{فَذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلۡحَقُّۖ فَمَاذَا بَعۡدَ ٱلۡحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَٰلُۖ فَأَنَّىٰ تُصۡرَفُونَ (32) كَذَٰلِكَ حَقَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُوٓاْ أَنَّهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ (33) قُلۡ هَلۡ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥۚ قُلِ ٱللَّهُ يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ (34)﴾
﴿فَذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ(32)﴾
﴿فَذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ﴾ أَيْ هُوَ اللَّهُ الَّذِي ثَبَتَتْ رُبُوبِيَّتُهُ ثُبُوتًا لَا رَيْبَ فِيهِ لِمَنْ حَقَّقَ النَّظَرَ، فَمَنْ تَفَكَّرَ فِي مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ وَدَلَائِلِ قُدْرَتِهِ لَا يَشُكُّ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَمِنْ أَعْظَمِ دَلَائِلِ قُدْرَتِهِ خَلْقُ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، وَهُوَ أَكْبَرُ الْمَخْلُوقَاتِ حَجْمًا، حَتَّى إِنَّ مَا سِوَاهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ كَنُقْطَةٍ بِجَانِبِ بَحْرٍ. وَقَدْ خَلَقَهُ اللَّهُ إِظْهَارًا لِقُدْرَتِهِ، كَمَا قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْعَرْشَ إِظْهَارًا لِقُدْرَتِهِ وَلَمْ يَتَّخِذْهُ مَكَانًا لِذَاتِهِ. فَالْعَرْشُ مَقْهُورٌ لِلَّهِ، لَا يَخْرُجُ عَمَّا أَرَادَهُ اللَّهُ، وَهُوَ سَقْفُ الْعَالَمِ، وَلَوْلَا حِفْظُ اللَّهِ لَهُ لَهَوَى، فَهُوَ مَحْفُوظٌ وَمَقْهُورٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾
أَيْ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالضَّلَالِ، فَمَنْ تَجَاوَزَ الْحَقَّ وَخَالَفَهُ وَقَعَ فِي الضَّلَالِ لَا مَحَالَةَ.
﴿فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ﴾
أَيْ كَيْفَ تُصْرَفُونَ عَنِ الْحَقِّ إِلَى الضَّلَالِ، وَعَنِ التَّوْحِيدِ إِلَى الشِّرْكِ. فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ الْحَقَّ فِي الْإِيمَانِ بِهِ، وَبِالإِيمَانِ بِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبِسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَجَعَلَ الضَّلَالَ فِيمَا خَالَفَ ذَلِكَ. فَمَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ فَهُوَ فِي ضَلَالٍ، وَمَنْ لَمْ يُوَحِّدِ اللَّهَ فَهُوَ فِي ضَلَالٍ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ أَوْ لَمْ يُصَدِّقْ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ فِي ضَلَالٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِمَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ إِنَّهُ عَلَى حَقٍّ. فَكُلُّ مَا فِي الْكَوْنِ مِنْ دَلَائِلِ الْقُدْرَةِ لَا يَتَحَرَّكُ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَلَا يَسْكُنُ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ، وَلَا تَتَحَرَّكُ وَرَقَةٌ إِلَّا بِقُدْرَتِهِ وَعِلْمِهِ، وَلَا يَنْزِلُ شَيْءٌ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَا يَصْعَدُ شَيْءٌ مِنَ الْأَرْضِ، إِلَّا بِعِلْمِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ.
﴿كَذَٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ(33)﴾
﴿حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾
أَيْ ثَبَتَتْ وَوَقَعَتْ كَلِمَةُ اللَّهِ تَعَالَى. وَقُرِئَ: ﴿حَقَّتْ كَلِمَاتُ رَبِّكَ﴾، وَالْجَمْعُ لِلتَّعْظِيمِ، لِأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى وَاحِدٌ، أَزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ، لَا ابْتِدَاءَ لَهُ وَلَا انْتِهَاءَ، وَلَا تَقَدُّمَ فِيهِ وَلَا تَأَخُّرَ، وَلَا سَابِقَ وَلَا مَسْبُوقَ. وَهُوَ كَلَامٌ لَيْسَ بِحَرْفٍ وَلَا صَوْتٍ، بَلْ هُوَ صِفَةٌ أَزَلِيَّةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، يَدُلُّ عَلَيْهَا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، فَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ اللَّهَ يَتَكَلَّمُ بِكَافٍ وَنُونٍ، بَلْ هَذَا تَعْبِيرٌ يَدُلُّ عَلَى سرعة الإيجاد الَّذِي بِهِ تَقَعُ الْمَخْلُوقَاتُ.
وَمَعْنَى ﴿حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾: كَمَا ثَبَتَ أَنَّ مَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ، وَكَمَا ثَبَتَ أَنَّهُمْ مَصْرُوفُونَ عَنِ الْحَقِّ، كَذَلِكَ ثَبَتَ قَضَاءُ اللَّهِ فِيهِمْ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَضَى أَزَلًا أَنَّ الْعِبَادَ فَرِيقَانِ: فَرِيقٌ إِلَى الْجَنَّةِ، وَفَرِيقٌ إِلَى السَّعِيرِ، فَمَنْ شَاءَ اللَّهُ لَهُ السَّعَادَةَ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا، وَمَنْ شَاءَ لَهُ الشَّقَاوَةَ حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ اللَّهِ بِمَشِيئَتِهِ الْأَزَلِيَّةِ.
﴿عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا﴾
أَيْ عَلَى الَّذِينَ تَمَرَّدُوا فِي كُفْرِهِمْ، وَتَجَاوَزُوا الْحَدَّ فِيهِ. وَلفْظُ الضلال فِي كَثِيرٍ مِنْ مَوَاضِعِ الْقُرْآنِ يُرَادُ بِهِ الْكُفَّارُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يُطْلَقُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ عَلَى مُرْتَكِبِي الْكَبَائِرِ. وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكُفْرَ وَالْإِيمَانَ كِلَيْهِمَا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
﴿أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾
أَيْ حَقَّ عَلَيْهِمْ انْتِفَاءُ الْإِيمَانِ، فَهُوَ بَدَلٌ مِنَ الْكَلِمَةِ، أَيْ ثَبَتَ قَضَاءُ اللَّهِ أَنَّ إِيمَانَهُمْ غَيْرُ كَائِنٍ. فَلَا يُؤْمِنُ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ لَهُ الْإِيمَانَ، وَلَا يَكْفُرُ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ لَهُ الْخِذْلَانَ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْكَلِمَةِ الْوَعِيدُ بِالْعَذَابِ، أَيْ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْعَذَابُ لِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ.
﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ(34)﴾
﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾
أَيْ قُلْ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ: هَلْ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ جَعَلْتُمُوهُمْ شُرَكَاءَ لِلَّهِ مَنْ يَبْدَأُ خَلْقَ الْخَلْقِ ثُمَّ يُعِيدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ؟ وَذِكْرُ الْإِعَادَةِ مَعَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُنْكِرُونَ الْبَعْثَ لِظُهُورِ بُرْهَانِهِ، أَوْ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِالْإِعَادَةِ إِعَادَةُ غَيْرِ الْبَشَرِ؛ كَتَعَاقُبِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَتَكْرَارِ إِنْزَالِ الْمَطَرِ وَإِنْبَاتِ النَّبَاتِ.
﴿قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾
أَيْ قُلْ لَهُمْ: اللَّهُ وَحْدَهُ هُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ وَهُوَ الَّذِي يُعِيدُهُ، فَلَا شَرِيكَ لَهُ فِي ذَلِكَ.
﴿فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ﴾
أَيْ فَكَيْفَ تُصْرَفُونَ عَنِ الْحَقِّ وَقَصْدِ السَّبِيلِ، مَعَ كُلِّ هَذِهِ الدَّلَائِلِ، وَكَيْفَ تُعْرِضُونَ عَنِ الْإِقْرَارِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَمِنْ ذَلِكَ الْبَعْثُ.