بسم الله الرحمن الرحيم
{قُلۡ هَلۡ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّۚ قُلِ ٱللَّهُ يَهۡدِي لِلۡحَقِّۗ أَفَمَن يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّيٓ إِلَّآ أَن يُهۡدَىٰۖ فَمَا لَكُمۡ كَيۡفَ تَحۡكُمُونَ (35) وَمَا يَتَّبِعُ أَكۡثَرُهُمۡ إِلَّا ظَنًّاۚ إِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغۡنِي مِنَ ٱلۡحَقِّ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِمَا يَفۡعَلُونَ(36) }
﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ ۚ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ ۚ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى ۖ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ(٣٥)﴾
﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾
أَيْ مَنْ يُرْشِدُ إِلَى الْحَقِّ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ.
﴿قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾
أَيْ اللَّهُ وَحْدَهُ هُوَ الَّذِي يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ.
﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ﴾
أَيْ أَفَالَّذِي يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ، وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى، أَحَقُّ بِالِاتِّبَاعِ؟
﴿أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾
أَيْ أَمْ مَنْ لَا يَهْتَدِي بِنَفْسِهِ وَلَا يَهْدِي غَيْرَهُ إِلَّا أَنْ يُهْدِيَهُ اللَّهُ؟ وَقِيلَ: الْمُرَادُ الْأَوْثَانُ الَّتِي لَا تَهْتَدِي وَلَا تَنْتَقِلُ إِلَّا أَنْ تُنْقَلَ. وَقَدْ جَاءَتِ الْقِرَاءَاتُ مُتَعَدِّدَةً، وَكُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْهُدَى بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
﴿فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾
أَيْ فَمَا لَكُمْ تَحْكُمُونَ بِالْبَاطِلِ، فَتَجْعَلُونَ هَؤُلَاءِ أَنْدَادًا لِلَّهِ، مَعَ أَنَّ الْهَادِيَ لِلْحَقِّ وَالْخَالِقَ لِلْهِدَايَةِ هُوَ اللَّهُ وَحْدَهُ، وَكُلُّ شَيْءٍ إِنَّمَا يَكُونُ بِقَدَرِهِ وَمَشِيئَتِهِ.
زيادة في البيان :
وَقَدْ بَيَّنَّا شَيْئًا مِنَ الْمَعَانِي النَّافِعَةِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَيْهَا، وَنُكْمِلُ الْآنَ فَائِدَةً نَافِعَةً جِدًّا نَسْتَفِيدُهَا مِنْهَا، وَهِيَ أَنَّنَا تَعَلَّمْنَا مِنْ هَذِهِ الآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ كُلَّ مَا يَجْرِي فَإِنَّمَا يَجْرِي بِتَقْدِيرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَمَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، فَلَا يَهْتَدِي إِلَى الْحَقِّ إِلَّا مَنْ هَدَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَا يَضِلُّ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ الضَّلَالَةَ.
وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِالْإِسْنَادِ الصَّحِيحِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ بِالْجَابِيَةِ، وَالْجَابِيَةُ أَرْضٌ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، فَقَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ». وَكَانَ عِنْدَهُ رَجُلٌ كَافِرٌ مِنْ كُفَّارِ الْعَجَمِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَقَالَ بِلُغَتِهِ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِلُّ أَحَدًا. فَقَالَ عُمَرُ لِلْمُتَرْجِمِ: مَاذَا يَقُولُ؟ قَالَ: يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِلُّ أَحَدًا. فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنَّكَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ، هُوَ أَضَلَّكَ، وَهُوَ يُدْخِلُكَ النَّارَ إِنْ شَاءَ».
وَمَعْنَى كَلَامِ الْفَارُوقِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَمُوتَ عَلَى كُفْرِكَ هَذَا مِتَّ كَافِرًا. وَمَعْنَى كَلَامِهِ أَنَّ هَذَا الِاعْتِقَادَ، أَعْنِيَ اعْتِقَادَ أَنَّ اللَّهَ لَا يُضِلُّ أَحَدًا، ضَلَالٌ مُبِينٌ، وَهُوَ اعْتِقَادُ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَضِلُّ بِمَشِيئَتِهِ لَا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وَكَذَلِكَ اعْتِقَادُ أَنَّ الْعَبْدَ هُوَ الَّذِي يَخْلُقُ هَذِهِ الضَّلَالَةَ، وَلَيْسَ اللَّهُ خَالِقَهَا، وَهَذَا كُلُّهُ ضَلَالٌ بَيِّنٌ.
وَقَدِ احْتَجَّ الْفَارُوقُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيمَا قَالَ بِهَذِهِ الآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾، فَمَعْنَاهُ أَنَّ الَّذِي شَاءَ اللَّهُ لَهُ فِي الْأَزَلِ أَنْ يَكُونَ مُهْتَدِيًا لَا أَحَدَ يَجْعَلُهُ ضَالًّا، بَلْ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُهَيِّئُ لَهُ أَسْبَابَ الْهِدَايَةِ، وَأَمَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ لَهُ أَنْ يَكُونَ ضَالًّا فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَلَا أَحَدَ يَجْعَلُهُ مُهْتَدِيًا.
وَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أُنْذِرَ قَوْمَهُ أَوَّلَ مَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، عَمَلًا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، فَأَنْذَرَهُمْ وَبَلَّغَهُمْ، فَاهْتَدَى بِهِ أُنَاسٌ شَرَحَ اللَّهُ صُدُورَهُمْ لِلْإِيمَانِ، وَلَمْ يَهْتَدِ بِهِ آخَرُونَ. فَهِدَايَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ هِيَ بَيَانُ الْحَقِّ وَالدَّلَالَةُ عَلَيْهِ، أَمَّا خَلْقُ الْاهْتِدَاءِ فِي قُلُوبِهِمْ فَمِنَ اللَّهِ وَحْدَهُ.
فَقَدِ اهْتَدَى بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَعَمَّارٌ، وَصُهَيْبٌ، وَخَبَّابٌ، وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ الْهِدَايَةَ، وَلَمْ يَهْتَدِ آخَرُونَ، حَتَّى إِنَّ بَعْضَ أَقَارِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَأَبِي لَهَبٍ وَغَيْرِهِ، لَمْ يَهْتَدُوا، مَعَ أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلَّغَهُمْ دَعْوَتَهُ.
فَمَا الْمُوجِبُ لِأَنْ يَهْتَدِيَ هَؤُلَاءِ وَلَا يَهْتَدِيَ هَؤُلَاءِ؟ أَيْ مَا الَّذِي جَعَلَ أُولَئِكَ عَلَى الْهِدَايَةِ وَهَؤُلَاءِ عَلَى عَدَمِ الْهِدَايَةِ؟ وَلَيْسَ ثَمَّ شَيْءٌ يَجِبُ عَلَى اللَّهِ؛ بَلْ شَاءَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي الْأَزَلِ أَنْ يَهْتَدِيَ أُولَئِكَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ يَشَأْ أَنْ يَهْتَدِيَ الْآخَرُونَ، فَنَفَذَتْ مَشِيئَةُ اللَّهِ فِي الْفَرِيقَيْنِ.
وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَكْرَهُ الْكُفْرَ وَالْمَعَاصِيَ، وَلَا يَأْمُرُ بِالْكُفْرِ وَلَا يَأْمُرُ بِالْمَعَاصِي، وَلَا يَرْضَاهَا لِعِبَادِهِ، وَلَكِنَّهُ خَصَّ بَعْضَ الْعِبَادِ بِأَنْ يَنْسَاقُوا إِلَى الضَّلَالِ، كَمَا خَصَّ آخَرِينَ بِأَنْ يَنْسَاقُوا بِاخْتِيَارِهِمْ إِلَى الْهُدَى، وَهَذَا هُوَ مَعْنَى الْمَشِيئَةِ.
فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَخْلُقُ الْاهْتِدَاءَ فِي قَلْبِ مَنْ شَاءَ لَهُ الْهِدَايَةَ فَضْلًا وَكَرَمًا وَمَنًّا، لَا فَرْضًا وَلَا وُجُوبًا عَلَيْهِ، وَيَخْلُقُ الضَّلَالَةَ فِي قُلُوبِ مَنْ شَاءَ عَدْلًا مِنْهُ لَا ظُلْمًا. وَهَذِهِ الْمَعَانِي الْعَظِيمَةُ فِي هَذِهِ الآيَةِ الْكَرِيمَةِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى فَسَادِ عَقِيدَةِ الْمُعْتَزِلَةِ الْقَدَرِيَّةِ.
وَفِي هَذَا كُلِّهِ نُكْمِلُ شَرْحَ هَذِهِ الآيَةِ الْكَرِيمَةِ، فَمَا أَعْظَمَ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَا أَنْفَعَ أَنْ نَأْخُذَ عَقِيدَتَنَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.
وَنُعْطِي خُلَاصَةً لِكُلِّ مَا تَقَدَّمَ: إِنَّ الأُمُورَ تَنْقَسِمُ إِلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ لَا تَخْرُجُ عَنْهَا:
الأَوَّلُ: شَيْءٌ شَاءَهُ اللهُ وَأَمَرَ بِهِ؛ وَهُوَ إِيمَانُ المُؤْمِنِينَ، وَطَاعَةُ الطَّائِعِينَ. فَاللهُ تَعَالَى أَمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالإِيمَانِ، وَأَمَرَ الطَّائِعِينَ بِالطَّاعَةِ، وَشَاءَ سُبْحَانَهُ لَهُمْ أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الإِيمَانِ.
الثَّانِي: شَيْءٌ شَاءَهُ اللهُ وَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ؛ وَهُوَ عِصْيَانُ العُصَاةِ، وَكُفْرُ الكَافِرِينَ. فَاللهُ تَعَالَى شَاءَ لِلْكَافِرِينَ أَنْ يَكُونُوا كُفَّارًا، وَلَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالكُفْرِ؛ بَلْ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الكُفْرَ، مَعَ أَنَّهُ خَلَقَهُ بِمَشِيئَتِهِ، وَلَا يَرْضَاهُ لِعِبَادِهِ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ﴾. فَهَذَا هُوَ الأَمْرُ الثَّانِي.
وَالثَّالِثُ: أَمْرٌ لَمْ يَشَأْهُ اللهُ وَأَمَرَ بِهِ؛ وَهُوَ الإِيمَانُ بِالنِّسْبَةِ لِلْكَافِرِينَ الَّذِينَ عَلِمَ اللهُ أَنَّهُمْ يَمُوتُونَ عَلَى الكُفْرِ. فَهَؤُلَاءِ أُمِرُوا بِالإِيمَانِ؛ أَمَرَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِالإِيمَانِ، وَلَمْ يَشَأْهُ لَهُمْ.
وَالرَّابِعُ: أَمْرٌ لَمْ يَشَأْهُ اللهُ وَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ؛ وَهُوَ الكُفْرُ بِالنِّسْبَةِ لِلأَنْبِيَاءِ وَالمَلَائِكَةِ. فَاللهُ تَعَالَى مَا شَاءَ كُفْرَ الأَنْبِيَاءِ وَالمَلَائِكَةِ، وَلَا أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ.
وَالأُمُورُ كُلُّهَا مُنْدَرِجَةٌ تَحْتَ هَذِهِ الأَقْسَامِ الأَرْبَعَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا؛ فَهِيَ تُلَخِّصُ لَنَا عَقِيدَةَ أَهْلِ الحَقِّ، عَقِيدَةَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ فِي أَمْرِ القَدَرِ.
أَلَيْسَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَالَ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الكَافِرِينَ تُؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾؛ أَيْ: تُغْرِيهِمْ إِغْرَاءً، وَتَدْفَعُهُمْ إِلَى المَعَاصِي؟
فَمَنْ الَّذِي أَرْسَلَ عَلَيْهِمُ الشَّيَاطِينَ؟ إِنَّهُ اللهُ تَعَالَى؛ فَهِيَ تُشَهِّيهِمْ فِعْلَ المَعَاصِي. فَإِذًا كُلُّ مَا يَجْرِي فَبِمَشِيئَةِ اللهِ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ: (لَوْ شَاءَ اللهُ أَلَّا يُعْصَى، مَا خَلَقَ إِبْلِيسَ).
وَيَقُولُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾.
﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾
﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا﴾
أَيْ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ فِي قَوْلِهِمْ عَنِ الْأَصْنَامِ إِنَّهَا آلِهَةٌ، وَإِنَّهَا شُفَعَاءُ عِنْدَ اللَّهِ، مَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ فِي ذَلِكَ إِلَّا ظَنًّا بِلَا دَلِيلٍ، وَإِنَّمَا هُوَ اقْتِدَاءٌ بِالْآبَاءِ وَالْأَسْلَافِ، ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهُمْ مُصِيبُونَ.
﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾
أَيْ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي عَنِ الْحَقِّ، وَالْحَقُّ هُوَ الْعِلْمُ وَالْيَقِينُ، فَإِنَّ الشَّكَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْيَقِينِ شَيْئًا، وَلَا يَقُومُ مَقَامَهُ فِي شَيْءٍ، وَلَا يُنْتَفَعُ بِهِ حَيْثُ يُحْتَاجُ إِلَى الْيَقِينِ.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾
أَيْ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَالِمٌ بِعِلْمِهِ الْأَزَلِيِّ بِمَا يَفْعَلُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنِ اتِّبَاعِهِمُ الظَّنَّ، وَتَرْكِهِمُ الْحَقَّ، وَتَكْذِيبِهِمْ لِلْيَقِينِ، وَاللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ بِالْمِرْصَادِ، فَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ ظَنُّهُمْ مِنَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى شَيْئًا.
وَالْحَقُّ مَا أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِهِ، فَمَنْ كَانَ فِي نُصْرَةِ الْحَقِّ نَصَرَهُ اللَّهُ، وَمَنْ اتَّبَعَ الْبَاطِلَ لَمْ يَجِدْ لَهُ نَاصِرًا، فَهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا الْأَصْنَامَ لَمْ تَنْفَعْهُمْ أَصْنَامُهُمْ شَيْئًا، وَأَمَّا مَنْ اتَّبَعَ الْحَقَّ فَإِنَّهُ يَجِدُ النَّصْرَةَ وَالتَّأْيِيدَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَقَدْ حُكِيَ عَنِ اللَّيْثِ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ نَافِعٍ ضَرِيرًا، ثُمَّ رَأَيْتُهُ بَصِيرًا، فَقُلْتُ لَهُ: بِمَا رُدَّ عَلَيْكَ بَصَرُكَ؟ فَقَالَ: أُتِيتُ فِي مَنَامِي، فَقِيلَ لِي: قُلْ يَا قَرِيبُ، يَا مُجِيبُ، وَالْقَرِيبُ هُوَ الْقُرْبُ الْمَعْنَوِيُّ لَا الْقُرْبُ الْحِسِّيُّ، لِأَنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ تَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ مَسَافَةٌ، فَقِيلَ لِي: قُلْ يَا قَرِيبُ، يَا مُجِيبُ، يَا سَمِيعَ الدُّعَاءِ، يَا لَطِيفًا لِمَا يَشَاءُ، رُدَّ عَلَيَّ بَصَرِي، فَقُلْتُهَا، فَرَدَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيَّ بَصَرِي.
وَعَنِ الْأُسْتَاذِ أَبِي عَلِيٍّ الدَّقَّاقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ بِي وَجَعُ الْعَيْنِ ابْتِدَاءً، لَمَّا رَجَعْتُ إِلَى نَيْسَابُورَ مِنْ مَرْوَ، وَكُنْتُ مُدَّةَ أَيَّامٍ لَا أَجِدُ النَّوْمَ، فَتَنَاعَسْتُ صَبَاحًا، فَسَمِعْتُ قَائِلًا يَقُولُ: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ؟ فَانْتَبَهْتُ وَقَدْ فَارَقَنِي الرَّمَدُ، وَزَالَ الْوَجَعُ فِي الْوَقْتِ، وَلَمْ يُصِبْنِي بَعْدَ ذَلِكَ وَجَعُ الْعَيْنِ.
وَيَحْكِي مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ قَالَ: لَمَّا مَاتَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، كُنْتُ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَاغْتَمَمْتُ لِوَفَاتِهِ، فَرَأَيْتُهُ فِي الْمَنَامِ يَتَبَخْتَرُ مَشْيَةَ الْفَرَحِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، أَيُّ مَشْيَةٍ هَذِهِ؟ قَالَ: مَشْيَةُ الْخُدَّامِ فِي دَارِ السَّلَامِ، فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ قَالَ: غَفَرَ لِي، وَتَوَّجَنِي، وَأَلْبَسَنِي نَعْلَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ، وَقَالَ: يَا أَحْمَدُ، هَذَا بِقَوْلِكَ: الْقُرْآنُ كَلَامِي، ثُمَّ قَالَ: ادْعُنِي تِلْكَ الدَّعَوَاتِ الَّتِي كُنْتَ تَدْعُو بِهَا فِي الدُّنْيَا، فَقُلْتُ: يَا رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، بِقُدْرَتِكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، اغْفِرْ لِي كُلَّ شَيْءٍ، وَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ،( أي لا تسألني سؤال توبيخ) فَقَالَ: يَا أَحْمَدُ، هَذِهِ الْجَنَّةُ فَادْخُلْهَا، فَدَخَلْتُهَا.
نَسْأَلُ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يَغْفِرَ لَنَا كُلَّ شَيْءٍ، وَأَنْ لَا يَسْأَلَنَا سُؤَالَ تَوْبِيخٍ عَنْ شَيْءٍ، وَأَنْ يُدْخِلَنَا جَنَّتَهُ، إِنَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ.