بسم الله الرحمن الرحيم
﴿فَلَمَّآ أَنجَىٰهُمۡ إِذَا هُمۡ يَبۡغُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۗ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغۡيُكُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۖ مَّتَٰعَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ ثُمَّ إِلَيۡنَا مَرۡجِعُكُمۡ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ (23) إِنَّمَا مَثَلُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ مِمَّا يَأۡكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلۡأَنۡعَٰمُ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلۡأَرۡضُ زُخۡرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتۡ وَظَنَّ أَهۡلُهَآ أَنَّهُمۡ قَٰدِرُونَ عَلَيۡهَآ أَتَىٰهَآ أَمۡرُنَا لَيۡلًا أَوۡ نَهَارٗا فَجَعَلۡنَٰهَا حَصِيدٗا كَأَن لَّمۡ تَغۡنَ بِٱلۡأَمۡسِۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ (24) وَٱللَّهُ يَدۡعُوٓاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَٰمِ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ (25)﴾.
﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْاَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۖ يَا اَيُّهَا النَّاسُ اِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى اَنْفُسِكُمْ ۖ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ ثُمَّ اِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣)﴾
﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ﴾
أي: لمَّا أنجاهم اللهُ تعالى من الهلاكِ في الفلكِ، بعد أن جاءتْهم الرياحُ العاصفةُ، واشتدَّ عليهم الخطرُ، وزال عنهم ما كانوا فيه من كربٍ وشدَّة.
﴿إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْاَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾
أي: فإذا هم بعد النجاةِ يظلمون في الأرضِ، ويفسدون فيها بغيرِ حقٍّ، ويعودون إلى الطغيانِ والكفرِ، كأن لم يمسَّهم ضرٌّ، ولم يمرُّوا ببلاء.
﴿يَا أيُّهَا النَّاسُ إنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أنْفُسِكُمْ﴾
أي: إنَّ ظلمَكم وعدوانَكم إنما يعودُ ضررُه عليكم، لا على اللهِ تعالى، كما قال سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾. فبغيُ العبادِ ومكرُهم وظلمُهم مردودٌ عليهم، لا يضرُّ اللهَ شيئًا. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: «لو بغى جبلٌ على جبلٍ لَدُكَّ الباغي». وعن محمد بن كعب: «ثلاثٌ من كُنَّ فيه كُنَّ عليه: البغيُ، والنكثُ، والمكرُ».
﴿مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
أي: إنما هو متاعٌ قليلٌ تتمتَّعون به في هذه الحياةِ الدُّنيا، ثم يزولُ وينقضي، ويبقى تبِعَتُه وحسابُه.
﴿ثُمَّ اِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
أي: ثم إلينا رجوعُكم بعد الموتِ، فنخبرُكم بأعمالِكم، ونجازيكم عليها جزاءً عدلًا لا ظلمَ فيه.
﴿إنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأرْضِ مِمَّا يَأكُلُ النَّاسُ وَالْأنْعَامُ ۖ حَتَّىٰ اِذَا أخَذَتِ الْأرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أهْلُهَا اَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أتَاهَا اَمْرُنَا لَيْلًا أوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَاَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأمْسِ ۚكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤)﴾
﴿كَمَاءٍ أنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾
أي: كمطرٍ أنزلناه من السحابِ بأمرِ اللهِ تعالى.
﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأرْضِ﴾
أي: فاشتبك النباتُ بعضُه ببعضٍ بسببِ ذلك الماء، فأنبتت الأرضُ أنواعَ الزروعِ والثمارِ والبقولِ، بعد أن كانت يابسةً خامدةً.
﴿مِمَّا يَأكُلُ النَّاسُ وَالْاَنْعَامُ﴾
أي: فمن هذا النباتِ ما يأكلُه الناسُ من الحبوبِ والثمارِ والبقولِ، ومنه ما تأكلُه الأنعامُ من الحشيشِ والكلأ.
﴿حَتَّىٰ إذَا أخَذَتِ الْأرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ﴾
أي: حتى إذا تزيَّنت الأرضُ بزخارفِها من النباتِ، وتنوُّعِ ألوانِه، وحُسْنِ منظره، فصارت كالعروسِ إذا لبست أفخرَ ثيابِها وتزيَّنت بأبهى زينتِها.
﴿وَظَنَّ أهْلُهَا اَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾
أي: ظنَّ أهلُها أنهم متمكِّنون من الانتفاعِ بها، قادرون على جني ثمارِها، وقد هيَّأوا أسبابَ الزراعةِ، ورتَّبوا أمورَهم، وأيقنوا بالحصادِ.
﴿أتَاهَا أمْرُنَا لَيْلًا أوْ نَهَارًا﴾
أي: جاءها قضاءُ اللهِ وعذابُه، ليلًا أو نهارًا، من غيرِ توقيتٍ ولا إنذارٍ.
﴿فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا﴾
أي: فجعلنا زرعَها مقطوعًا مستأصلًا، كأنه حُصِدَ فلم يبقَ منه شيءٌ.
﴿كَاَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأمْسِ﴾
أي: كأن لم يكن زرعُها قائمًا قريبًا، وكأن لم تكن عامرةً بالنباتِ والخصبِ آنفًا، فذهب نعيمُها فجأةً، وزالت منفعتُها.
﴿كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
أي: مثلَ هذا البيانِ والتفصيلِ نوضِّحُ الآياتِ لقومٍ يتفكَّرون، فيعتبرون بحالِ الدنيا، ويعلمون سرعةَ زوالِها، وانقضاءَ نعيمِها، وأنَّها دارُ ابتلاءٍ لا دارُ بقاءٍ. فشُبِّهت الدنيا في سرعةِ فنائِها بنباتِ الأرضِ، يزهو ويخضرُّ ثم يصير حُطامًا، وذلك من أبلغِ الأمثالِ وأعظمِها اعتبارًا.
﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾
﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾
أي: اللهُ تعالى يدعو عباده إلى دارِ السلام، وهي الجنَّة. وسُمِّيَت دارَ السلام؛ إمَّا لإضافتِها إلى اسمِه سبحانه «السَّلام» تعظيمًا لها وتشريفًا، وإمَّا لأنَّها دارُ السلامةِ؛ إذ أهلُها سالمون من كلِّ مكروهٍ وآفةٍ ونقصٍ، فلا مرضَ فيها، ولا همَّ، ولا حزنَ، ولا موتَ. وقيل: سُمِّيَت بذلك لفُشُوِّ السلامِ بين أهلِها، وتسليمِ الملائكةِ عليهم، كما قال تعالى: ﴿إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾.
﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾
أي: ويوفِّقُ من يشاءُ من عباده، ويخلقُ في قلبِه الهدايةَ، ويُيَسِّرُ له سلوكَ طريقِ الحقِّ.
﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
أي: إلى دينِ الإسلام، أو إلى طريقِ السُّنَّةِ والاستقامة، وهو الطريقُ الموصلُ إلى رضوانِ اللهِ تعالى وجنَّتِه.
فالدعوةُ عامَّةٌ لجميعِ العبادِ، على لسانِ الرسلِ، بالدلالةِ والإرشاد، أمَّا الهدايةُ فهي خاصَّةٌ بمن شاء اللهُ له التوفيقَ والعنايةَ. والمعنى: أنَّ اللهَ تعالى دعا جميعَ الناسِ إلى دارِ السلام، أي أمرهم بالإيمانِ الذي هو سببُ دخولِ الجنَّة، لكن لا يدخلُها إلا من هداه اللهُ ووفَّقه. فالدعوةُ عامَّةٌ، والهدايةُ خاصَّةٌ، وذلك من دلائلِ القضاءِ والقدر.
وفي هذه الآيةِ ردٌّ صريحٌ على القدريَّةِ والمعتزلةِ الذين زعموا أنَّ العبدَ يخلقُ أفعالَه استقلالًا، وأنَّ الهدايةَ تحصلُ من العبدِ وحده. وقد روى البيهقيُّ عن سيِّدِنا الحسينِ بنِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضيَ اللهُ عنهما أنَّه قال: «واللهِ ما قالتِ القدريَّةُ بقولِ اللهِ، ولا بقولِ الملائكةِ، ولا بقولِ النبيِّين، ولا بقولِ أهلِ الجنَّةِ، ولا بقولِ أهلِ النارِ، ولا بقولِ صاحبِهم إبليس». فقيل له: فسِّرْه لنا يا ابنَ رسولِ الله. فقال: قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.
فاللهُ تعالى أثبتَ أنَّ الهدايةَ بمشيئتِه، وهم نفوا ذلك، وقالوا: إنَّ العبدَ يخلقُ أفعالَه بنفسِه، وبنوا على ذلك أنَّ اللهَ يجبُ عليه ـ بزعمهم ـ أن يُدْخِلَ العبدَ الجنَّةَ إذا عملَ الخيرَ، وكأنَّ اللهَ ـ تعالى عن ذلك ـ مديونٌ لعبادِه. وهذا باطلٌ؛ إذ ليس على اللهِ شيءٌ واجبٌ، بل إدخالُ المؤمنين الجنَّةَ فضلٌ محضٌ من اللهِ، لا استحقاقَ للعبدِ على ربِّه.
والحقُّ أنَّ اللهَ تعالى هو الذي خلقَ العبادَ، وخلقَ فيهم الجوارحَ، والعقولَ، ووفَّقهم للإيمانِ والعملِ الصالحِ، وخلقَ الجنَّةَ، فكان إدخالُهم إيَّاها محضَ مِنَّةٍ وفضلٍ، لا وجوبًا عليه سبحانه.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ يدلُّ على أنَّه لا يهتدي أحدٌ إلا بمشيئتِه الأزليَّةِ، وقد خالفَت المعتزلةُ أيضًا قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾؛ إذ زعموا أنَّ العبدَ يشاءُ ويخلقُ أفعالَه استقلالًا، واللهُ تعالى أخبر أنَّ مشيئةَ العبادِ كلَّها متوقِّفةٌ على مشيئتِه سبحانه.
ففي الآيةِ إثباتُ الهدايةِ، وإثباتُ المشيئةِ، وإثباتُ الفضلِ، وردٌّ على أهلِ الانحرافِ في بابِ القدرِ، وبيانٌ أنَّ النجاةَ كلَّها من اللهِ، وأنَّ العبدَ لا حولَ له ولا قوَّةَ إلا بتوفيقِه عزَّ وجلَّ.