بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (100) قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (101)﴾
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًاۚ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩)﴾
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ﴾
يُبَيِّنُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كَمَالَ قُدْرَتِهِ وَنُفُوذَ مَشِيئَتِهِ، فَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ أَهْلَ الْأَرْضِ كُلَّهُمْ عَلَى الْإِيمَانِ لَفَعَلَ، وَلَكَانَ إِيمَانُهُمْ حَاصِلًا عَلَى وَجْهِ الإِحَاطَةِ وَالشُّمُولِ، لَا يَتَخَلَّفُ مِنْهُمْ أَحَدٌ؛ فَإِنَّهُ لَا يَعْجِزُهُ شَيْءٌ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ.
﴿جَمِيعًا﴾
أَيْ: مُجْتَمِعِينَ عَلَى الْإِيمَانِ، مُطْبِقِينَ عَلَيْهِ، لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، وَلَا يَتَفَرَّقُونَ عَنْهُ. وَلٰكِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ شَاءَ بِحِكْمَتِهِ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ مُخْتَلِفِينَ، فَيَهْتَدِي مَنْ عَلِمَ مِنْهُ اخْتِيَارَ الْهُدَى وَطَلَبَ الْحَقِّ، وَيَضِلُّ مَنْ عَلِمَ مِنْهُ إِيثَارَ الْغَيِّ وَالْإِعْرَاضَ عَنِ الْحَقِّ. وَمَا يَجْرِي فِي هٰذَا الْعَالَمِ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا، دَقِيقًا كَانَ أَوْ جَلِيلًا، مِنْ إِيمَانٍ وَكُفْرٍ، وَخَيْرٍ وَشَرٍّ، وَطَاعَةٍ وَمَعْصِيَةٍ، فَهُوَ وَاقِعٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلٰكِنْ لَا يُفْهَمُ مِنْ ذٰلِكَ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْكُفْرَ أَوْ يَرْضَاهُ، بَلْ هُوَ سُبْحَانَهُ لَا يُحِبُّ الشَّرَّ، وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ، وَلٰكِنَّهُ يَقَعُ فِي الْكَوْنِ بِقَدَرِهِ وَحِكْمَتِهِ.
﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾
أَيْ: أَفَأَنْتَ يَا مُحَمَّدُ ﷺ تُجْبِرُ النَّاسَ عَلَى الإِيمَانِ إِجْبَارًا؟ لَيْسَ ذٰلِكَ إِلَيْكَ، فَإِنَّكَ لَا تَمْلِكُ أَنْ تَخْلُقَ الْهُدَى فِي الْقُلُوبِ، وَلَا أَنْ تَجْعَلَ الإِيمَانَ فِي النُّفُوسِ قَهْرًا، وَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَإِقَامَةُ الْحُجَّةِ، أَمَّا التَّوْفِيقُ فَمِنَ اللَّهِ وَحْدَهُ. اَلتَّوْفِيقُ مَعْنَاهُ خَلْقُ الْقُدْرَةِ عَلَى الطَّاعَةِ أَوْ هُوَ فَتْحُ بَابِ الْخَيْرِ وَإِغْلَاقُ بَابِ الشَّرِّ. اَلْعَبْدُ الْمُوَفَّقُ مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَمَعْنَى التَّوْفِيقِ أَنْ يَفْتَحَ اللَّهُ لِلْعَبْدِ أَبْوَابَ الْخَيْرِ، وَيَهْدِيَهُ إِلَى الطَّاعَةِ، وَيُيَسِّرَ لَهُ سُبُلَ الْهُدَى، فَمَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ فَهُوَ الْمُوَفَّقُ، وَمَنْ لَمْ يُوَفَّقْ فَهُوَ الْمَخْذُولُ، وَالْخِذْلَانُ ضِدُّ التَّوْفِيقِ.
﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٠)﴾
﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾
يُقَرِّرُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ لَا تَسْتَطِيعُ نَفْسٌ أَنْ تَدْخُلَ فِي الإِيمَانِ وَتَثْبُتَ عَلَيْهِ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ؛ أَيْ: بِمَشِيئَتِهِ وَقَضَائِهِ وَتَوْفِيقِهِ وَتَسْهِيلِهِ، فَلَا يَكُونُ الإِيمَانُ حَقِيقَةً إِلَّا إِذَا فَتَحَ اللَّهُ لِلْعَبْدِ بَابَ الْهُدَى، وَأَعَانَهُ عَلَى اتِّبَاعِ الْحَقِّ، فَمَنْ أَذِنَ اللَّهُ لَهُ بِالإِيمَانِ آمَنَ، وَمَنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ ضَلَّ وَحُرِمَ.
﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾
وَالـرِّجْسُ يُفَسَّرُ بِمَعَانٍ تَدُورُ عَلَى الْخُبْثِ وَالْعُقُوبَةِ؛ فَيُقَالُ: هُوَ الْعَذَابُ، أَوِ السُّخْطُ وَالْغَضَبُ، وَيُقَالُ: هُوَ تَسْلِيطُ الشَّيْطَانِ وَإِحَاطَتُهُ بِالْعَبْدِ.
﴿عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾
أَيْ: عَلَى الَّذِينَ لَا يَنْتَفِعُونَ بِعُقُولِهِمْ فِي فَهْمِ الْحَقِّ وَاتِّبَاعِهِ، وَلَا يَتَدَبَّرُونَ آيَاتِ اللَّهِ، بَلْ يَعْرِضُونَ وَيُصِرُّونَ عَلَى الْغَيِّ، فَيَزِيدُهُمُ اللَّهُ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ، وَيَجْعَلُ عَلَيْهِمْ عُقُوبَةَ ضَلَالِهِمْ، جَزَاءً عَلَى إِعْرَاضِهِمْ وَفَسَادِهِمْ.
﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِۚ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾
﴿قُلِ انْظُرُوا﴾
أَيْ: قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ ﷺ: تَأَمَّلُوا وَتَدَبَّرُوا نَظَرَ اسْتِدْلَالٍ وَاعْتِبَارٍ، لَا نَظَرَ غَفْلَةٍ وَاعْتِيَادٍ؛ فَإِنَّ النَّظَرَ الَّذِي يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ هُوَ الَّذِي يَتَفَكَّرُ فِي الْآيَاتِ وَيُحْسِنُ الاِسْتِنْبَاطَ مِنْهَا.
﴿مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
أَيْ: تَفَكَّرُوا فِي مَا فِيهِمَا مِنَ الْآيَاتِ الْعَظِيمَةِ وَالْعِبَرِ الْبَاهِرَةِ؛ مِنِ اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَتَعَاقُبِهِمَا بِنِظَامٍ لَا يَخْتَلُّ، وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ خُرُوجِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ، وَتَنَوُّعِ الْأَرْزَاقِ، وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ، وَإِنْزَالِ الْمَطَرِ، وَمَا فِي السَّمَاءِ مِنْ شَمْسٍ وَقَمَرٍ وَنُجُومٍ وَكَوَاكِبَ، كُلُّهَا تَجْرِي بِتَقْدِيرٍ مُحْكَمٍ، وَتَدُلُّ دَلَالَةً قَاطِعَةً عَلَى وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ وَعَظَمَةِ صُنْعِهِ. وَالسَّمَاءُ بِنَاؤُهَا عَظِيمٌ مُحْكَمٌ، وَلَهَا أَبْوَابٌ لَا تُفْتَحُ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَا نَرَاهُ مِنْ نُورِ النُّجُومِ وَحَرَكَةِ الْكَوَاكِبِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ إِنَّمَا هُوَ دُونَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَفَوْقَ ذٰلِكَ عَوَالِمُ لَا يُحِيطُ بِهَا إِلَّا اللَّهُ، وَفِيهَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَعْدَادٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ.
﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ﴾
أَيْ: وَمَا تَنْفَعُ الْآيَاتُ نَفْعًا حَقِيقِيًّا مَنْ أَعْرَضَ وَعَانَدَ، فَـ﴿مَا﴾ هُنَا نَافِيَةٌ، تُفِيدُ أَنَّ الدَّلَائِلَ وَالْبَرَاهِينَ لَا تُجْدِي مَعَ مَنْ أَغْلَقَ عَلَى نَفْسِهِ بَابَ الْإِيمَانِ.
﴿وَالنُّذُرُ﴾
أَيْ: وَمَا تُغْنِي الرُّسُلُ الْمُنْذِرُونَ، أَوِ الْإِنْذَارَاتُ الَّتِي يُحَذِّرُ اللَّهُ بِهَا عِبَادَهُ، مِنْ وَعِيدٍ وَتَخْوِيفٍ وَتَهْدِيدٍ، إِذَا كَانَتِ الْقُلُوبُ قَدِ انْصَرَفَتْ عَنِ الْحَقِّ وَتَجَرَّدَتْ مِنَ الْقَبُولِ.
﴿عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾
أَيْ: عَنْ قَوْمٍ لَا يُرْجَى لَهُمْ إِيمَانٌ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَنْتَفِعُونَ بِعُقُولِهِمْ، وَلَا يُصْغُونَ إِلَى الْحَقِّ إِصْغَاءَ مُنْصِفٍ، فَلَوْ شَاهَدُوا مِنَ الْآيَاتِ مَا شَاهَدُوا، وَسَمِعُوا مِنَ الْإِنْذَارَاتِ مَا سَمِعُوا، لَمْ يَزِدْهُمْ ذٰلِكَ إِلَّا إِعْرَاضًا وَتَمَادِيًا، لِأَنَّ الْمُشْكِلَ لَيْسَ فِي قِلَّةِ الدَّلَائِلِ، وَلَا فِي ضَعْفِ الْبَرَاهِينِ، وَلٰكِنَّهُ فِي قُلُوبٍ أَبَتِ الْهُدَى، فَصَارَتِ الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عِنْدَهَا كَأَنَّهَا لَا تُغْنِي شَيْئًا.