بسم الله الرحمن الرحيم
﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظۡلِمُ ٱلنَّاسَ شَيۡـٔٗا وَلَٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ (44) وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ كَأَن لَّمۡ يَلۡبَثُوٓاْ إِلَّا سَاعَةٗ مِّنَ ٱلنَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيۡنَهُمۡۚ قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ (45) وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعۡضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمۡ أَوۡ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيۡنَا مَرۡجِعُهُمۡ ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفۡعَلُونَ (46) ﴾
﴿إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا، وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)﴾
أَيْ: لَمْ يَظْلِمْهُمُ اللهُ تَعَالَى بِسَلْبِ آلَةِ الِاسْتِدْلَالِ، وَلَكِنَّهُمْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِتَرْكِ الِاسْتِدْلَالِ؛ إِذْ عَبَدُوا جَمَادًا وَهُمْ أَحْيَاءُ. وَآلَةُ الِاسْتِدْلَالِ عِنْدَهُمْ مِنْ سَمْعٍ وَبَصَرٍ، وَلٰكِنَّهُمْ لَمْ يَسْتَعْمِلُوا هٰذِهِ الْآلَةَ فِي مَا خُلِقَتْ لَهُ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: «يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا». وَالظُّلْمُ هُوَ: التَّصَرُّفُ فِي حَقِّ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ. وَيُقَالُ أَيْضًا فِي تَعْرِيفِهِ: هُوَ مُخَالَفَةُ أَمْرِ مَنْ لَهُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ.
وَلٰكِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَتَصَرَّفُ فِي مُلْكِهِ كَيْفَ يَشَاءُ؛ فَهُوَ مَالِكُ الْعَالَمِ كُلِّهِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ فِي حَقِّهِ ظُلْمٌ، لِأَنَّهُ لَا يَتَصَرَّفُ إِلَّا فِي مِلْكِهِ، وَمَنْ تَصَرَّفَ فِي مُلْكِهِ لَا يُوصَفُ بِالظُّلْمِ.
وَلِهٰذَا قَالَ سُبْحَانَهُ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: «إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي»، أَيْ: تَنَزَّهْتُ وَتَقَدَّسْتُ عَنْهُ، فَلَا يَلِيقُ بِي الظُّلْمُ. وَقَدْ نَفَى اللهُ تَعَالَى الظُّلْمَ عَنْ نَفْسِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ؛ فَيَسْتَحِيلُ الظُّلْمُ عَلَى اللهِ تَعَالَى شَرْعًا.
وَأَمَّا عَقْلًا: فَلِأَنَّ الظُّلْمَ إِنَّمَا صَارَ ظُلْمًا لِكَوْنِهِ مَنْهِيًّا عَنْهُ، وَلَا يُتَصَوَّرُ فِي أَفْعَالِهِ تَعَالَى شَيْءٌ يُنْهَى عَنْهُ؛ إِذْ لَا نَاهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ هُنَاكَ مَنْ يَأْمُرُ اللهَ أَوْ يَنْهَى اللهَ، لِأَنَّ الْعَالَمَ خَلْقُهُ وَمُلْكُهُ.
وَكَذٰلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ الظُّلْمُ إِلَّا فِي حَقِّ مَنْ يُتَصَوَّرُ فِي حَقِّهِ الْجَهْلُ، وَاللهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الْجَهْلِ، كَمَا هُوَ مُنَزَّهٌ عَنِ الظُّلْمِ؛ فَتَعَالَى اللهُ وَتَقَدَّسَ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ.
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ۚ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥)﴾
أَيْ: يَوْمَ يَجْمَعُهُمُ اللهُ تَعَالَى لِلْحِسَابِ، يَرَوْنَ مُدَّةَ لُبْثِهِمْ فِي الدُّنْيَا، أَوْ مُدَّةَ مُكْثِهِمْ فِي الْقُبُورِ، كَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ إِلَّا زَمَنًا قَصِيرًا جِدًّا، وَهُوَ قَدْرُ سَاعَةٍ مِنَ النَّهَارِ؛ وَذٰلِكَ لِهَوْلِ مَا يَرَوْنَ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ، فَيَسْتَقْصِرُونَ كُلَّ مَا مَضَى مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا وَمُدَدِ الْبَرْزَخِ، وَيَتَسَاءَلُونَ: كَمْ مَضَى عَلَيْهِمْ فِي هٰذِهِ الدُّنْيَا؟ وَكَمْ سَيَمْضِي عَلَيْنَا فِي الْقُبُورِ؟ ثُمَّ إِنَّهُمْ، مَعَ ذٰلِكَ، يُحْشَرُونَ وَيُجْمَعُونَ لِلْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ.
﴿كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ﴾
أَيْ: يَتَصَوَّرُونَ ذٰلِكَ عَلَى حَقِيقَةِ مَا تَكُونُ عَلَيْهِ السَّاعَةُ مِنَ الْقِصَرِ وَسُرْعَةِ الِانْقِضَاءِ؛ فَيَرَوْنَ مُدَدَهُمْ كَأَنَّهَا سَاعَةٌ وَاحِدَةٌ.
﴿يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾
أَيْ: يَعْرِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِنَ الْقُبُورِ، كَأَنَّهُمْ لَمْ يَفْتَرِقُوا إِلَّا قَلِيلًا، ثُمَّ يَنْقَطِعُ هٰذَا التَّعَارُفُ بَعْدَ ذٰلِكَ لِشِدَّةِ الْأَمْرِ وَهَوْلِ الْمَوْقِفِ؛ فَيَنْشَغِلُ كُلُّ وَاحِدٍ بِنَفْسِهِ.
﴿كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا﴾
هِيَ حَالٌ مِنْهُمْ؛ أَيْ: نَحْشُرُهُمْ فِي هَيْئَةِ مَنْ يُشْبِهُ مَنْ لَمْ يَمْكُثْ إِلَّا سَاعَةً وَاحِدَةً، وَكَأَنَّهُمْ مَا تَعَارَفُوا فِي الدُّنْيَا إِلَّا زَمَنًا يَسِيرًا.
﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللهِ﴾
أَيْ: خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ، وَكَذَّبُوا بِالثَّوَابِ وَالْوَعِيدِ وَالْعِقَابِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذٰلِكَ عَلَى إِرَادَةِ الْقَوْلِ؛ أَيْ: يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَائِلِينَ ذٰلِكَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ شَهَادَةً مِنَ اللهِ تَعَالَى عَلَى خُسْرَانِهِمْ. وَمَعْنَى الْخُسْرَانِ: أَنَّهُمْ أَضَاعُوا تِجَارَتَهُمْ، وَاسْتَبْدَلُوا بِالْإِيمَانِ الْكُفْرَ، فَكَانَتْ صَفْقَتُهُمْ خَاسِرَةً.
﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾
أَيْ: لَمْ يَكُونُوا مُهْتَدِينَ إِلَى سَبِيلِ النَّجَاةِ، وَلَا عَارِفِينَ بِطَرِيقِ الرِّبْحِ فِي تِجَارَةِ الْآخِرَةِ، وَهُوَ اسْتِئْنَافٌ فِيهِ مَعْنَى التَّعَجُّبِ؛ كَأَنَّهُ قِيلَ: مَا أَخْسَرَهُمْ، وَقَدْ تَرَكُوا الْإِيمَانَ وَآثَرُوا الْكُفْرَ.
﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (٤٦)﴾
أَيْ: إِمَّا أَنْ يُرِيَكَ اللهُ تَعَالَى، يَا مُحَمَّدُ ﷺ، بَعْضَ مَا نَعِدُهُمْ بِهِ مِنَ الْعَذَابِ فِي الدُّنْيَا، وَإِمَّا أَنْ نَتَوَفَّيَنكَ قَبْلَ أَنْ تَرَى ذٰلِكَ؛ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَنَجَازِيهِمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَإِنْ لَمْ تَرَ الْعَذَابَ الْمُعَجَّلَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، فَسَتَرَى جَزَاءَهُمْ وَعَذَابَهُمْ فِي الْآخِرَةِ.
﴿ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (٤٦)﴾
أَيْ: اللهُ تَعَالَى شَهِيدٌ عَلَى أَفْعَالِهِمْ، وَالْمُرَادُ بِهٰذِهِ الشَّهَادَةِ مَا تَقْتَضِيهِ مِنَ الْمُجَازَاةِ وَالْعِقَابِ؛ فَكَأَنَّهُ قِيلَ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى مُعَاقِبٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ ﴿ثُمَّ﴾ هُنَا بِمَعْنَى الْوَاوِ؛ فَتَكُونُ لِلتَّرْتِيبِ فِي الْإِخْبَارِ لَا فِي الْحُصُولِ، وَتَقَعُ أَحْيَانًا لِلتَّرْتِيبِ فِي الْحُصُولِ، وَأَحْيَانًا أُخْرَى لِلتَّرْتِيبِ فِي الْإِخْبَارِ، وَهٰذَا مِمَّا تَشْهَدُ لَهُ نُصُوصُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ. قَالَ الإِمَامُ أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ «ثُمَّ» هُنَا بِمَعْنَى الْوَاوِ؛ أَيْ: ﴿وَقَدِ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾.