انتظروا العاقبةَ وما يَحِلُّ بكم، كما أنتظرُ ما يَقضي اللهُ به بيني وبينكم.
﴿رَقِيبٌ﴾
بمعنى: راقِبٍ، من رَقَبَهُ، كما يُقال: ضَرِيبٌ بمعنى ضارِبٍ. وقيل: بمعنى المُراقِب، كقولهم: عَشِيرٌ بمعنى مُعاشِرٍ. وقيل: بمعنى المُرتَقِب، كقولهم: رَفِيعٌ بمعنى مُرتَفِعٍ.
والمعنى: إنِّي معكم منتظرٌ ما يؤولُ إليه الأمرُ، واللهُ تعالى سينصرُني ويُظهرُ الحقَّ الذي جئتُ به.
﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ (94)
قَدْ صَاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، رَئِيسُ الْمَلَائِكَةِ وَأَمِينُ الْوَحْيِ، فَهَلَكُوا بِسَبَبِ هَذِهِ الصَّيْحَةِ.
﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾
أي: أَهْلُ مَدْيَنَ مِنْ قَوْمِ شُعَيْبٍ هُلِكُوا بِالصَّيْحَةِ، وَهُم جاثِمُونَ فِي دِيَارِهِمْ، أي ماثِلُونَ لا يُحرَّكُونَ، فَصَاحَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِهِمْ فَدَفَقَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي مَكَانِ كُلِّ وَاحِدٍ بغتَة.
﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْ فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعُدَتْ ثَمُودُ(95)﴾
﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾
أي: كأن لم يُقيموا في ديارِهم أحياءً، متصرِّفين فيها، متردِّدين بين أرجائها؛ حتى كأنَّه لم يبقَ لهم أثرٌ، ولم يُعرَف لهم فيها مقامٌ ولا وجودٌ.
﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾
﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ﴾
أي: هلاكًا لهم. فـ«البُعْدُ» هنا بمعنى «البَعْدِ»، وهو الهلاكُ والدمارُ، كقوله: الرُّشد بمعنى الرَّشَد.
ويدلُّ على ذلك قوله تعالى: ﴿كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾، وفي قراءةٍ: ﴿كَمَا بَعُدَتْ﴾.
وإلى هذا الموضعِ ينتهي ذِكرُ قصةِ نبيِّ اللهِ شُعَيْبٍ عليه الصلاةُ والسلامُ في أرضِ مَدْيَنَ؛ ذلكَ النبيِّ الكريمِ الذي دعا أهلَ مَدْيَنَ إلى عبادةِ اللهِ عزَّ وجلَّ. فكان منهم من آمنَ به، وكان منهم من كذَّبَه، كما وقعَ لقومِ هودٍ وقومِ صالحٍ، فأهلكَ اللهُ تعالى المكذِّبين منهم.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ(96)﴾
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا﴾
أي: بالمعجزاتِ الدالَّةِ على صدقِه.
﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾
أي: حجَّةٍ ظاهرةٍ بيِّنةٍ، والمرادُ بها هنا العصا؛ لأنَّها كانت أبهَرَ تلكَ الآياتِ وأعظمَها أثرًا.
﴿إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ(97)﴾
أي: أرسلَ اللهُ موسى عليه السلام إلى فرعونَ وملئِهِ، فكان أن اتَّبع الملأُ أمرَ فرعونَ.
﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾
أي: ليس فيه رشدٌ ولا هدايةٌ، بل هو ضلالٌ مبينٌ. وفي الآيةِ تجهيلٌ لفرعونَ، وتجهيلٌ لمتَّبعيه؛ إذ تابعوه على أمرٍ فاسدٍ لا رشدَ فيه، وقد ادَّعى الألوهيَّةَ، وهو بشرٌ مخلوقٌ مثلُهم، فقبلوا دعواه واتَّبعوه عليها.
وقد عاينوا الآياتِ الباهرةَ، والسلطانَ المبينَ الذي كان مع موسى عليه السلام، وعلموا أنَّ الرشدَ والحقَّ معه، ثم مع ذلك عدلوا عن اتباعِه إلى اتباعِ من لا رشدَ في أمرِه أصلًا، ولا صلاحَ في عاقبتِه، ولا حُسنَ مآلٍ.
﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمْ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ(98)﴾
﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾
أي: يتقدَّمهم؛ فإنَّ كلَّ إنسانٍ يُحشَرُ يومَ القيامةِ مع إمامِه الذي كان يقتدي به في الدُّنيا. فهؤلاء يُحشَرون مع فرعونَ، كما يُحشَرُ كلُّ صاحبِ ضلالةٍ مع أهلِ الضلالةِ الذين كان على طريقِهم: فمَن كان ينفي القَدَرَ يُحشَرُ مع نفاةِ القَدَرِ، ومَن كان يُشبِّهُ اللهَ تعالى ويُجسِّمُه يُحشَرُ مع المُشبِّهةِ والمُجسِّمةِ، ومَن كان جافيًا نافيًا يُحاربُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ويُعادِي أنبياءَ اللهِ، وينهى عن زيارتِهم، يُحشَرُ مع الجُفاةِ النُّفاةِ.
وأمَّا أتباعُ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، الذين هم على الحقِّ من أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ، فيُحشَرون مع محمَّدٍ عليه الصلاةُ والسلام.
وفي قوله تعالى:
﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾
إيضاحٌ لحالِه؛ أي: يتقدَّمهم وهو على عَقِبِه، بيانًا لعاقبةِ أمرِه، فكأنَّه قيلَ: كيف يكونُ أمرُهُ رشيدًا، وهذه نهايتُه؟
والرُّشدُ يُستعملُ في كلِّ ما يُحمَدُ ويُرتَضى، كما يُستعملُ الغَيُّ في كلِّ ما يُذَمُّ. ويُقال: قدَّمَهُ بمعنى تقدَّمَهُ.
﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾
أي: أدخلهم النَّارَ. وجاءَ التعبيرُ بلفظِ الماضي؛ لأنَّ الماضي يدلُّ على أمرٍ محقَّقٍ مقطوعٍ به، فكأنَّه قيلَ: يتقدَّمهم فيُوردهم النَّارَ لا محالةَ. فكما كان قدوةً لهم في الضَّلالِ في الدُّنيا، كان متقدِّمًا لهم إلى النَّارِ في الآخرةِ، وهم يتبعونه.
﴿وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾
﴿الْوِرْدُ﴾
هو المورِدُ
و﴿الْمَوْرُودُ﴾
هو الذي يُورَدُ إليه. وقد شُبِّهَ فرعونُ بالفارِطِ الذي يتقدَّمُ الواردةَ إلى الماءِ، وشُبِّهَ أتباعُه بالواردةِ، ثم قيلَ:
﴿وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾
أي: بئسَ ما يَرِدونَه؛ إذ يَرِدونَ النَّارَ.
فالورودُ إنما يُطلَبُ عادةً لتسكينِ العطشِ، والماءُ هو المقصودُ بذلكَ، أمَّا النَّارُ فهي ضدُّه، فكان ذلكَ أبلغَ في الذمِّ، وأشدَّ في بيانِ سوءِ العاقبةِ.
﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَٰذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (99)﴾
﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَٰذِهِ﴾
أي: في هذه الدُّنيا؛ فما الذي أُتْبِعوا به في الدُّنيا؟
﴿لَعْنَةً﴾
أي: أُتْبِعوا في هذه الدُّنيا لعنةً، فكانوا ملعونين فيها.
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾
أي: ويُلْعَنون كذلك يومَ القيامةِ؛ فاجتمعتْ عليهم اللَّعنةُ في الدُّنيا والآخرةِ.
﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾
الرِّفْدُ: هو العَوْنُ والعَطَاءُ.
والمعنى: بئسَ العَوْنُ الذي أُعِينوا به، وبئسَ العطاءُ الذي أُعْطُوه؛ أي: أيُّ عَوْنٍ هذا الذي ينتهي بهم إلى اللَّعنةِ والهلاكِ؟ وهل يُغني عنهم فرعونُ شيئًا أو ينفعُهم في هذا المصيرِ؟
﴿ذَٰلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَىٰ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ ۖ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ(100)﴾
﴿ذَٰلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَىٰ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾
أي: ذلكَ الذي ذُكِرَ لك يا سيِّدَنا محمَّدُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هو بعضُ أخبارِ القُرَى، نَقُصُّهُ عليكَ إخبارًا وتعليمًا وتثبيتًا.
فقد قُصَّ في هذه السُّورةِ شيءٌ من أخبارِ الأنبياءِ: نوحٍ، وهودٍ، وصالحٍ، ولوطٍ، وشعيبٍ، وموسى عليهم الصلاةُ والسلامُ، وكلُّ ذلك إخبارٌ لك يا رسولَ اللهِ.
﴿مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾
أي: من تلكَ القُرَى المُهْلَكَةِ ما هو قائمٌ باقٍ الأثرِ، ومنها ما هو حَصِيدٌ، أي: داثرٌ لا أثرَ له، كحالِ الزَّرعِ؛ فمنه ما يبقى قائمًا على ساقِهِ، ومنه ما يُحْصَدُ فيزولُ أثرُه.
﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ۖ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ(101)﴾
﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾
أي: ما ظلمناهم بإهلاكِنا إيَّاهم، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾؛ فقد بعثَ اللهُ تعالى إليهم الأنبياءَ الذين اصطفاهم، وهم صفوةُ الخَلْق: أفصحُ الناسِ لسانًا، وأعظمُهم خُلُقًا، وأجملُهم هيئةً، وأكثرُهم صبرًا، فقامتِ الحُجَّةُ عليهم.
فإذا عذَّبهم اللهُ تعالى، فلا يكونُ ظالمًا؛ لأنَّ الظُّلمَ مُستحيلٌ على اللهِ تعالى، واللهُ يفعلُ ما يشاء، وليس واجبًا عليه إرسالُ الرُّسُل، بل يَفعلُ ما يريدُ، وهو منزَّهٌ عن الظُّلم.
﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾
أي: ظلموا أنفسَهم بارتكابِ ما استوجبوا به الهلاك.
ولا يجوزُ لأحدٍ إذا ظُلِمَ أن يقول لظالمِه: «اللهُ يَظلمُك كما ظلمتَني»، فإنَّ نِسبةَ الظُّلمِ إلى اللهِ شَتْمٌ وتنقُّصٌ، تعالى اللهُ عن ذلك علوًّا كبيرًا.
﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ﴾
أي: ما نَفَعَتْهم آلهتُهم التي كانوا يعبدونها، وهل دَفَعَتْ عنهم العذابَ؟ كلا؛ فما استطاعتْ أن تَرُدَّ عنهم بأسَ اللهِ شيئًا.
وقوله:
﴿يَدْعُونَ﴾
حكايةُ حالٍ ماضية.
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾
أي: حين جاء عذابُ اللهِ تعالى ونزل أمرُه.
﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾
أي: غيرَ تخسيرٍ وإهلاكٍ.
والتَّتْبيبُ: التَّخسيرُ؛ يُقال: تَبَّ إذا خَسِر، ومنه قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾، ويُقال: تَبَّبَهُ غيرُه إذا أوقعه في الخُسران.
فالمعنى: ما أفادتهم عبادةُ غيرِ اللهِ شيئًا، بل زادتهم هلاكًا وضلالًا.
﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ(102)﴾
﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ﴾
أي: ومِثْلُ ذلك الأخذِ الشديدِ يكونُ أَخْذُ ربِّكَ.
﴿إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ﴾
أي: إذا أخذ أهلَ القرى بالعذاب.
﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾
حالٌ من القُرى، أي: والحالُ أنَّ أهلَها ظالمون.
﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾
أي: مؤلمٌ موجِعٌ، شديدٌ عظيمُ الوَقْعِ على مَن أُخِذَ به.
وفي هذا تحذيرٌ لكلِّ قريةٍ ظالمةٍ، من كُفَّارِ مكَّةَ وغيرِهم؛ فعلى كلِّ ظالمٍ أن يُبادِرَ بالتوبةِ، ولا يَغتَرَّ بالإمهال، فإنَّ الإمهالَ ليس إهمالًا.