بسم الله الرحمن الرحيم
{قُلۡ مَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ أَمَّن يَمۡلِكُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَمَن يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَيُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَۚ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُۚ فَقُلۡ أَفَلَا تَتَّقُونَ (31)}.
﴿قُل مَن يَرزُقُكُم مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرضِ أَم مَن يَملِكُ السَّمعَ وَالأَبصَارَ﴾
﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾
أَي بِالمَطَرِ.
﴿وَالأَرضِ﴾
أَي بِالنَّبَاتِ.
هَذَا المَطَرُ الَّذِي يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ أَصلُهُ كُلُّهُ مِن تَحتِ العَرشِ، فَيَنزِلُ مِن تَحتِ العَرشِ إِلَى السَّحَابِ، ثُمَّ تُنَزِّلُهُ المَلَائِكَةُ بِإِذنِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى الأَرضِ، وَعَدَدُ قَطَرَاتِ المَطَرِ الَّتِي تَنزِلُ عَلَى كُلِّ بُقعَةٍ يَكُونُ بِأَمرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَبِهَذَا المَطَرِ يَكُونُ النَّبَاتُ، وَهَذَا النَّبَاتُ المُختَلِفُ أَلوَانُهُ كَم فِيهِ مِنَ المَنَافِعِ وَالخَصَائِصِ، وَكَم فِيهِ مِمَّا يَنفَعُ فِي الطِّبِّ، وَمِمَّا يَكُونُ سَبَبًا لِلشِّفَاءِ وَالعِلَاجِ، مِمَّا لَم يَعرِفهُ النَّاسُ إِلَى الآنِ. فَالنَّبتَةُ الوَاحِدَةُ وَرَقُهَا فِيهِ سِرٌّ وَمَنفَعَةٌ، وَسَاقُهَا فِيهِ مَنفَعَةٌ، وَعُصَارَتُهَا وَثِمَارُهَا وَنَوَاهَا كُلُّ ذَلِكَ فِيهِ مَنَافِعُ، سُبحَانَ اللَّهِ الرَّزَّاقِ الَّذِي يَسُوقُ الأَرزَاقَ إِلَى عِبَادِهِ.
﴿أَم مَن يَملِكُ السَّمعَ وَالأَبصَارَ﴾
أَي مَن يَقدِرُ عَلَى خَلقِهِمَا وَتَسوِيَتِهِمَا عَلَى هَذِهِ الفِطرَةِ العَجِيبَةِ. فَالسَّمعُ جَارِحَةٌ، وَالبَصَرُ جَارِحَةٌ، وَالَّذِي خَلَقَ هَذِهِ الجَوَارِحَ هُوَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَهُوَ سُبحَانَهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ وَسُكَّانَهَا، وَخَلَقَ الأَرضَ وَسُكَّانَهَا، وَلَا يَسكُنُ السَّمَاءَ وَلَا الأَرضَ، وَلَا يُشبِهُ سُكَّانَ السَّمَاءِ وَلَا سُكَّانَ الأَرضِ. نَحنُ نَتَكَلَّمُ بِلِسَانٍ مِن لَحمٍ، وَنُبصِرُ بِعَينٍ فِيهَا شَحمٌ، وَنَسمَعُ بِأُذُنٍ فِيهَا عَظمٌ، أَمَّا سَمعُ اللَّهِ فَلَيسَ كَسَمعِنَا، وَلَا هُوَ بِجَارِحَةٍ، بَل سَمعُهُ أَزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ، وَبَصَرُهُ أَزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ. وَسَمعُنَا وَبَصَرُنَا يَتَغَيَّرَانِ وَيَضعُفَانِ، وَقَد يَبلُغُ الإِنسَانُ مِنَ العُمرِ مَا يَشكُو فِيهِ ضَعفَ السَّمعِ وَالبَصَرِ وَسَائِرِ القُوَى. وَمِن فَضلِ اللَّهِ أَنَّهُ جَعَلَ لِحِفظِ هَذِهِ الجَوَارِحِ أَسبَابًا. وَقَد نُقِلَ عَنِ الإِمَامِ أَبِي شُجَاعٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ بَلَغَ عُمرًا طَوِيلًا وَبَقِيَت جَوَارِحُهُ قَوِيَّةً، فَقَالَ: هَذِهِ جَوَارِحٌ حَفِظنَاهَا فِي الصِّغَرِ، فَحَفِظَهَا اللَّهُ لَنَا فِي الكِبَرِ. وَمِثلُ ذَلِكَ مَا ذُكِرَ عَن أَبِي مُعَاوِيَةَ الأَسوَدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ، أَنَّهُ فَقَدَ بَصَرَهُ، وَكَانَ يُكثِرُ مِن تِلَاوَةِ القُرآنِ، فَأَكرَمَهُ اللَّهُ بِكَرَامَةٍ، فَإِذَا فَتَحَ المُصحَفَ رَأَى آيَاتِهِ فَقَرَأَهَا، وَإِذَا أَغلَقَهُ لَا يَرَى.
﴿وَمَن يُخرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَيُخرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾
أَي يُخرِجُ الحَيَوَانَ وَالفَرخَ وَالزَّرعَ وَالمُؤمِنَ وَالعَالِمَ مِنَ النُّطفَةِ وَالبَيضَةِ وَالحَبَّةِ، وَيُخرِجُ الكَافِرَ وَالجَاهِلَ مِن ضِدِّ ذَلِكَ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِقُدرَتِهِ سُبحَانَهُ.
﴿وَمَن يُدَبِّرُ الأَمرَ﴾
أَي مَن يَتَوَلَّى تَدبِيرَ أَمرِ العَالَمِ كُلِّهِ، فَذُكِرَ العُمُومُ بَعدَ الخُصُوصِ، وَكُلُّ مَا تَقَدَّمَ فَهُوَ مِن تَدبِيرِ اللَّهِ تَعَالَى.
﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾
أَي سَيُقِرُّونَ وَيَعتَرِفُونَ أَنَّ القَادِرَ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ هُوَ اللَّهُ.
﴿فَقُل أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾
أَي أَفَلَا تَتَّقُونَ الشِّركَ فِي العِبَادَةِ، مَا دُمتُم قَدِ اعتَرَفتُم بِرُبُوبِيَّتِهِ، فَالَّذِي دَبَّرَ لَكُم ذَلِكَ كُلَّهُ هُوَ اللَّهُ، فَاتَّقُوا الشِّركَ وَاجتَنِبُوهُ، وَلَا تُشرِكُوا بِهِ شَيئًا.