بسم الله الرحمن الرحيم
﴿إِلَيۡهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعًاۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقًّاۚ إِنَّهُۥ يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ بِٱلۡقِسۡطِۚ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمۡ شَرَابٌ مِّنۡ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡفُرُونَ (4) هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمۡسَ ضِيَآءً وَٱلۡقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ لِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٍ يَعۡلَمُونَ (5) إِنَّ فِي ٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٍ لِّقَوۡمٍ يَتَّقُونَ (6) إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَٱطۡمَأَنُّواْ بِهَا وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِنَا غَٰفِلُونَ (7) أُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ (8)﴾
﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا ۖ وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا ۚ إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ ۚ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ(4)﴾
﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾
حالٌ؛ أي: لا تَرْجِعُونَ في العاقِبَةِ إِلَّا إِلَيْهِ، فَاسْتَعِدُّوا لِلِقَائِهِ. وَالْمَرْجِعُ: الرُّجُوعُ، أَوْ مَكَانُ الرُّجُوعِ.
﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾
﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾.
﴿حَقًّا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾.
إِلَى اللَّهِ الْمَرْجِعُ، وَإِلَيْهِ الْمَآلُ وَالْمَصِيرُ؛ وَهُوَ سُبْحَانَهُ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ. يَتَيَقَّنُ الْعَبْدُ أَنَّ مَرْجِعَهُ بَعْدَ هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، بِأَكْدَارِهَا وَهُمُومِهَا وَأَحْزَانِهَا وَفَقْرِهَا وَأَسْقَامِهَا وَبَلَائِهَا وَمُصِيبَاتِهَا، إِلَى اللَّهِ؛ فَفِي الْعَاقِبَةِ الرُّجُوعُ إِلَى رَبِّنَا الَّذِي سَيَسْأَلُنَا وَيُحَاسِبُنَا.
وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ، وَلَا حَاجِبٌ يَحْجُبُهُ».
فَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَسْأَلُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ جَمِيعَ الْعِبَادِ، مُؤْمِنَهُمْ وَكَافِرَهُمْ، عَنْ أَعْمَالِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ وَنِيَّاتِهِمْ، ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.
وَيُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِكَلَامِهِ الْأَزَلِيِّ الْأَبَدِيِّ، الَّذِي لَيْسَ بِحَرْفٍ وَلَا بِصَوْتٍ؛ فَيَفْهَمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْعِبَادِ سُؤَالَ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ عَمَّا كَانَ مِنْ نِيَّةٍ وَقَوْلٍ وَعَمَلٍ. وَكَلَامُ اللَّهِ لَيْسَ كَكَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ؛ بَلْ هُوَ صِفَةٌ لِلَّهِ، كَمَا أَنَّهُ مُتَّصِفٌ بِالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ. وَكَمَا أَنَّ صِفَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كُلَّهَا أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ، فَكَذَلِكَ صِفَةُ الْكَلَامِ لَهُ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ.
﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾؛ فَلْنَسْتَعِدَّ ـ إِذًا ـ لِلِقَاءِ اللَّهِ، وَلْنَتَأَهَّبْ لِلسُّؤَالِ وَالْحِسَابِ؛ فَالرُّجُوعُ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَلَا مَهْرَبَ مِنْهُ. وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ».
﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾؛ هَذَا تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾، فَهُوَ وَعْدٌ مِنَ اللَّهِ، وَمُسْتَحِيلٌ عَقْلًا أَنْ يَكُونَ فِي وَعْدِ اللَّهِ خُلْفٌ. وَكَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى أَزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ، وَهُوَ وَاحِدٌ؛ لَا يُتَوَهَّمُ فِيهِ الِانْتِقَالُ مِنْ شَخْصٍ إِلَى آخَرَ بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ، فَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا كَانَ أَسْرَع الْحَاسِبِينَ ، وَلَكَانَ ـ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ ـ بُطْئًا فِي الْحِسَابِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ.
فَكَلَامُ اللَّهِ وَاحِدٌ؛ لَيْسَ مُبْتَدَأً وَلَا مختتَمًا، وَلَا مُتَجَزِّئًا؛ بَلْ هُوَ بِهِ آمِرٌ وَنَاهٍ، وَاعِدٌ وَمُتَوَعِّدٌ. وَقَدْ قَالَ عُلَمَاءُ أَهْلِ السُّنَّةِ: إِنَّ مَرْجِعَ ذَلِكَ كُلِّهِ إِلَى الْإِخْبَارِ؛ وَمَا وَعَدَ اللَّهُ بِهِ، وَمَا أَخْبَرَ عَنْهُ، فَيَسْتَحِيلُ فِيهِ الْكَذِبُ، وَيَسْتَحِيلُ فِيهِ التَّخَلُّفُ.
﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾
اسْتِئْنَافٌ، مَعْنَاهُ: التَّعْلِيلُ لِوُجُوبِ الْمَرْجِعِ إِلَيْهِ. وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَا كَانَ يَتَعَجَّبُ مِنْهُ الْمُشْرِكُونَ الْمُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ؛ فَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، فَالَّذِي ابْتَدَأَ الْخَلْقَ سُبْحَانَهُ قَادِرٌ عَلَى إِعَادَتِهِ وَبَعْثِ الْعِبَادِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. فَالْبَعْثُ حَقٌّ، وَهُوَ خُرُوجُ الْمَوْتَى مِنْ قُبُورِهِمْ بَعْدَ أَنْ تُرَدَّ إِلَيْهِمُ الْأَجْسَادُ، إِنْ كَانَتْ مِمَّا يَبْلَى، ثُمَّ يُجْمَعُونَ إِلَى الْمَحْشَرِ.
فَأَيْنَ الْعَجَبُ فِي إِثْبَاتِ الْبَعْثِ؟ وَالَّذِي بَدَأَ الْخَلْقَ سُبْحَانَهُ قَادِرٌ عَلَى إِعَادَتِهِ، لَا يَعْجِزُهُ شَيْءٌ. وَإِنْ تَفَتَّتَتِ الْأَجْسَادُ فِي قُبُورِهَا وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا عَجْبُ الذَّنَبِ، إِلَّا أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ وَشُهَدَاءِ الْمَعْرَكَةِ، وَمَنْ شَاءَ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ؛ فَإِنَّ أَجْسَادَهُمْ لَا تَبْلَى، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرُدُّ الْأَجْسَادَ، وَيَبْعَثُ الْخَلْقَ، لِيَكُونَ مَرْجِعُهُمْ جَمِيعًا إِلَيْهِ.
﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ﴾
أَيْ: إِنَّ الْحِكْمَةَ فِي ابْتِدَاءِ الْخَلْقِ وَإِعَادَتِهِ هِيَ جَزَاءُ الْمُكَلَّفِينَ عَلَى أَعْمَالِهِمْ. وَهَذَا مِنْ حِكْمَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، مَعَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى اللَّهِ شَيْءٌ؛ فَاللَّهُ هُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ، وَهُوَ الَّذِي يُعِيدُهُ.
وَيَكُونُ الْجَزَاءُ لِلْمُكَلَّفِينَ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، فَهَذَا مِنْ حِكْمَةِ بَعْثِ الْعِبَادِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. فَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَاتَّقَوْهُ، فَأَدَّوُا الْوَاجِبَاتِ، وَاجْتَنَبُوا الْمُحَرَّمَاتِ، وَتَعَلَّمُوا مَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ مِنْ عِلْمِ الدِّينِ الضَّرُورِيِّ، فَتَعَلَّمُوا الْفَرْضَ الْعَيْنِيَّ، ثُمَّ عَمِلُوا بِهَذَا الْعِلْمِ؛ فَصَارُوا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، يَكُونُ جَزَاؤُهُمْ وَإِثَابَتُهُمْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
﴿بِالْقِسْطِ﴾
أَيْ: بِالْعَدْلِ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَجْزِيَ﴾؛ أَيْ: لِيَجْزِيَهُمْ بِقِسْطِهِ، وَيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ، أَوْ بِقِسْطِهِمْ؛ أَيْ: بِمَا أَقْسَطُوا وَعَدَلُوا وَلَمْ يَظْلِمُوا حِينَ آمَنُوا، إِذِ الشِّرْكُ ظُلْمٌ.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾
أَيْ: وَقَعُوا فِيمَا هُوَ ضِدُّ الْقِسْطِ، وَضِدُّ الْعَدْلِ.
﴿لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
أَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَشَرَابُهُمُ الْحَمِيمُ، الَّذِي تَغْلِي مِنْهُ الْبُطُونُ، وَعَذَابُهُمْ فِي النَّارِ أَلِيمٌ؛ أَيْ: شَدِيدٌ مُوجِعٌ، وَاقِعٌ عَلَيْهِمْ.
﴿بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾
أَيْ: بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ تَعَالَى.
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ(5)﴾
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾
الضِّيَاءُ أَقْوَى مِنَ النُّورِ؛ فَلِذَلِكَ جَعَلَهُ اللَّهُ لِلشَّمْسِ. فَالشَّمْسُ جَعَلَهَا اللَّهُ ضِيَاءً، أَيْ نُورُهَا قَوِيٌّ، وَجَعَلَ الْقَمَرَ نُورًا. وَلَيْسَ نُورُ الْقَمَرِ مُجَرَّدَ انْعِكَاسٍ لِضَوْءِ الشَّمْسِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾؛ أَيْ: خَصَّ الشَّمْسَ بِالضِّيَاءِ، وَخَصَّ الْقَمَرَ بِالنُّورِ، مَعَ أَنَّ ضَوْءَ الشَّمْسِ أَعْظَمُ وَأَقْوَى.
وَمِنْ نَفْعِ ضَوْءِ الشَّمْسِ أَنَّهُ يَمْنَعُ تَعَفُّنَ الْمَاءِ؛ فَإِذَا أُرِيدَ حِفْظُ الْمَاءِ مِنَ التَّعَفُّنِ وُضِعَ فِي مَوْضِعٍ تُصِيبُهُ الشَّمْسُ. ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً﴾ فِيهَا نَفْعٌ عَظِيمٌ جِدًّا، وَإِنْ وُجِدَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ حَرٌّ شَدِيدٌ وَمَوْجَاتُ حَرَارَةٍ، فَمَا يُدْرِيكَ مَا أَوْدَعَ اللَّهُ فِيهَا مِنَ الْمَنَافِعِ؟! جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الشَّمْسِ عَافِيَةً، وَهَذِهِ الشَّمْسُ يُجْرِيهَا مَلَكٌ بِإِذْنِ اللَّهِ، وَتَذْهَبُ كُلَّ لَيْلَةٍ فَتَسْجُدُ تَحْتَ الْعَرْشِ.
﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ﴾
أَيْ: وَقَدَّرَ اللَّهُ مَسِيرَ الْقَمَرِ مَنَازِلَ مُعَيَّنَةً. وَكَمَا أَنَّ لِلشَّمْسِ فَلَكًا وَطَرِيقًا فِي سَيْرِهَا، فَكَذَلِكَ الْقَمَرُ؛ قَدَّرَ اللَّهُ تَعَالَى مَسِيرَهُ، فَيَظْهَرُ فِي أَحْوَالٍ مُخْتَلِفَةٍ مُنْتَظِمَةٍ.
﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ﴾
أَيْ: عَدَدَ السِّنِينَ وَالشُّهُورِ، وَاكْتُفِيَ بِذِكْرِ السِّنِينَ؛ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الشُّهُورِ.
﴿وَالْحِسَابَ﴾
أَيْ: حِسَابَ الْآجَالِ وَالْمَوَاقِيتِ الْمُقَدَّرَةِ بِالسِّنِينَ وَالشُّهُورِ. فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَحْكَامًا شَرْعِيَّةً مُرْتَبِطَةً بِالسِّنِينَ الْقَمَرِيَّةِ، أَيْ: الْهِجْرِيَّةِ؛ فَيُؤْمَرُ الصَّبِيُّ وَالصَّبِيَّةُ بِالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ إِذَا أَطَاقَا ذَلِكَ، إِذَا بَلَغَا سَبْعَ سِنِينَ قَمَرِيَّةً وَكَانَا مُـمَيِّزَيْنِ، وَيُضْرَبُ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ إِذَا تَرَكَا الصَّلَاةَ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ الَّتِي تَعَلَّقَتْ بِهَذِهِ الْأَوْقَاتِ.
﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾
أَيْ: مَا خَلَقَ اللَّهُ هَذَا الْمَذْكُورَ إِلَّا مُتَلَبِّسًا بِالْحَقِّ، وَهُوَ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ؛ فَلَمْ يَخْلُقِ الشَّمْسَ وَلَا الْقَمَرَ عَبَثًا، بَلْ خَلَقَهُمَا لِغَايَةٍ وَحِكْمَةٍ.
﴿يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾
أَيْ: يَبْسُطُهَا وَيُبَيِّنُهَا؛ فَيَنْتَفِعُ بِهَا مَنْ يَتَأَمَّلُ وَيَعْلَمُ. فَإِذَا نَظَرَ الْعَبْدُ إِلَى الشَّمْسِ وَمَسِيرِهَا، اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى عَظَمَةِ اللَّهِ، وَإِذَا نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ وَنِظَامِهِ، اسْتَدَلَّ كَذَلِكَ عَلَى عَظَمَةِ الْخَالِقِ عَزَّ وَجَلَّ. شَمْسٌ عَظِيمَةٌ خَلَقَهَا اللَّهُ، لَهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مَسَارٌ، لَا تَسِيرُ فِي مَسَارِ الْيَوْمِ الَّذِي قَبْلَهُ، بَلْ تَجْرِي بِنِظَامٍ دَقِيقٍ مُحْكَمٍ.
﴿يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ فَنَنْتَفِعُ بِالتَّأَمُّلِ فِيهَا. وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: «تَفَكَّرُوا فِي خَلْقِ اللَّهِ، وَلَا تَتَفَكَّرُوا فِي ذَاتِ اللَّهِ». فَقَدْ أُمِرْنَا بِالتَّفَكُّرِ فِي خَلْقِ اللَّهِ، وَنُهِينَا عَنِ التَّفَكُّرِ فِي ذَاتِهِ؛ فَنَنْظُرُ فِي خَلْقِهِ، نَنْظُرُ إِلَى الشَّمْسِ، وَنَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! هَذِهِ الشَّمْسُ جِسْمٌ، وَالْقَمَرُ جِسْمٌ، وَالْكَوَاكِبُ أَجْسَامٌ، وَالْأَرْضُ جِسْمٌ، وَهِيَ كُلُّهَا مُتَغَيِّرَةٌ؛ فَالَّذِي خَلَقَهَا عَظِيمٌ، ﴿ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾. وَالَّذِي خَلَقَهَا لَا يُشْبِهُهَا؛ فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يُشْبِهَهَا، فَاللَّهُ لَيْسَ جِسْمًا، وَلَا حَجْمًا، وَلَا مُتَغَيِّرًا. فَانْظُرُوا كَيْفَ نَسْتَدِلُّ ـ عِنْدَمَا نَنْظُرُ فِي الْخَلْقِ ـ عَلَى عَظَمَةِ الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ(6)﴾
﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾
أَيْ: فِي مَجِيءِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَلْفَ الْآخَرِ عَلَى نِظَامٍ مُحْكَمٍ، أَوْ فِي اخْتِلَافِ لَوْنَيْهِمَا وَأَحْوَالِهِمَا، وَمَا يَتَعَاقَبُ فِيهِمَا مِنْ نُورٍ وَظُلْمَةٍ، وَسُكُونٍ وَحَرَكَةٍ.
﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
أَيْ: وَفِي جَمِيعِ مَا أَوْجَدَهُ اللَّهُ فِيهِمَا مِنْ أَنْوَاعِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَتَعَدُّدِهَا، وَاخْتِلَافِ صُوَرِهَا، وَإِحْكَامِ نِظَامِهَا.
﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾
خَصَّهُمْ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُمْ يَخَافُونَ الْآخِرَةَ، فَيَحْمِلُهُمُ الْحَذَرُ عَلَى النَّظَرِ وَالتَّأَمُّلِ وَالِاعْتِبَارِ، فَيَنْتَفِعُونَ بِهَذِهِ الْآيَاتِ أَعْظَمَ الِانْتِفَاعِ.
﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ(7)﴾
﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾
أَيْ: لَا يَتَوَقَّعُونَ لِقَاءَ اللَّهِ أَصْلًا، وَلَا يُخْطِرُونَهُ بِبَالِهِمْ؛ لِغَفْلَتِهِمْ عَنِ التَّفَطُّنِ لِلْحَقَائِقِ. أَوْ لَا يَأْمَلُونَ حُسْنَ لِقَائِنَا كَمَا يَأْمَلُهُ السُّعَدَاءُ، أَوْ لَا يَخَافُونَ سُوءَ لِقَائِنَا وَمَا فِيهِ مِنْ شِدَّةِ الْعَذَابِ، أَوْ لَا يَخَافُونَ ذَلِكَ الْخَوْفَ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُخَافَ.
﴿وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
أَيْ: رَضُوا بِهَا بَدَلًا مِنَ الْآخِرَةِ، وَآثَرُوا الْقَلِيلَ الْفَانِيَ عَلَى الْكَثِيرِ الْبَاقِي.
﴿وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾
أَيْ: سَكَنُوا إِلَيْهَا سُكُونَ مَنْ لَا يُزْعَجُ عَنْهَا، فَبَنَوْا شَدِيدًا، وَأَمَّلُوا بَعِيدًا، وَغَفَلُوا عَمَّا أَمَامَهُمْ.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾
أَيْ: لَا يَتَفَكَّرُونَ فِيهَا، وَلَا يَعْتَبِرُونَ بِهَا، وَلَا يَسْتَدِلُّونَ بِهَا عَلَى مَا خُلِقَتْ لَهُ.
﴿أُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(8)﴾
فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِثْبَاتُ الْكَسْبِ لِلْعِبَادِ؛ أَيْ: أَنَّ لِلْعَبْدِ كَسْبًا فِي أَعْمَالِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾.
﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أَيْ: بِسَبَبِ مَا كَسَبُوهُ مِنَ الْأَعْمَالِ. فَالْكَسْبُ لِلْعَبْدِ، وَلَيْسَ لَهُ الْخَلْقُ؛ فَالْعَبْدُ لَا يَخْلُقُ فِعْلَهُ، وَلَكِنْ لَهُ كَسْبُ الْفِعْلِ، وَالْكَسْبُ هُوَ مَا يَقُومُ بِالْعَبْدِ مِنَ الْعَمَلِ الِاخْتِيَارِيِّ الَّذِي تَوَجَّهَتْ إِلَيْهِ قَصْدُهُ وَإِرَادَتُهُ.