بسم الله الرحمن الرحيم
﴿أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ (38) بَلۡ كَذَّبُواْ بِمَا لَمۡ يُحِيطُواْ بِعِلۡمِهِۦ وَلَمَّا يَأۡتِهِمۡ تَأۡوِيلُهُۥۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلظَّٰلِمِينَ (39) وَمِنۡهُم مَّن يُؤۡمِنُ بِهِۦ وَمِنۡهُم مَّن لَّا يُؤۡمِنُ بِهِۦۚ وَرَبُّكَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُفۡسِدِينَ (40) وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمۡ عَمَلُكُمۡۖ أَنتُم بَرِيٓـُٔونَ مِمَّآ أَعۡمَلُ وَأَنَا۠ بَرِيٓءٞ مِّمَّا تَعۡمَلُونَ (41)﴾
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُۖ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِۦ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾
أَيْ: أَبَلْ يَقُولُ هٰؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ اخْتَلَقَ هٰذَا الْقُرْآنَ وَافْتَرَاهُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ؟ فَهُمْ يُغَالُونَ فِي التَّكْذِيبِ وَيَجْتَرِئُونَ عَلَى الْبَاطِلِ، وَيَدَّعُونَ أَنَّ هٰذَا الْكِتَابَ إِنَّمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ صُنْعًا وَافْتِرَاءً.
﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِۦ﴾
أَيْ: قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ ﷺ: إِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا تَزْعُمُونَ، وَإِنْ كَانَ الْقُرْآنُ مُخْتَلَقًا مِنْ غَيْرِ اللَّهِ، فَأْتُوا أَنْتُمْ بِسُورَةٍ وَاحِدَةٍ تُشَابِهُهُ فِي بَلَاغَتِهِ وَحُسْنِ نَظْمِهِ وَجَلَالَةِ مَعَانِيهِ؛ فَأَنْتُمْ أَهْلُ اللِّسَانِ وَالْفَصَاحَةِ، وَالْقُرْآنُ عَرَبِيٌّ، وَالرَّسُولُ ﷺ عَرَبِيٌّ، فَإِنْ كَانَ قَدْ جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ كَمَا تَدَّعُونَ، فَلَا يَعْجِزُكُمْ أَنْ تَأْتُوا بِمِثْلِهِ، وَلَوْ بِسُورَةٍ وَاحِدَةٍ. وَهٰذَا تَحَدٍّ صَرِيحٌ يُبَيِّنُ عَجْزَهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَقْدِرُوا وَلَنْ يَقْدِرُوا عَلَى الْإِتْيَانِ بِمِثْلِ أَقْصَرِ سُورَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾
أَيْ: وَاسْتَعِينُوا فِي هٰذَا التَّحَدِّي بِمَنْ شِئْتُمْ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ، وَاجْمَعُوا شُرَكَاءَكُمْ وَأَعْوَانَكُمْ وَفُصَحَاءَكُمْ وَخُطَبَاءَكُمْ، فَأَيْنَ مَنْ تَدْعُونَ؟ وَأَيْنَ مَنْ تَزْعُمُونَ أَنَّهُ يُغْنِي عَنْكُمْ شَيْئًا؟ فَإِنَّكُمْ أَنْتُمْ وَمَنْ وَرَاءَكُمْ عَاجِزُونَ عَنْ أَنْ تُقَابِلُوا هٰذَا الْكَلَامَ بِمِثْلِهِ.
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾
أَيْ: إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِي دَعْوَاكُمْ أَنَّهُ افْتِرَاءٌ، فَأْتُوا بِمِثْلِهِ؛ وَهٰذَا إِظْهَارٌ لِكَذِبِهِمْ، وَتَقْرِيرٌ لِعَجْزِهِمْ، فَمَا أَكْذَبَهُمْ فِي مَا زَعَمُوا!
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِۦ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُۥۚ كَذٰلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْۖفَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٣٩)﴾
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِۦ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾
أَيْ: بَلْ سَارَعُوا إِلَى تَكْذِيبِ الْقُرْآنِ مِنْ غَيْرِ تَدَبُّرٍ وَلَا فَهْمٍ، فَكَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِحَقِيقَتِهِ وَمَعَانِيهِ، وَلَمْ يَعْرِفُوا كُنْهَ أَمْرِهِ، وَلَمْ يَتَأَمَّلُوا فِي إِعْجَازِهِ وَهُدَاهُ؛ وَإِنَّمَا دَفَعَهُمْ إِلَى ذٰلِكَ نُفُورُهُمْ مِمَّا يُخَالِفُ دِينَهُمْ وَتَعَلُّقُهُمْ بِمَا وَرِثُوهُ عَنْ آبَائِهِمْ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغُوا تَأْوِيلَهُ وَتَفْسِيرَهُ، وَقَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ مَا يَئُولُ إِلَيْهِ مَا فِيهِ مِنَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، وَقَبْلَ أَنْ يَتَحَقَّقُوا مِنْ صِدْقِ مَا فِيهِ مِنَ الْإِخْبَارِ بِالْغُيُوبِ؛ فَهُوَ مُعْجِزٌ فِي نَظْمِهِ وَفِي مَا يَحْمِلُهُ مِنَ الْغَيْبِ، وَمَعَ ذٰلِكَ أَعْرَضُوا عَنْهُ تَمَرُّدًا وَحَسَدًا وَبَغْيًا، بَعْدَ أَنْ جَرَّبُوا مُعَارَضَتَهُ وَعَرَفُوا عَجْزَهُمْ.
﴿كَذٰلِكَ﴾
أَيْ: مِثْلَ ذٰلِكَ التَّكْذِيبِ السَّرِيعِ الَّذِي لَا يَقُومُ عَلَى عِلْمٍ وَلَا بُرْهَانٍ.
﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾
أَيْ: كَذَّبَ كُفَّارُ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ رُسُلَهُمْ عَلَى النَّحْوِ نَفْسِهِ، فَأَعْرَضُوا عَنِ الْمُعْجِزَاتِ قَبْلَ أَنْ يَنْظُرُوا فِيهَا وَيَتَدَبَّرُوهَا، تَقْلِيدًا وَعِنَادًا وَاسْتِكْبَارًا. وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾: أَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَحَقَّقُوا مِمَّا فِيهِ مِنَ الْإِخْبَارِ بِالْمُغَيَّبَاتِ وَمَا يَظْهَرُ مِنْ عَاقِبَتِهِ، فَتَبَيَّنَتْ صِدْقُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَظَهَرَتْ حُجَّتُهُ عَلَى الْمُعَانِدِينَ.
﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾
أَيْ: فَتَأَمَّلْ يَا مُحَمَّدُ ﷺ كَيْفَ كَانَتْ عَاقِبَةُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِالْكُفْرِ وَالتَّكْذِيبِ؛ أَلَمْ نُهْلِكْ بَعْضَهُمْ بِالرَّجْفَةِ؟ وَأَلَمْ نُهْلِكْ بَعْضَهُمْ بِالْخَسْفِ؟ وَأَلَمْ نُغْرِقْ بَعْضَهُمْ فِي الْبِحَارِ؟ فَهٰكَذَا تَكُونُ عَاقِبَةُ مَنْ يُكَذِّبُ وَيُعَانِدُ، وَإِنَّمَا هُوَ تَحْذِيرٌ لِمَنْ بَقِيَ عَلَى كُفْرِهِ مِنْ قَوْمِكَ أَنْ تُصِيبَهُمْ سُنَّةُ اللَّهِ فِي الْمُكَذِّبِينَ إِنْ لَمْ يُنِيبُوا وَيُسَارِعُوا إِلَى التَّوْبَةِ وَالرُّجُوعِ إِلَى الْحَقِّ.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِۦ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِۦۚ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ(40) ﴾
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِۦ﴾
يُخْبِرُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَعَلَّقُ قَلْبُهُ بِهٰذَا الْقُرْآنِ، فَيُصَدِّقُ بِهِ فِي بَاطِنِهِ، وَيَعْلَمُ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَقَدْ يَكْتُمُ ذٰلِكَ أَوْ يُظْهِرُ خِلَافَهُ عِنَادًا وَاسْتِكْبَارًا؛ فَيَجْمَعُ بَيْنَ الْمَعْرِفَةِ وَالْجُحُودِ، وَبَيْنَ بَصِيرَةِ الْحَقِّ وَمُقَاوَمَتِهِ.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِۦ﴾
وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْقَى عَلَى إِنْكَارِهِ وَتَكْذِيبِهِ، فَلَا يُصَدِّقُ بِهِ وَلَا يَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ، بَلْ يَشُكُّ فِيهِ أَوْ يَجْحَدُهُ جُحُودَ الْمُعَانِدِ. وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْآيَةِ مَعْنًى اسْتِقْبَالِيٌّ؛ أَيْ: مِنْهُمْ مَنْ سَيُؤْمِنُ بِهِ فِيمَا بَعْدُ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَيُصِرُّ عَلَى كُفْرِهِ فَلَا يُؤْمِنُ أَبَدًا.
﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ﴾
أَيْ: وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ أَفْسَدَ فِي الْأَرْضِ بِالْعِنَادِ وَالْإِصْرَارِ، وَأَعْلَمُ بِمَنْ يَصُدُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَيُحَارِبُ الْحَقَّ، فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ مَا فِي الصُّدُورِ، وَلَا مَا تُسِرُّهُ النُّفُوسُ، وَهُوَ الْعَالِمُ بِالصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ، وَالْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، وَيَعْلَمُ عَاقِبَةَ أَمْرِ الْخَلْقِ؛ فَقَدْ يَكُونُ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ أَذًى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَنْ يَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ الْهِدَايَةَ فَيُؤْمِنُ، وَيَصِيرُ مِنْ أَنْصَارِ الدِّينِ، وَمَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ الضَّلَالَ فَيُقِيمُ عَلَى كُفْرِهِ لَا يَرْجِعُ عَنْهُ.
﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْۖ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (41)﴾
﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾
أَيْ: وَإِنْ أَقَامُوا عَلَى تَكْذِيبِكَ، وَاسْتَمَرُّوا فِي رَدِّ مَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنَ الْحَقِّ، وَقَدْ كَانَ ذٰلِكَ شَدِيدًا عَلَى قَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ، لِأَنَّ الْمُكَذِّبِينَ كَانُوا مِنْ أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيْهِ نَسَبًا وَعَشِيرَةً، وَمَعَ ذٰلِكَ صَبَرَ ﷺ أَعْظَمَ الصَّبْرِ.
﴿فَقُلْ لِي عَمَلِي﴾
أَيْ: فَقُلْ لَهُمْ: لِي جَزَاءُ مَا أَعْمَلُ مِنْ طَاعَةٍ وَدَعْوَةٍ إِلَى الْحَقِّ.
﴿وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾
أَيْ: وَلَكُمْ جَزَاءُ أَعْمَالِكُمْ مِنْ تَكْذِيبٍ وَإِعْرَاضٍ وَمُحَارَبَةٍ لِلْحَقِّ.
﴿أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾
أَيْ: كُلُّ وَاحِدٍ مُؤَاخَذٌ بِعَمَلِهِ، لَا تَحْمِلُونَ وِزْرَ عَمَلِي، وَلَا أَحْمِلُ وِزْرَ عَمَلِكُمْ، فَأَنَا مُتَبَرِّئٌ مِنْ كُفْرِكُمْ وَضَلَالِكُمْ، لَا أَرْضَى بِمَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ، وَلَا أُقِرُّكُمْ عَلَى بَاطِلِكُمْ، وَأَنْتُمْ مُتَبَرِّئُونَ مِنْ دِينِي وَمَا أَعْمَلُهُ مِنَ الْحَقِّ. وَفِي ذٰلِكَ قَطْعٌ لِسَبِيلِ الْجِدَالِ مَعَ مَنْ لَا يَرْجُو الْإِنْصَافَ، وَإِظْهَارٌ أَنَّ الْحُجَّةَ قَدْ قَامَتْ، وَأَنَّ الْجَزَاءَ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ.