بسم الله الرحمن الرحيم
{وَلِكُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولٞۖ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمۡ قُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ (47) وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ (48) قُل لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي ضَرّٗا وَلَا نَفۡعًا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۗ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌۚ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ فَلَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ (49) قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِنۡ أَتَىٰكُمۡ عَذَابُهُۥ بَيَٰتًا أَوۡ نَهَارٗا مَّاذَا يَسۡتَعۡجِلُ مِنۡهُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ (50) أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنتُم بِهِۦٓۚ ءَآلۡـَٰٔنَ وَقَدۡ كُنتُم بِهِۦ تَسۡتَعۡجِلُونَ (51) ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡخُلۡدِ هَلۡ تُجۡزَوۡنَ إِلَّا بِمَا كُنتُمۡ تَكۡسِبُونَ (52) ۞وَيَسۡتَنۢبِـُٔونَكَ أَحَقٌّ هُوَۖ قُلۡ إِي وَرَبِّيٓ إِنَّهُۥ لَحَقّٞۖ وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ (53) وَلَوۡ أَنَّ لِكُلِّ نَفۡسٖ ظَلَمَتۡ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ لَٱفۡتَدَتۡ بِهِۦۗ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَۖ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ (54) أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ أَلَآ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ (55) هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ (56) يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَتۡكُم مَّوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَشِفَآءٞ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ (57) قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلۡيَفۡرَحُواْ هُوَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ (58) قُلۡ أَرَءَيۡتُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُم مِّن رِّزۡقٖ فَجَعَلۡتُم مِّنۡهُ حَرَامٗا وَحَلَٰلٗا قُلۡ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمۡۖ أَمۡ عَلَى ٱللَّهِ تَفۡتَرُونَ (59) وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَشۡكُرُونَ (60) وَمَا تَكُونُ فِي شَأۡنٖ وَمَا تَتۡلُواْ مِنۡهُ مِن قُرۡءَانٖ وَلَا تَعۡمَلُونَ مِنۡ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيۡكُمۡ شُهُودًا إِذۡ تُفِيضُونَ فِيهِۚ وَمَا يَعۡزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثۡقَالِ ذَرَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصۡغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡبَرَ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٍ (61)}
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٤٧)﴾
أَيْ: لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ رَسُولٌ يَبْعَثُهُ اللهُ تَعَالَى إِلَيْهِمْ؛ لِيُنَبِّهَهُمْ عَلَى التَّوْحِيدِ، وَيَدْعُوَهُمْ إِلَى دِينِ الْحَقِّ، وَيُقِيمَ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةَ.
﴿فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ﴾
أَيْ: جَاءَهُمْ رَسُولُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَالدَّلَائِلِ، فَكَذَّبُوهُ وَلَمْ يَتَّبِعُوهُ.
﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾
أَيْ: قُضِيَ بَيْنَ النَّبِيِّ وَمُكَذِّبِيهِ بِالْحَقِّ، فَفُصِلَ فِيهِمْ فَصْلًا مُحْكَمًا.
﴿بِالْقِسْطِ﴾
أَيْ: بِالْعَدْلِ التَّامِّ؛ فَأُنْجِيَ الرَّسُولُ وَمَنْ آمَنَ مَعَهُ، وَعُذِّبَ الْمُكَذِّبُونَ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: أَنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَسُولًا تُنْسَبُ إِلَيْهِ وَتُدْعَى بِهِ، فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ إِلَى الْمَوْقِفِ لِيَشْهَدَ عَلَيْهِمْ بِالْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ، قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ.
﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾
أَيْ: لَا يُعَذَّبُ أَحَدٌ بِغَيْرِ ذَنْبِهِ، وَلَا يُنْقَصُ أَحَدٌ مِنْ حَقِّهِ، بَلْ يُجَازَى كُلُّ وَاحِدٍ بِمَا اسْتَحَقَّ، وَلَمَّا قَالَ اللهُ تَعَالَى قَبْلَ ذٰلِكَ: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ اسْتَعْجَلُوا مَا وُعِدُوا بِهِ مِنَ الْعَذَابِ.
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨)﴾
أَيْ: وَيَقُولُ الْمُكَذِّبُونَ اسْتِهْزَاءً وَاسْتِبْعَادًا: مَتَى يَقَعُ هٰذَا الْوَعْدُ الَّذِي تَعِدُونَنَا بِهِ؟
﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾
أَيْ: وَعْدُ الْعَذَابِ.
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾
أَيْ: إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِي أَنَّ الْعَذَابَ نَازِلٌ، وَهُوَ خِطَابٌ مِنْهُمْ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَلِلْمُؤْمِنِينَ.
﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ ۗ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۚ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩)﴾
أَيْ: قُلْ لَهُمْ، يَا مُحَمَّدُ ﷺ، إِنِّي لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي دَفْعَ ضَرَرٍ وَلَا جَلْبَ نَفْعٍ، إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ تَعَالَى وَقَضَاهُ.
﴿لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا﴾
أَيْ: لَا أَمْلِكُ دَفْعَ ضَرَرٍ كَمَرَضٍ أَوْ فَقْرٍ أَوْ غَيْرِ ذٰلِكَ.
﴿وَلَا نَفْعًا﴾
أَيْ: وَلَا أَمْلِكُ جَلْبَ نَفْعٍ كَصِحَّةٍ أَوْ غِنًى أَوْ نَحْوِهِمَا.
﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ﴾
هٰذَا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ؛ أَيْ: وَلٰكِنَّ مَا شَاءَهُ اللهُ مِنْ ذٰلِكَ فَهُوَ الْكَائِنُ لَا مَحَالَةَ، فَكَيْفَ أَمْلِكُ لَكُمْ إِنْزَالَ الضَّرَرِ وَجَلْبَ الْعَذَابِ؟
﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾
أَيْ: لِكُلِّ أُمَّةٍ وَقْتٌ مَعْلُومٌ مُحَدَّدٌ لِمَا قُدِّرَ عَلَيْهَا مِنَ الْعَذَابِ وَالِابْتِلَاءِ، كَتَبَهُ اللهُ تَعَالَى فِي اللَّوْحِ.
﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾
أَيْ: إِذَا حَضَرَ وَقْتُهُمُ الْمُقَدَّرُ لَا يَتَأَخَّرُونَ عَنْهُ لَحْظَةً، وَلَا يَتَقَدَّمُونَ عَلَيْهِ لَحْظَةً، فَلَا تَسْتَعْجِلُوا مَا وُعِدْتُمْ بِهِ؛ فَإِنَّهُ آتٍ فِي وَقْتِهِ الَّذِي قَدَّرَهُ اللهُ تَعَالَى.
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠)﴾
أَيْ: قُلْ لَهُمْ، يَا مُحَمَّدُ ﷺ: أَخْبِرُونِي إِنْ جَاءَكُمْ عَذَابُ اللهِ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَهُ، فَهَلْ تَرَوْنَ أَنَّ فِي هٰذَا الْعَذَابِ شَيْئًا مِمَّا يُسْتَحَقُّ أَنْ يُسْتَعْجَلَ؟
﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ﴾
أَيْ: الْعَذَابُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَهُ وَتَطْلُبُونَ تَعْجِيلَهُ.
﴿بَيَاتًا﴾
هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ؛ أَيْ: وَقْتَ بَيَاتٍ، وَالْمُرَادُ: فِي اللَّيْلِ، وَأَنْتُمْ غَافِلُونَ نَائِمُونَ لَا تَشْعُرُونَ.
﴿أَوْ نَهَارًا﴾
أَيْ: أَوْ يَأْتِيَكُمْ فِي النَّهَارِ، وَأَنْتُمْ مُنْشَغِلُونَ بِطَلَبِ الْمَعَاشِ وَالْكَسْبِ.
﴿مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾
أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ مِنْ هٰذَا الْعَذَابِ يَسْتَعْجِلُهُ الْمُجْرِمُونَ؟ فَإِنَّ الْعَذَابَ كُلَّهُ مَكْرُوهٌ مُوجِبٌ لِلنُّفُورِ، وَلَا شَيْءَ مِنْهُ يَدْعُو إِلَى الِاسْتِعْجَالِ؛ فَكَيْفَ يَسْتَعْجِلُونَ مَا هُوَ شَرٌّ كُلُّهُ؟ وَالِاسْتِفْهَامُ فِي ﴿مَاذَا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى: أَخْبِرُونِي مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ. وَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، وَتَقْدِيرُهُ: تَنْدَمُونَ عَلَى اسْتِعْجَالِكُمْ، أَوْ تَعْرِفُونَ الْخَطَأَ فِيهِ. وَلَمْ يُقَلْ: «مَاذَا يَسْتَعْجِلُونَ مِنْهُ»، بَلْ قِيلَ: ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾؛ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ سَبَبَ تَرْكِ الِاسْتِعْجَالِ هُوَ أَنَّهُمْ مُجْرِمُونَ، فَلَا يَلِيقُ بِهِمْ إِلَّا الْإِهَانَةُ وَالْوَعِيدُ.
﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ ۚ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١)﴾
أَيْ: أَثُمَّ إِذَا وَقَعَ الْعَذَابُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَهُ آمَنْتُمْ بِهِ؟ وَهٰذَا إِيمَانٌ بَعْدَ فَوَاتِ وَقْتِهِ، إِذْ لَا يَنْفَعُ بَعْدَ وُقُوعِ الْعَذَابِ.
﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ﴾
أَيْ: إِذَا وَقَعَ الْعَذَابُ.
﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾
هٰذَا جَوَابُ الشَّرْطِ، وَمَا بَيْنَهُمَا مِنْ قَوْلِهِ: ﴿مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾ اعْتِرَاضٌ، وَالْمَعْنَى: إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ آمَنْتُمْ بِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ حِينَ لَا يَنْفَعُكُمُ الْإِيمَانُ.
﴿آلْآنَ﴾
عَلَى إِرَادَةِ الْقَوْلِ؛ أَيْ: يُقَالُ لَهُمْ إِذَا آمَنُوا بَعْدَ وُقُوعِ الْعَذَابِ: آلْآنَ تُؤْمِنُونَ؟!
﴿وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾
أَيْ: وَقَدْ كُنْتُمْ تَسْتَعْجِلُونَ بِالْعَذَابِ تَكْذِيبًا وَاسْتِهْزَاءً.
﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ ۖ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٥٢)﴾
أَيْ: ثُمَّ يُقَالُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا بِالشِّرْكِ وَالتَّكْذِيبِ: ذُوقُوا عَذَابًا دَائِمًا لَا انْقِطَاعَ لَهُ.
﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾
أَيْ: عَذَابَ الدَّوَامِ.
﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾
أَيْ: مَا تُجْزَوْنَ هٰذَا الْجَزَاءَ إِلَّا بِسَبَبِ مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ مِنَ الشِّرْكِ وَالتَّكْذِيبِ وَسَائِرِ الْمَعَاصِي.
﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ ۖ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ ۖ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣)﴾
أَيْ: وَيَسْأَلُونَكَ وَيَسْتَخْبِرُونَكَ عَنِ الْعَذَابِ اسْتِفْهَامًا عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ وَالِاسْتِهْزَاءِ: أَحَقٌّ هُوَ؟
﴿أَحَقٌّ هُوَ﴾
أَيْ: أَحَقٌّ هٰذَا الْعَذَابُ الَّذِي تَعِدُنَا بِهِ؟ وَالِاسْتِفْهَامُ هُنَا لَيْسَ لِطَلَبِ الْعِلْمِ، بَلْ لِلْإِنْكَارِ وَالسُّخْرِيَةِ.
﴿قُلْ إِي وَرَبِّي﴾
أَيْ: قُلْ لَهُمْ: نَعَمْ وَاللهِ.
﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾
أَيْ: إِنَّ الْعَذَابَ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ.
﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾
أَيْ: لَسْتُمْ بِفَائِتِينَ لِهٰذَا الْعَذَابِ، وَلَا مُفْلِتِينَ مِنْهُ، بَلْ هُوَ لَاحِقٌ بِكُمْ لَا مَحَالَةَ.
﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ ۗ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ ۗ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ۚ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٥٤)﴾
أَيْ: وَلَوْ أَنَّ كُلَّ نَفْسٍ كَفَرَتْ وَأَشْرَكَتْ وَظَلَمَتْ نَفْسَهَا بِالْمَعَاصِي، لَوْ مَلَكَتْ جَمِيعَ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ خَزَائِنِ الدُّنْيَا وَأَمْوَالِهَا، لَجَعَلَتْ ذٰلِكَ كُلَّهُ فِدَاءً لَهَا، تَفْتَدِي بِهِ نَفْسَهَا مِنَ الْعَذَابِ، وَلٰكِنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهَا، وَلَا يَنْفَعُهَا شَيْءٌ مِنْ ذٰلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ﴾
أَيْ: نَفْسٍ كَفَرَتْ وَأَشْرَكَتْ، وَهِيَ صِفَةٌ لَهَا؛ أَيْ: نَفْسٍ ظَالِمَةٍ.
﴿مَا فِي الْأَرْضِ﴾
أَيْ: مَا فِي الدُّنْيَا مِنْ خَزَائِنِهَا وَأَمْوَالِهَا وَمَا تَحْوِيهِ مِنْ مَتَاعٍ وَزِينَةٍ.
﴿لَافْتَدَتْ بِهِ﴾
أَيْ: لَجَعَلَتْهُ فِدَاءً لِنَفْسِهَا؛ يُقَالُ: «فَدَاهُ فَافْتَدَى»، وَيُقَالُ: «افْتَدَاهُ» بِمَعْنَى «فَدَاهُ».
﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾
أَيْ: لَمَّا عَايَنُوا الْعَذَابَ نَدِمُوا نَدَامَةً شَدِيدَةً؛ فَقِيلَ: «أَسَرُّوهَا» أَيْ أَظْهَرُوهَا، مِنْ قَوْلِهِمْ: «أَسَرَّ الشَّيْءَ» إِذَا أَظْهَرَهُ، وَقِيلَ: «أَسَرُّوهَا» أَيْ أَخْفَوْهَا عَجْزًا عَنِ النُّطْقِ، وَهَوْلًا مِمَّا هُمْ فِيهِ؛ فَـ«أَسَرَّ» مِنَ الْأَضْدَادِ، يُسْتَعْمَلُ فِي الإِظْهَارِ وَفِي الإِخْفَاءِ.
﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ۚ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾
أَيْ: فُصِلَ بَيْنَهُمْ بِالْعَدْلِ التَّامِّ، فَقُضِيَ بَيْنَ الظَّالِمِينَ وَالْمَظْلُومِينَ، وَدَلَّ عَلَى ذٰلِكَ ذِكْرُ الظُّلْمِ فِي آخِرِ الْآيَةِ؛ فَلَا يُنْقَصُ أَحَدٌ مِنْ حَقِّهِ، وَلَا يُعَذَّبُ أَحَدٌ بِغَيْرِ ذَنْبِهِ.
﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٥)﴾
أَيْ: تَنَبَّهُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ كُلَّهُ لِلَّهِ تَعَالَى مِلْكًا وَتَصَرُّفًا، فَكَيْفَ يُقْبَلُ فِدَاءٌ مِنْ عِبَادِهِ وَالْأَمْرُ كُلُّهُ لَهُ؟ وَهُوَ الْمُثِيبُ وَالْمُعَاقِبُ، وَمَا وَعَدَ بِهِ مِنَ الثَّوَابِ أَوِ الْعِقَابِ فَهُوَ حَقٌّ لَا رَيْبَ فِيهِ، وَلٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ذٰلِكَ عَلَى وَجْهِ الْيَقِينِ.
﴿أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللهِ﴾
أَيْ: وَعْدُهُ بِالثَّوَابِ أَوْ بِالْعَذَابِ.
﴿حَقٌّ﴾
أَيْ: كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ، وَاقِعٌ لَا شَكَّ فِيهِ.
﴿هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٥٦)﴾
أَيْ: هُوَ تَعَالَى وَحْدَهُ الَّذِي يَمْلِكُ الْقُدْرَةَ عَلَى الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِمَا غَيْرُهُ، وَإِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ بَعْدَ مَوْتِكُمْ لِلْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ؛ فَيَخَافُهُ مَنْ خَافَ، وَيَرْجُوهُ مَنْ رَجَا.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾
أَيْ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ جَاءَكُمْ كِتَابٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا فِيهِ مَصَالِحُكُمْ، وَهُوَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ، فَفِيهِ الْمَوْعِظَةُ وَالتَّنْبِيهُ عَلَى التَّوْحِيدِ، وَفِيهِ مَا يَدْعُو إِلَى كُلِّ مَرْغُوبٍ، وَيَزْجُرُ عَنْ كُلِّ مَرْهُوبٍ؛ فَإِنَّ مَا فِيهِ مِنَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي دَاعٍ إِلَى الْخَيْرِ وَزَاجِرٌ عَنِ الشَّرِّ، لِأَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي حُسْنَ الْمَأْمُورِ بِهِ وَيَجْعَلُهُ مَرْغُوبًا فِيهِ، وَيَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ لِقُبْحِهِ، فَيَكُونُ مَرْهُوبًا مَنْهِيًّا عَنْهُ.
﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾
أَيْ: شِفَاءٌ لِمَا فِي صُدُورِكُمْ مِنَ الْعَقَائِدِ الْفَاسِدَةِ وَالشُّبُهَاتِ وَالْأَدْوَاءِ الْقَلْبِيَّةِ.
﴿وَهُدًى﴾
أَيْ: هُدًى مِنَ الضَّلَالَةِ إِلَى الْحَقِّ.
﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾
أَيْ: رَحْمَةٌ لِمَنْ آمَنَ بِهِ مِنْكُمْ، فَيَنْتَفِعُ بِهُدَاهُ وَيُفَازُ بِثَوَابِهِ.
﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾
أَيْ: قُلْ لَهُمْ، يَا مُحَمَّدُ ﷺ: بِفَضْلِ اللهِ تَعَالَى عَلَيْكُمْ، وَبِرَحْمَتِهِ بِكُمْ، فَبِهٰذَا فَلْيَفْرَحُوا فَرَحًا حَقًّا؛ لِأَنَّهُ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَهُ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا. وَأَصْلُ الْكَلَامِ: «بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَلْيَفْرَحُوا بِذٰلِكَ»، فَقُدِّمَ وَأُخِّرَ، وَكُرِّرَ لِلتَّأْكِيدِ؛ لِيُفِيدَ إِيجَابَ اخْتِصَاصِ الْفَضْلِ وَالرَّحْمَةِ بِالْفَرَحِ دُونَ مَا سِوَاهُمَا مِنْ فَوَائِدِ الدُّنْيَا، كَأَنَّهُ قِيلَ: إِنْ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَلْيَخُصُّوا فَرَحَهُمْ بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ. وَالْمُرَادُ بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ: كِتَابُ اللهِ وَالْإِسْلَامُ، فَهُمَا خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ مِنْ مُتَعِ الدُّنْيَا.
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾
أَيْ: قُلْ لَهُمْ، يَا مُحَمَّدُ ﷺ: أَخْبِرُونِي عَمَّا أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنَ الْأَرْزَاقِ، فَقَسَمْتُمُوهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَقُلْتُمْ: هٰذَا حَلَالٌ وَهٰذَا حَرَامٌ، فَهَلْ كَانَ ذٰلِكَ بِإِذْنٍ مِنَ اللهِ، أَمْ أَنْتُمْ تَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ فَتَنْسِبُونَ إِلَيْهِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ؟ وَإِنَّمَا أُضِيفَ «الْإِنْزَالُ» إِلَى الرِّزْقِ، وَإِنْ كَانَتِ الْأَرْزَاقُ تَخْرُجُ مِنَ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ أَسْبَابَهَا مُنَاطَةٌ بِالسَّمَاءِ، مِنَ الْمَاءِ الَّذِي بِهِ يَنْبُتُ النَّبَاتُ، وَالشَّمْسِ الَّتِي بِهَا يَكْمُلُ النُّضْجُ وَيَطِيبُ الثَّمَرُ، فَكَأَنَّهَا أُنْزِلَتْ مِنَ السَّمَاءِ. وَهٰذِهِ الْآيَةُ زَاجِرَةٌ عَنِ التَّجَوُّزِ فِي الْأَحْكَامِ، وَبَاعِثَةٌ عَلَى وُجُوبِ الِاحْتِيَاطِ فِيهَا؛ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ فِي شَيْءٍ: هٰذَا جَائِزٌ أَوْ غَيْرُ جَائِزٍ، إِلَّا بَعْدَ يَقِينٍ وَإِتْقَانٍ، وَإِلَّا كَانَ مُفْتَرِيًا عَلَى الدَّيَّانِ.
﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٦٠)﴾
أَيْ: وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَكْذِبُونَ عَلَى اللهِ، وَيَفْتَرُونَ عَلَيْهِ فِي الدِّينِ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ أَيُّ شَيْءٍ يَتَوَقَّعُونَ أَنْ يُصْنَعَ بِهِمْ فِي يَوْمِ الْجَزَاءِ؟ وَهٰذَا وَعِيدٌ عَظِيمٌ؛ إِذْ أُبْهِمَ أَمْرُهُ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي التَّهْدِيدِ. وَمَعَ ذٰلِكَ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لَذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ عَلَى النَّاسِ؛ إِذْ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالْعَقْلِ، وَرَحِمَهُمْ بِالْوَحْيِ، وَعَلَّمَهُمُ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ، وَلٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ هٰذِهِ النِّعَمَةَ، وَلَا يَتَّبِعُونَ مَا هُدُوا إِلَيْهِ.
﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ۚ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذٰلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾
أَيْ: وَمَا تَكُونُ، يَا مُحَمَّدُ ﷺ، فِي أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ، وَلَا تَتْلُو مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا، وَلَا تَعْمَلُونَ أَنْتُمْ جَمِيعًا مِنْ عَمَلٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، إِلَّا وَنَحْنُ عَلَيْكُمْ شُهُودٌ رُقَبَاءُ، نَعْلَمُ أَحْوَالَكُمْ، وَنُحْصِي أَعْمَالَكُمْ، وَنَشْهَدُ عَلَيْكُمْ حِينَ تَخُوضُونَ فِيهِ وَتَنْدَفِعُونَ فِيهِ، فَلَا يَغِيبُ عَنْ عِلْمِ رَبِّكَ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ بِمِقْدَارِ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ، وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذٰلِكَ وَلَا أَكْبَرَ، إِلَّا وَهُوَ مُثْبَتٌ مَكْتُوبٌ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ، وَهُوَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ.