بسم الله الرحمن الرحيم
﴿لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64)﴾
﴿لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)﴾
أَيْ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ صَارُوا مِنْ أَوْلِيَاءِ اللهِ تَعَالَى، وَمِنَ الَّذِينَ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، لَهُمُ الْبُشْرَى؛ أَيْ: لَهُمْ مَا بَشَّرَ اللهُ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ، فَقَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُمْ بَشَائِرَ كَثِيرَةً، وَجَعَلَهُمْ مُبَشَّرِينَ بِالرَّحْمَةِ وَالْكَرَامَةِ.
﴿لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
أَيْ: لَهُمْ فِي الدُّنْيَا بَشَائِرُ جَلِيلَةٌ؛ مِنْهَا الْبُشْرَى بِحُسْنِ الْخَاتِمَةِ، وَالْبُشْرَى بِأَنَّهُمْ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، وَالْبُشْرَى بِالدَّرَجَاتِ الْعَالِيَةِ فِي الْجَنَّةِ، وَالْبُشْرَى بِمَحَبَّتِهِمْ لِمُحَمَّدٍ ﷺ؛ فَقَدْ قَالَ ﷺ: «مَنْ أَحَبَّنِي كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ»، وَمَا أَعْظَمَهَا مِنْ بُشْرَى أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ فِي مَرَافِقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ! وَمِنْ بَشَائِرِهِمْ أَيْضًا: أَنْ يَهْدِيَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِإِيمَانِهِمْ، فَيَزْدَادُوا ثَبَاتًا وَنُورًا وَتَوْفِيقًا.
وَمِنْ بَشَائِرِ أَوْلِيَاءِ اللهِ فِي الدُّنْيَا مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةِ؛ فَهِيَ بُشْرَى يَرَاهَا الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ، وَقَدْ قَالَ ﷺ: «ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ، وَبَقِيَتِ الْمُبَشِّرَاتُ»، وَقَالَ ﷺ: «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ»، وَهٰذِهِ مِنْ أَظْهَرِ الْبَشَائِرِ لِأَهْلِ الِاسْتِقَامَةِ. وَمِنْ بَشَائِرِهِمْ أَيْضًا: مَحَبَّةُ النَّاسِ لَهُمْ، وَالذِّكْرُ الْحَسَنُ، وَلَا سِيَّمَا مَحَبَّةُ الصُّلَحَاءِ لَهُمْ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَنَادَتْ فِي أَهْلِ الصَّلَاحِ: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ»، فَيُجْعَلُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ.
﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾
أَيْ: لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ الْبُشْرَى الْعُظْمَى، وَهِيَ الْجَنَّةُ؛ وَهِيَ وَاللهِ السِّلْعَةُ الْغَالِيَةُ، فِيهَا الرَّاحَةُ الْأَبَدِيَّةُ، وَالسَّعَادَةُ السَّرْمَدِيَّةُ، وَلِقَاءُ مَنْ تُحِبُّ مِنَ الْأَحِبَّةِ فِي اللهِ، وَفِيهَا لِقَاءُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَلِقَاءُ أَصْحَابِهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، وَهُنَاكَ يَعْلَمُ الْعَبْدُ أَنَّ التَّعَبَ فِي الدُّنْيَا كَانَ طَرِيقًا إِلَى رَاحَةٍ لَا تَنْقَطِعُ.
﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ﴾
أَيْ: لَا تَغْيِيرَ لِأَقْوَالِهِ، وَلَا إِخْلَافَ لِمَوَاعِيدِهِ، فَمَا وَعَدَ بِهِ فَهُوَ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ، وَمَا بَشَّرَ بِهِ فَهُوَ حَقٌّ لَا شَكَّ فِيهِ.
﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)﴾
أَيْ: ذٰلِكَ الَّذِي نَالُوهُ مِنَ الْبُشْرَى فِي الدَّارَيْنِ، وَمِنَ الْكَرَامَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ الَّذِي لَا فَوْزَ أَعْظَمُ مِنْهُ، فَنَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَنَا مِمَّنْ يَنَالُ هٰذَا الْفَوْزَ، وَيُدْرِكُ هٰذِهِ الْبُشْرَى.