﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (98)﴾
﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨)﴾
﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾
فَهَلَّا وُجِدَتْ قَرْيَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ الْقُرَى الَّتِي أَهْلَكْنَاهَا، رَجَعَ أَهْلُهَا عَنِ الْكُفْرِ، وَأَخْلَصُوا الْإِيمَانَ قَبْلَ الْمُعَايَنَةِ، وَلَمْ يُؤَخِّرُوا التَّوْبَةَ إِلَى وَقْتٍ لَا يُقْبَلُ فِيهِ الْإِيمَانُ، كَمَا أَخَّرَ فِرْعَوْنُ إِلَى أَنْ أُخِذَ بِهَلَاكِهِ.
﴿فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾
أَيْ: فَتَقَبَّلَ اللَّهُ إِيمَانَهَا، وَنَفَعَهَا ذٰلِكَ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي وَقْتِ الِاخْتِيَارِ، قَبْلَ الْيَأْسِ وَحُلُولِ الْعَذَابِ.
﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا﴾
فَإِنَّ هٰؤُلَاءِ اسْتَثْنَاهُمُ اللَّهُ مِنْ تِلْكَ الْقُرَى؛ فَلَمَّا آمَنُوا وَصَدَقُوا فِي تَوْبَتِهِمْ وَرُجُوعِهِمْ إِلَى اللَّهِ، قَبِلَ اللَّهُ إِيمَانَهُمْ.
﴿كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾
أَيْ: رَفَعْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْهَوَانِ وَالْفَضِيحَةِ فِي الدُّنْيَا، وَأَبْقَيْنَاهُمْ يَنْتَفِعُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنَ الْحَيَاةِ وَالْأَرْزَاقِ إِلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، حَتَّى تَنْقَضِيَ آجَالُهُمْ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بُعِثَ إِلَى أَهْلِ نِينَوَى مِنْ أَرْضِ الْمَوْصِلِ، فَكَذَّبُوهُ وَعَانَدُوهُ، فَخَرَجَ عَنْهُمْ مُغَاضِبًا بَعْدَ أَنْ أَطَالَ فِيهِمُ الدَّعْوَةَ وَالصَّبْرَ. فَلَمَّا فَقَدُوهُ، وَرَأَوْا مُقَدِّمَاتِ الْعَذَابِ تَتَكَاثَفُ عَلَيْهِمْ، وَأَظَلَّهُمْ سَحَابٌ أَسْوَدُ، وَانْتَشَرَ فِي أَرْجَائِهِمْ دُخَانٌ يُنْذِرُ بِالْهَلَاكِ، أَيْقَنُوا أَنَّ الْعَذَابَ قَدْ أَزِفَ، فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ، وَانْكَسَرَتْ قُلُوبُهُمْ، وَتَفَزَّعُوا إِلَى التَّوْبَةِ وَالْإِنَابَةِ.
فَلَبِسُوا الْمُسُوحَ جَمِيعًا، وَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالضَّرَاعَةِ وَالِابْتِهَالِ، وَخَرَجُوا إِلَى الصَّعِيدِ بِرِجَالِهِمْ وَنِسَائِهِمْ وَصِبْيَانِهِمْ وَدَوَابِّهِمْ، وَفَرَّقُوا بَيْنَ الْأُمَّهَاتِ وَأَوْلَادِهَا، وَبَيْنَ الدَّوَابِّ وَفِصْلَانِهَا، حَتَّى يَحِنَّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَيَظْهَرَ مِنْهُمُ التَّذَلُّلُ وَالِافْتِقَارُ، فَأَعْلَنُوا الْإِيمَانَ، وَأَظْهَرُوا التَّوْبَةَ، وَرَدُّوا الْمَظَالِمَ إِلَى أَهْلِهَا، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَقْلَعُ الْحَجَرَ الَّذِي وَضَعَهُ أَسَاسًا لِبُنْيَانِهِ، فَيَرُدُّهُ إِلَى صَاحِبِهِ وَقِيلَ: إِنَّهُمْ لَمَّا نَزَلَ بِهِمْ مَا نَزَلَ، خَرَجُوا إِلَى شَيْخٍ مِنْ بَقِيَّةِ عُلَمَائِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ: قُولُوا: «يَا حَيُّ حِينَ لَا حَيَّ، يَا حَيُّ مُحْيِيَ الْمَوْتَى، يَا حَيُّ لَا إِلٰهَ إِلَّا أَنْتَ»، فَقَالُوهَا بِصِدْقٍ وَإِخْلَاصٍ، فَكَشَفَ اللَّهُ عَنْهُمُ الْعَذَابَ وَرَحِمَهُمْ. وَقِيلَ: كَانَ ذٰلِكَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَوَافَقَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، فَقُبِلَتْ تَوْبَتُهُمْ.
وَقَدْ نُقِلَ عَنِ الْفُضَيْلِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي دُعَائِهِمْ: «اللَّهُمَّ إِنَّ ذُنُوبَنَا قَدْ عَظُمَتْ وَجَلَّتْ، وَأَنْتَ أَعْظَمُ مِنْهَا وَأَجَلُّ، افْعَلْ بِنَا مَا أَنْتَ أَهْلُهُ، وَلَا تَفْعَلْ بِنَا مَا نَحْنُ أَهْلُهُ».
وَيُونُسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ نَبِيٌّ كَرِيمٌ، أَرْسَلَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ نِينَوَى فِي أَرْضِ الْمَوْصِلِ بِالْعِرَاقِ، وَكَانُوا يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ، وَيَتَّخِذُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا، فَدَعَاهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، وَصَبَرَ عَلَيْهِمْ صَبْرًا عَظِيمًا، وَأَقَامَ فِيهِمْ مُدَّةً طَوِيلَةً يَدْعُوهُمْ إِلَى الْحَقِّ. وَقَدْ جَاءَ ذِكْرُهُ بِاسْمِهِ فِي الْقُرْآنِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فِي سُورَةِ النِّسَاءِ، وَسُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَسُورَةِ يُونُسَ، وَسُورَةِ الصَّافَّاتِ، وَجَاءَ ذِكْرُهُ وَصْفًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾، وَفِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾.
وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ السِّيَرِ أَنَّ نَسَبَهُ يَنْتَهِي إِلَى بِنْيَامِينَ أَخِي يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمَعَ مَا أُوتِيَ مِنْ مَعْجِزَاتٍ وَفَصَاحَةٍ وَحُسْنِ خُلُقٍ، فَقَدْ لَقِيَ مِنْ قَوْمِهِ عِنَادًا شَدِيدًا، حَتَّى قِيلَ: مَكَثَ يَدْعُوهُمْ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، فَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا رَجُلَانِ؛ لِنَعْلَمَ أَنَّ أَقْفَالَ الْقُلُوبِ لَا يَفْتَحُهَا إِلَّا اللَّهُ.
فَلَمَّا رَأَى يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِصْرَارَهُمْ وَتَمَادِيَهُمْ، خَرَجَ عَنْهُمْ مُغَاضِبًا، وَلَكِنَّ الْعَجَبَ كُلَّ الْعَجَبِ أَنَّ قَوْمَهُ لَمَّا رَأَوُا أَمَارَاتِ الْعَذَابِ، تَابُوا وَآمَنُوا وَرَجَعُوا إِلَى اللَّهِ، فَقَبِلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُمْ وَكَشَفَ عَنْهُمُ الْعَذَابَ.
وَفِي هٰذَا عِبْرَةٌ عَظِيمَةٌ: أَنَّ التَّوْبَةَ إِذَا صَدَقَتْ وَوَقَعَتْ فِي وَقْتِ الْقَبُولِ نَفَعَتْ أَهْلَهَا، وَأَنَّ مَنْ صَدَقَ مَعَ اللَّهِ صَدَقَهُ اللَّهُ، وَرَحِمَهُ وَكَشَفَ عَنْهُ الْبَلَاءَ. وَقَدْ وَرَدَ فِي الْمَعْنَى مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ».