بسم الله الرحمن الرحيم
﴿۞لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ ٱلۡحُسۡنَىٰ وَزِيَادَةٞۖ وَلَا يَرۡهَقُ وُجُوهَهُمۡ قَتَرٞ وَلَا ذِلَّةٌۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ (26)﴾
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ۖ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ۚ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٦)﴾
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾
أي: الذين آمنوا باللهِ تعالى ورسُلِه، فمَن آمن باللهِ وبرسولِه محمَّدٍ ﷺ فقد أحسن، ومَن كفر باللهِ وكذَّب رسولَه فقد أساء، ولا يستوي المحسنُ والمسيء. وأعظمُ نِعَمِ اللهِ على العباد نعمةُ الإيمان؛ فمَن أُعطي الإيمانَ وحُرِمَ الدُّنيا فكأنَّه لم يُحْرَمْ شيئًا، ومَن أُعطي الدُّنيا وحُرِمَ الإيمانَ فكأنَّه لم يُعْطَ شيئًا.
وأهلُ الإيمان ليسوا أهلَ فتنةٍ، بل هم أهلُ الحسنى، أهلُ «لا إله إلا الله»، آمنوا باللهِ ورسُلِه، وثبتوا على ذلك، فلم يقطعوا إسلامَهم، ولم يرتدُّوا عن الدِّين، وحفظوا أنفسَهم ممَّا يُبطِلُ الإسلامَ ويقطعُه، وماتوا على الإيمان.
﴿الْحُسْنَى﴾
أي: المثوبةُ العظمى، وهي الجنَّة. وما أعظمَ هذا الثواب، وما أجلَّ هذا النعيم.
﴿وَزِيَادَةٌ﴾
أي: رؤيةُ الربِّ عزَّ وجلَّ في الجنَّة، فيراه المؤمنون رؤيةً حقيقيَّةً بلا كيفٍ ولا جهةٍ ولا تشبيهٍ. فاللهُ تعالى موجودٌ بلا مكان، لا يسكنُ الجنَّةَ ولا العرشَ ولا السماءَ ولا الأرضَ. وقد فَسَّرَ الزيادةَ برؤيةِ اللهِ تعالى جمعٌ من الصحابة؛ منهم أبو بكرٍ، وحذيفةُ، وابنُ عباسٍ، وأبو موسى الأشعريُّ، وعبادةُ بنُ الصامت رضيَ اللهُ عنهم. وجاء في بعضِ التفاسير: أَجْمَعَ المفسِّرون على أنَّ الزيادةَ هي النظرُ إلى اللهِ تعالى.
وثبت عن صُهَيْبٍ رضيَ اللهُ عنه أنَّ النبيَّ ﷺ قال:
«إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَتُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيُرْفَعُ الْحِجَابُ»، أي: يُزالُ المنعُ من الرؤية، لا حجابٌ حسيٌّ، «فَيَنْظُرُونَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ»، ثم تلا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾.
وقيل في تفسير الزيادة: هي المحبَّةُ في قلوبِ العباد، وقيل: المغفرةُ والرضوانُ، وكلُّ ذلك حقٌّ، غيرَ أنَّ أعظمَها وأجلَّها رؤيةُ اللهِ تعالى.
﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ﴾
أي: لا يغشاها ولا يعلوها.
﴿قَتَرٌ﴾
أي: غُبْرَةٌ فيها سوادٌ.
﴿وَلَا ذِلَّةٌ﴾
أي: ولا أثرُ هوانٍ ولا مهانةٍ، فلا يلحقُهم ما يلحقُ أهلَ النارِ من الذُّلِّ والخزي.
﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
أي: أولئك هم أهلُ الجنَّةِ الملازمون لها، الخالدون فيها أبدًا بلا انقطاع. فهنيئًا لهم هذه النعمةُ العظمى، حين يدخلون دارَ السلام.
يا عجبًا لمن يؤمن بدارٍ هذه صفتُها، يعلم أنَّ أهلَها لا يموتون، ولا يصيبُهم خوفٌ ولا فزعٌ ولا نقصٌ، ثم يأنسُ بدارٍ قد أذنَ اللهُ في خرابِها! فنحن اليوم نُضَيِّعُ أنفاسَنا في الركضِ وراءَ لذَّاتِ الدُّنيا الزائلة، ومتاعِها الفاني، وقد عَلِمْنَا أنَّ مآلَها إلى الزوال. ولو لم يكن في الجنَّةِ إلا سلامةُ الأبدان، والأمنُ من الموتِ والجوعِ والعطشِ، لكان ذلك كافيًا لأن تُهْجَرَ الدُّنيا، ويُطْلَبَ الجنَّة.
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ (٢٦)﴾
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾
أي: الذين آمنوا باللهِ تعالى ورسُلِه، وثَبَتُوا على الإيمانِ حتّى ماتوا عليه. فالإحسانُ هنا أعلاهُ الإيمانُ، وهو أعظمُ ما يُتَقَرَّبُ به إلى اللهِ عزَّ وجلَّ، ولا يستوي المحسنُ مع المسيء. ومن أُعطي الإيمانَ فقد أُعطي الخيرَ كلَّه، ومن حُرِمَ الإيمانَ فقد حُرِمَ الخيرَ كلَّه، وإن أُعطي من متاعِ الدنيا ما أُعطي.
﴿الْحُسْنَى﴾
هي المثوبةُ العظمى، وهي الجنَّةُ، دارُ النعيمِ المقيمِ، التي لا فناءَ لها ولا انقطاعَ، ولا نصبَ فيها ولا لغوبَ.
﴿وَزِيَادَةٌ﴾
هي أعظمُ ما يُعطاه أهلُ الجنَّةِ بعد دخولِهم إيّاها، وهي رؤيةُ اللهِ تعالى في الآخرةِ. وهذه الزيادةُ ثابتةٌ بنصوصِ الكتابِ والسنَّةِ، وإجماعِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ.
فيرى المؤمنون ربَّهُم بأبصارِهم رؤيةً حقيقيَّةً بلا كيفٍ، ولا جهةٍ، ولا مسافةٍ، ولا تشبيهٍ، لأنَّ اللهَ تعالى موجودٌ بلا مكانٍ، وليس كمثلِه شيءٌ.
والعقلُ لا يمنعُ رؤيةَ اللهِ تعالى، ولا يُحيلُها؛ لأنَّ مُصَحِّحَ الرؤيةِ هو الوجودُ، واللهُ تعالى موجودٌ، فصَحَّ أن يُرى. وليس من لوازمِ الرؤيةِ المسافةُ ولا الجهةُ، وإنّما ذلك من أحكامِ رؤيةِ المخلوقِ، ولا يجوزُ قياسُ الخالقِ على المخلوقِ.
وقد قال أهلُ السُّنَّةِ: رؤيةُ اللهِ تعالى عقلًا جائزةٌ، وشرعًا ثابتةٌ.
وممّا يدلُّ على جوازِ الرؤيةِ عقلًا أنَّ موسى عليه السلام سأل ربَّه الرؤيةَ فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾، ولو كانت الرؤيةُ مستحيلةً عقلًا لما سألها نبيٌّ من أنبياءِ اللهِ، إذ الأنبياءُ منزَّهون عن طلبِ المحال.
فقولُه تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ معناه: في الدنيا، لا نفيَ الرؤيةِ مطلقًا، بدليلِ تعليقِها على أمرٍ ممكنٍ في نفسِه، وهو استقرارُ الجبلِ، فقال: ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾، والمعلَّقُ على الممكنِ ممكنٌ.
وأمّا قولُه تعالى عن قومٍ من بني إسرائيل: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾، فكان كفرُهم لقولِهم: «لن نؤمن لك»، لا لمجرّد طلبِ الرؤية.
وقد ثبت في الصحيح أنَّ النبيَّ صلّى اللهُ عليه وسلَّم قال:
«إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ»، وليس في هذا تشبيهٌ للهِ بالقمرِ، بل المراد من حيثُ الوضوحُ وعدمُ الشكِّ.
وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، أي: تنظرُ إلى ربِّها نظرَ عيانٍ.
وقد سُئِلَ الإمامُ مالكُ بنُ أنسٍ رحمهُ اللهُ عن هذه الآيةِ، فقيل له: «أينظرون إلى الله؟» فقال: نعم، بأعينِهم هذه.
فثبتَ بذلك أنَّ رؤيةَ اللهِ تعالى في الآخرةِ حقٌّ، يُثيبُ اللهُ بها المؤمنين، وهي أعظمُ نعيمِ الجنَّةِ، وهي المرادُ بقوله تعالى: ﴿وَزِيَادَةٌ﴾.