بسم الله الرحمن الرحيم
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَۖ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ إِذۡنِهِۦۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (3)﴾.
﴿إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾
أَيْ: اسْتَوْلَىٰ؛ فَإِنَّ لَفْظَ «اسْتَوَى» فِي لُغَةِ الْعَرَبِ يَحْتَمِلُ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ مَعْنًى، بَعْضُهَا يَخُصُّ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، وَلا يَجُوزُ إِطْلَاقُهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ وَصْفُهُ سُبْحَانَهُ بِهِ.
وَقَدْ جَاءَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾، أَيْ: اسْتَقَرَّتْ. فَلا يَصِحُّ، وَلا يَجُوزُ، وَصْفُ اللَّهِ تَعَالَى بِالِاسْتِقْرَارِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ، وَمُنَزَّهٌ عَنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ.
وَيَسْتَحِيلُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ مَكَانٍ إِلَىٰ مَكَانٍ، أَوْ أَنْ يُفَارِقَ مَكَانًا إِلَىٰ مَكَانٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ الْمَكَانَ خَلْقُ اللَّهِ، كَمَا أَنَّ الزَّمَانَ خَلْقُ اللَّهِ. فَالَّذِي خَلَقَ الْمَكَانَ مَوْجُودٌ سُبْحَانَهُ قَبْلَ خَلْقِ الْمَكَانِ بِلَا مَكَانٍ، وَالَّذِي خَلَقَ الزَّمَانَ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ.
وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ الَّذِي خَلَقَ الْعَرْشَ؛ لم يخَلَقَهُ احْتِيَاجًا له لَا افْتِقَارًا لَهُ فهَذَا مُحَالٌ. بَلْ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْعَرْشَ إِظْهَارًا لِقُدْرَتِهِ.
وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَبُو مَنْصُورٍ عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ الْبَغْدَادِيُّ فِي كِتَابِهِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْفِرَقِ، عِنْدَ ذِكْرِ عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَبَيَانِ الْأُصُولِ الَّتِي أَجْمَعَتْ عَلَيْهَا هَذِهِ الْأُمَّةُ، أَنَّهُ قَالَ:
«وَأَجْمَعُوا» أَيْ: أَهْلَ السُّنَّةِ «عَلَىٰ أَنَّهُ» أَيْ: اللَّهَ «لَا يَحْوِيهِ مَكَانٌ، وَلَا يَجْرِي عَلَيْهِ زَمَانٌ».
وَقَالَ الْإِمَامُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «كَانَ اللَّهُ وَلَا مَكَانَ، وَهُوَ الْآنَ عَلَىٰ مَا عَلَيْهِ كَانَ».
وَقَالَ أَيْضًا: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْعَرْشَ إِظْهَارًا لِقُدْرَتِهِ، وَلَمْ يَتَّخِذْهُ مَكَانًا لِذَاتِهِ».
وَمِنْ مَعَانِي «اسْتَوَى» فِي لُغَةِ الْعَرَبِ: الْقَهْرُ، وَالْحِفْظُ، وَالِاسْتِيلَاءُ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُوصَفُ بِالْقَهَّارِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾، وَيُوصَفُ بِالْقَاهِرِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: إِنَّ «الْفَوْقِيَّةَ» هُنَا فَوْقِيَّةُ اسْتِعْلَاءٍ بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ، لَا فَوْقِيَّةَ مَكَانٍ؛ لِأَنَّ الْفَوْقِيَّةَ بِمَعْنَى الْجِهَةِ مُسْتَحِيلَةٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى. فَالْعُلُوُّ بِالْجِهَةِ وَالْمَكَانِ مُحَالٌ فِي حَقِّهِ سُبْحَانَهُ.
وَاللَّهُ هُوَ الْعَلِيُّ؛ وَلِلَّهِ صِفَةُ الْعُلُوِّ، وَلَكِنَّهُ عُلُوُّ الْعَظَمَةِ، لَا عُلُوَّ الْمَكَانِ. فَلَيْسَ الشَّأْنُ فِي عُلُوِّ الْمَكَانِ.
فَمِنْ مَعَانِي «اسْتَوَى»: قَهَرَ، وَحَفِظَ، وَأَبْقَىٰ، وَاسْتَوْلَىٰ. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ وُجُودُ مُغَالَبَةٍ بَيْنَ اللَّهِ وَخَلْقِهِ؛ فَإِذَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ﴾ أَيْ: قَهَرَ الْعَرْشَ، لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ هُنَاكَ مُغَالَبَةٌ، فَاللَّهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَ الْعَرْشَ مِنَ الْأَصْلِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ السُّبْكِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «الْمُقْدِمُ عَلَىٰ تَفْسِيرِ الِاسْتِوَاءِ بِالِاسْتِيلَاءِ لَمْ يَرْتَكِبْ مَحْذُورًا، وَلَمْ يَقَعْ فِيمَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ».
وَلَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ قَاهِرًا ثُمَّ طَرَأَتْ عَلَيْهِ صِفَةُ الْقَهْرِ أَوِ الِاسْتِيلَاءِ؛ فَهَذَا بَاطِلٌ. فَإِنَّ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ، لَا تَطْرَأُ عَلَيْهَا الْحُدُوثُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ — وَهُوَ مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ، وَمِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ — فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ﴾: إِنَّ «ثُمَّ» هُنَا بِمَعْنَى الْوَاوِ؛ أَيْ: وَقَدِ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ. وَالْمَعْنَى أَنَّ الْعَرْشَ مَقْهُورٌ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ أَيْ: لَا يَخْرُجُ عَمَّا أَرَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَلَوْ أَرَادَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لَدَكَّ الْعَرْشَ وَمَا تَحْتَهُ، وَلَكِنَّهُ حَفِظَهُ. فَالْعَرْشُ دَائِمًا سَاكِنٌ، كَمَا أَنَّ السَّمَاءَ دَائِمًا سَاكِنَةٌ. وَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْضَ الْمَخْلُوقَاتِ مُتَحَرِّكَةً دَائِمًا كَالنُّجُومِ، وَجَعَلَ بَعْضَهَا سَاكِنًا دَائِمًا، كَالسَّمَاءِ وَالْعَرْشِ، وَجَعَلَ بَعْضَهَا سَاكِنًا فِي أَحْيَانٍ وَمُتَحَرِّكًا فِي أَحْيَانٍ، كَالْبَشَرِ.
وَالْعَرْشُ أَكْبَرُ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ حَجْمًا؛ فَلَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ حَجْمًا أَعْظَمَ مِنْهُ، وَلَوْ شَاءَ لَخَلَقَ أَعْظَمَ مِنْهُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
وَمَا خَلَقَ اللَّهُ الْعَرْشَ لِيَجْلِسَ عَلَيْهِ — حَاشَاهُ سُبْحَانَهُ — فَلَا يَجُوزُ تَفْسِيرُ الِاسْتِوَاءِ بِالْجُلُوسِ. فَالْجُلُوسُ صِفَةُ مَخْلُوقٍ، وَلَا تَصِحُّ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَدْ صَرَّحَ إِمَامُنَا الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ مَنْ نَسَبَ الْقُعُودَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَكُونُ مُسْلِمًا، كَمَا نَقَلَ ذَلِكَ الْإِمَامُ ابْنُ الْمُعَلِّمِ الْقُرَشِيُّ فِي كِتَابِهِ نَجْمُ الْمُهْتَدِي وَرَجْمُ الْمُعْتَدِي.
وَكَمَا نَقَلَ الْإِمَامُ السُّيُوطِيُّ فِي الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ عَنِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ نَسَبَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الْجِسْمِيَّةَ فَلَا يَكُونُ مُسْلِمًا».
فَالْجُلُوسُ لَا يَكُونُ إِلَّا لِجِسْمٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ بِجِسْمٍ. وَمَنْ يَجْلِسُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَعْلَىٰ وَأَسْفَلُ، وَيَكُونَ مَحْدُودًا: إِمَّا أَكْبَرَ مِمَّا قَعَدَ عَلَيْهِ، أَوْ أَصْغَرَ، أَوْ مُسَاوِيًا لَهُ، وَاللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ.
وَالْقُرْآنُ الْكَرِيمُ كَالشَّمْسِ: تَرَاهَا الْبَصِيرُ، وَلَا يَرَاهَا الْأَعْمَى.
أَهْلُ الْخُشُوعِ وَالْخُضُوعِ، عِنْدَمَا يَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ، تَجِدُ قُلُوبَهُمْ تَخْشَعُ: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ﴾؛ إِذْ يَدُلُّهُمْ هَذَا الْخَلْقُ الْعَظِيمُ عَلَىٰ عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
أَمَّا أَهْلُ التَّشْبِيهِ وَالتَّجْسِيمِ، أَهْلُ الْبِدَعِ، الَّذِينَ أَعْمَى اللَّهُ تَعَالَىٰ أَبْصَارَهُمْ عَنْ هَذِهِ الشَّمْسِ، وَعَنْ نُورِ الْقُرْآنِ، فَإِذَا قَرَءُوا هَذِهِ الْآيَةَ — وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ — قَالُوا: «اللَّهُ جَالِسٌ»!
فَنَقُولُ لَهُمْ: هَلْ سَمِعْتُمْ وَاحِدًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ يُسَمِّي وَلَدَهُ «عَبْدَ الْقَاعِدِ» أَوْ «عَبْدَ الْجَالِسِ»؟!
ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ جَاءَتْ فِي سِيَاقِ الْمَدْحِ لِلَّهِ تَعَالَىٰ، وَإِذَا نَظَرْتُمْ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي ذُكِرَ فِيهَا الِاسْتِوَاءُ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي مَرَّ مَعَنَا، وَجَدْتُمُوهَا كُلَّهَا فِي سِيَاقِ الْمَدْحِ.
فَقَوْلُهُ تَعَالَىٰ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ﴾، لَوْ قِيلَ إِنَّ مَعْنَاهُ «جَلَسَ»، فَأَيْنَ الْمَدْحُ لِلَّهِ؟!
إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَمْدَحَ إِنْسَانًا، أَتَقُولُ لَهُ: «قُمْ يَا جَالِسُ»؟! أَيْنَ الْمَدْحُ فِي هَذَا؟! فَكَذَلِكَ: أَيْنَ الْمَدْحُ لِلَّهِ إِذَا قِيلَ: «جَلَسَ عَلَى الْعَرْشِ»؟!
بَلْ إِنَّ هَذِهِ الْمَقَالَةَ مَا هِيَ إِلَّا عَقِيدَةُ الْيَهُودِ؛ فَقَدْ قَالَ الْيَهُودُ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ تَعِبَ بَعْدَ ذَلِكَ فَاسْتَلْقَىٰ عَلَىٰ قَفَاهُ! فَنِسْبَةُ الْجُلُوسِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَىٰ عَقِيدَةٌ يَهُودِيَّةٌ، وَلَيْسَتْ عَقِيدَةَ الْمُسْلِمِينَ.
وَلِذَلِكَ فَمَنْ يَخْدِمُ الْيَهُودَ هُوَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهَذِهِ الْعَقِيدَةِ، وَلَكِنَّهُمْ يُمَوِّهُونَ عَلَى النَّاسِ، فَيَقُولُونَ: «نَحْنُ نَلْتَزِمُ النَّصَّ».
فَنَقُولُ لَهُمْ: أَنْتُمْ مَا صَدَّقْتُمُ النَّصَّ؛ لِأَنَّ النَّصَّ هُوَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ﴾، فَمِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ بِقَوْلِكُمْ: «جَلَسَ عَلَى الْعَرْشِ»؟!
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ: «اسْتَوَىٰ كَمَا أَخْبَرَ، لَا كَمَا يَخْطُرُ لِلْبَشَرِ».
وَمَا الَّذِي يَخْطُرُ لِلْبَشَرِ؟ الْجُلُوسُ، وَالْقُعُودُ، وَالِاسْتِقْرَارُ، وَالتَّمَامُ.
أَمَّا فِي حَقِّ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ، فَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنِ الْكَيْفِيَّةِ، أَيْ: عَنْ صِفَاتِ الْخَلْقِ.
وَتُعْجِبُهُمْ رِوَايَةٌ لَيْسَتْ صَحِيحَةً، يَرْوُونَهَا عَنْ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَهِيَ قَوْلُهُمْ: «الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ، وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ». فَنَقُولُ لَهُمْ: لَمْ تَصِحَّ رِوَايَةُ «وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ»؛ لِأَنَّ قَوْلَ «الْكَيْفُ مَجْهُولٌ» يَعْنِي أَنَّ هُنَاكَ كَيْفًا، وَلَكِنَّنَا نَجْهَلُهُ! وَهَذَا بَاطِلٌ؛ كَمَنْ يَقُولُ: «لِلَّهِ جُلُوسٌ وَلَكِنَّنَا نَجْهَلُ كَيْفِيَّتَهُ» — وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ.
وَالصَّحِيحُ عَنْ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ قَالَ: «الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ»؛ أَيْ: مَعْلُومُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ، «وَلَا يُقَالُ كَيْفَ»، «وَالْكَيْفُ عَنْهُ مَرْفُوعٌ».
وَهَذَا كَمَا قَالَ الْإِمَامُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «لَا يُقَالُ كَيْفَ لِمَنْ كَيَّفَ الْكَيْفَ، وَلَا يُقَالُ أَيْنَ لِمَنْ أَيْنَ الْأَيْنَ».
فَلَا نَقُولُ عَنِ اللَّهِ: مَتَىٰ هُوَ، وَلَا كَيْفَ هُوَ، وَلَا أَيْنَ هُوَ؛ بَلْ نُنَزِّهُ اللَّهَ تَعَالَىٰ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَنَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ مَوْجُودٌ بِلَا كَيْفٍ وَلَا مَكَانٍ.
قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. وَفِي مِثْلِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ يُقَالُ أَحَدُ أَمْرَيْنِ:
إِمَّا أَنْ يُقَالَ: «اسْتَوَىٰ كَمَا أَخْبَرَ، لَا كَمَا يَخْطُرُ لِلْبَشَرِ» وَهَذَا قَوْلُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ، وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهَا آيَةٌ مُتَشَابِهَةٌ، وَالْآيَاتُ الْمُتَشَابِهَاتُ لَا تُؤْخَذُ عَلَىٰ ظَاهِرِهَا، بَلْ تُرَدُّ إِلَى الْمُحْكَمِ، مَا دَامَ قَدْ قَامَ الدَّلِيلُ، كَمَا قَالَ تَعَالَىٰ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾.
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ، مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ، وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾.
فَنَرُدُّ الْمُتَشَابِهَ إِلَى الْمُحْكَمِ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ الرِّفَاعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «صُونُوا عَقَائِدَكُمْ عَنِ التَّمَسُّكِ بِظَاهِرِ مَا تَشَابَهَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أُصُولِ الْكُفْرِ». أَيْ: إِنَّ الْأَخْذَ بِظَاهِرِ الْمُتَشَابِهَاتِ يُؤَدِّي إِلَى الْكُفْرِ.
فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَلَسَ عَلَى الْعَرْشِ. بَلْ نَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْعَرْشَ إِظْهَارًا لِقُدْرَتِهِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إِذَا كَانَ اللَّهُ قَدْ خَلَقَ الْعَرْشَ إِظْهَارًا لِقُدْرَتِهِ، وَنَحْنُ لَا نَرَى الْعَرْشَ، فَأَيْنَ إِظْهَارُ الْقُدْرَةِ؟
نَقُولُ: هُنَاكَ مَلَائِكَةٌ لَا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهُ، يُحِيطُونَ بِالْعَرْشِ، وَيَدُورُونَ حَوْلَهُ، وَيُسَبِّحُونَ اللَّهَ بِحَمْدِهِ.
هَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَةُ، عِنْدَمَا يَرَوْنَ هَذَا الْجِرْمَ الْعَظِيمَ الَّذِي لَا يَعْلَمُ حَدَّهُ إِلَّا اللَّهُ، يَزْدَادُونَ يَقِينًا بِكَمَالِ قُدْرَةِ اللَّهِ.
وَالْمَلَائِكَةُ خِلْقَتُهُمْ عَظِيمَةٌ؛ فَبَعْضُهُمْ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَىٰ عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ، بِاعْتِبَارِ طَيَرَانِ الطَّيْرِ. فَهَؤُلَاءِ، مَعَ عِظَمِ خِلْقَتِهِمْ، إِذَا رَأَوُا الْعَرْشَ الَّذِي لَا يَعْلَمُ حَدَّهُ إِلَّا اللَّهُ، يَزْدَادُونَ خَشْيَةً لِلَّهِ، وَعِلْمًا بِكَمَالِ قُدْرَتِهِ.
فَلِهَذَا خَلَقَ اللَّهُ الْعَرْشَ، لَا لِيَجْلِسَ عَلَيْهِ؛ فَالْجُلُوسُ مِنْ صِفَاتِ الْخَلْقِ. الْإِنْسَانُ يَجْلِسُ، وَالْكَلْبُ يَجْلِسُ، وَالْبَقَرُ يَجْلِسُ. وَالْجُلُوسُ، سَوَاءٌ كَانَ قرْفصَاءَ، أَوْ تَرَبُّعًا، أَوْ إِقْعَاءً كَالْكَلْبِ، أَوْ افْتِرَاشًا؛ فَالْجُلُوسُ جُلُوسٌ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهِ.
فَمَنْ أَثْبَتَ ذَلِكَ لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَكُونُ مُسْلِمًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ كَشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ.
وَهَكَذَا تَكُونُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ: بِالْإِيمَانِ بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ مَوْجُودٌ، لَا يُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ خَلْقِهِ. وَلَيْسَتْ مَعْرِفَةُ اللَّهِ أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّهُ جِسْمٌ فَوْقَ الْعَرْشِ بِقَدْرِ الْعَرْشِ.
وَمُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ مَا قَالَهُ إِمَامٌ كَبِيرٌ مِنَ السَّلَفِ، وَهُوَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «وَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ بِمَعْنًى مِنْ مَعَانِي الْبَشَرِ فَقَدْ كَفَرَ».
وَالْعَرْشُ أَكْبَرُ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ الْحَجْمُ، فَهُوَ أَعْظَمُ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ حَجْمًا. وَالسَّمَاءُ الدُّنْيَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَرْشِ كَقَطْرَةٍ مِنْ بَحْرٍ، وَهَذِهِ الْأَرَاضِي السَّبْعُ وَالسَّمَاوَاتُ السَّبْعُ، بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَرْشِ، فِي جَنْبِهِ كَقَطْرَةٍ بِجَنْبِ الْبَحْرِ.
وَاللَّهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي خَلَقَ الْمَكَانَ. وَتَعْرِيفُ الْمَكَانِ: مَا يَمْلَؤُهُ الْحَجْمُ مِنَ الْفَرَاغِ. فَالْفَرَاغُ مَكَانٌ.
فَهَذَا الْفَرَاغُ الَّذِي بَيْنَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، وَبَيْنَ سَمَاءٍ وَسَمَاءٍ، وَبَيْنَ السَّمَاءِ وَالْكُرْسِيِّ، وَبَيْنَ الْكُرْسِيِّ وَالْعَرْشِ؛ كُلُّهُ مَكَانٌ.
النُّجُومُ مَكَانُهَا هَذَا الْفَرَاغُ، مَعَ أَنَّهَا لَا تَعْتَمِدُ عَلَىٰ شَيْءٍ جَامِدٍ. أَمَّا الْإِنْسَانُ، فَمَكَانُهُ هَذِهِ الْأَرْضُ، مَعَ اتِّصَالِهِ بِهَا.
فَالَّذِي يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ فِي فَرَاغِ الْعَرْشِ» هُوَ كَالَّذِي يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ قَاعِدٌ عَلَى الْعَرْشِ»؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ لِلَّهِ الْمَكَانَ.
وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ شَبَّهُوا اللَّهَ بِخَلْقِهِ، وَأَثْبَتُوا لَهُ الْمَكَانَ، لَا يَكُونُونَ مُسْلِمِينَ.
فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ فِي مَكَانٍ، أَوْ أَنْ يَكُونَ فِي جِهَةٍ.
﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾.
﴿يُدَبِّرُ﴾: أَيْ يَقْضِي وَيُقَدِّرُ عَلَىٰ مُقْتَضَى الْحِكْمَةِ. فَكُلُّ شَيْءٍ بِخَلْقِ اللَّهِ، وَبِإِيجَادِ اللَّهِ، وَبِتَدْبِيرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. كُلُّ شَيْءٍ بِخَلْقِ اللَّهِ وَبِتَدْبِيرِهِ.
وَعِنْدَمَا نَقُولُ: يَجِبُ الْإِيمَانُ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ؛ فَالْقَضَاءُ مَعْنَاهُ: إِيجَادُ اللَّهِ لِلْأَشْيَاءِ، وَالْقَدَرُ مَعْنَاهُ: تَدْبِيرُ اللَّهِ تَعَالَى لِلْأَشْيَاءِ. فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا مَعْنًى، وَلَيْسَا شَيْئًا وَاحِدًا.
فَنَحْنُ نُؤْمِنُ بِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ هُوَ بِإِيجَادِ اللَّهِ وَبِتَدْبِيرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَاللَّهُ تَعَالَى حَكِيمٌ؛ خَلَقَ الْجَنَّةَ وَالسَّعِيرَ، وَخَلَقَ فَرِيقَيْنِ: خَلَقَ الْمُؤْمِنِينَ، وَخَلَقَ الْكَافِرِينَ. أَمَرَ اللَّهُ جَمِيعَ الْعِبَادِ بِالْإِيمَانِ، وَلَكِنَّهُ شَاءَ الْإِيمَانَ لِبَعْضِ عِبَادِهِ. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُعَاقِبُ اللَّهُ تَعَالَى الْكَافِرِينَ فِي الْآخِرَةِ.
وَاللَّهُ حَكِيمٌ فِي ذَلِكَ، فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَى اللَّهِ. وَلَا يُقَالُ: إِذَا كَانَ كُلُّ شَيْءٍ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، فَكَيْفَ يُعَاقِبُ الْعِبَادَ الْكَافِرِينَ فِي الْآخِرَةِ؟
﴿الْأَمْرُ﴾:
أَيْ أَمْرَ الْخَلْقِ كُلِّهِ، وَأَمْرَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْعَرْشِ. وَلَمَّا ذَكَرَ سُبْحَانَهُ مَا يَدُلُّ عَلَىٰ عَظَمَتِهِ وَمُلْكِهِ، مِنْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَالِاسْتِوَاءِ عَلَى الْعَرْشِ، أَتْبَعَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ؛ زِيَادَةً فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْعَظَمَةِ، وَبَيَانًا أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ أَمْرٌ مِنَ الْأُمُورِ عَنْ قَضَائِهِ وَتَقْدِيرِهِ.
مَا أَعْظَمَ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ!
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ إِثْبَاتُ تَنْزِيهِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ مُشَابَهَةِ الْمَخْلُوقِينَ؛ فَفِيهَا إِثْبَاتُ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ جِسْمًا، وَأَنَّهُ تَعَالَى يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ الْجُلُوسُ، وَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ التَّحَيُّزُ فِي الْمَكَانِ. وَفِيهَا أَيْضًا إِثْبَاتُ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ أَمْرٌ مِنَ الْأُمُورِ عَمَّا أَرَادَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾:
دَلِيلٌ عَلَىٰ عِزَّتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ؛ وَالْكِبْرِيَاءُ هُنَا بِمَعْنَى الْعَظَمَةِ.
﴿ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾.
﴿ذَٰلِكُم﴾:
أَيْ الْعَظِيمُ الْمَوْصُوفُ بِمَا وُصِفَ بِهِ.
﴿اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾:
أَيْ هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ، فَلَا يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ إِلَّا اللَّهُ.
﴿فَاعْبُدُوهُ﴾:
أَيْ وَحِّدُوهُ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا مِنْ خَلْقِهِ؛ لَا إِنْسَانًا، وَلَا مَلَكًا، فَضْلًا عَنْ جَمَادٍ لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ.
﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾:
أَيْ أَفَلَا تَتَدَبَّرُونَ، فَتَسْتَدِلُّونَ بِوُجُودِ الْمَصَالِحِ وَالْمَنَافِعِ عَلَىٰ وُجُودِ الْمُصْلِحِ النَّافِعِ، الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، وَالَّذِي خَلَقَ الْعَرْشَ، وَالَّذِي خَلَقَ هَذَا الْعَالَمَ.
أَوَّلُ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: الْمَاءُ، ثُمَّ بَعْدَ الْمَاءِ خَلَقَ اللَّهُ الْعَرْشَ، ثُمَّ بَعْدَ الْعَرْشِ خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ، ثُمَّ بَعْدَ الْقَلَمِ خَلَقَ اللَّهُ اللَّوْحَ الْمَحْفُوظَ. ثُمَّ أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْقَلَمَ، فَكَتَبَ كُلَّ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَبَعْدَ خَلْقِ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ، بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ.