بسم الله الرحمن الرحيم
﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (68) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (69) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمْ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ (71)﴾
﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهٰذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٨)﴾
أَيْ: قَالَ الْمُشْرِكُونَ وَالْمُفْتَرُونَ عَلَى اللهِ تَعَالَى: اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا! فَنَزَّهَ اللهُ نَفْسَهُ عَنْ ذٰلِكَ، وَتَعَجَّبَ مِنْ كَلِمَتِهِمُ الْحَمْقَاءِ، فَإِنَّ نِسْبَةَ الْوَلَدِ إِلَى اللهِ تَعَالَى شَتْمٌ وَبُهْتَانٌ، وَمَنْ نَسَبَ إِلَى اللهِ وَلَدًا فَقَدْ جَعَلَهُ، وَالْعِيَاذُ بِاللهِ، مُحْتَاجًا إِلَى غَيْرِهِ، وَجَعَلَهُ فَقِيرًا إِلَى غَيْرِهِ، وَنَسَبَ إِلَيْهِ التَّرَكُّبَ وَالتَّجَزُّؤَ وَالتَّبَعُّضَ، وَهٰذَا كُلُّهُ مُحَالٌ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى.
﴿سُبْحَانَهُ﴾
تَنْزِيهٌ لَهُ عَنْ اتِّخَاذِ الْوَلَدِ، وَتَعْجِيبٌ مِنْ قَوْلِهِمُ الْبَاطِلِ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: «شَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَيْسَ لَهُ ذٰلِكَ، أَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَبِقَوْلِهِ: إِنَّ لِي وَلَدًا»، فَمَنْ نَسَبَ الْوَلَدَ إِلَى اللهِ تَعَالَى فَقَدْ كَذَّبَ وَعَارَضَ مَا أَخْبَرَ اللهُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ اللهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَدٌ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ إِنَّمَا يَكُونُ لِلْمَخْلُوقِ، وَاللهُ سُبْحَانَهُ لَيْسَ أَصْلًا لِفَرْعٍ، وَلَا فَرْعًا لِأَصْلٍ، وَلَا يُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ خَلْقِهِ.
﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾
أَيْ: هُوَ الْمُسْتَغْنِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ فِي حَقِّهِ وَلَدٌ وَالْوَلَدُ إِنَّمَا يَكُونُ لِمَنْ يَحْتَاجُ وَيَفْتَقِرُ؟
﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾
أَيْ: لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِلْكًا وَتَصَرُّفًا، وَمَنْ كَانَ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ، وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يَقْتَضِي مُشَابَهَةً وَتَجَزُّؤًا وَحَاجَةً، وَهٰذَا كُلُّهُ مُحَالٌ فِي حَقِّ مَنْ لَهُ الْمُلْكُ كُلُّهُ وَهُوَ الْخَالِقُ الْوَاحِدُ الْأَزَلِيُّ الْأَبَدِيُّ. فَكَمَا يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ، يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ، وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَتَّصِفَ بِشَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ خَلْقِهِ.
﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهٰذَا﴾
أَيْ: أَعِنْدَكُمْ عَلَى هٰذَا الْقَوْلِ حُجَّةٌ أَوْ دَلِيلٌ؟ وَالسُّلْطَانُ فِي الْقُرْآنِ يُرَادُ بِهِ الْحُجَّةُ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا. فَمِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ بِهٰذَا؟ مَنْ قَالَ لَكُمْ: إِنَّ لِلَّهِ وَلَدًا؟ أَوْ إِنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا؟ أَوْ إِنَّ اللهَ جِسْمٌ؟ أَوْ إِنَّهُ يَجْلِسُ؟ أَوْ إِنَّهُ يُشْبِهُ خَلْقَهُ؟ أَوْ إِنَّهُ يَسْكُنُ فِي سَمَاءٍ أَوْ فِي أَرْضٍ؟ أَعِنْدَكُمْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذٰلِكَ حُجَّةٌ صَحِيحَةٌ؟
﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٨)﴾
أَيْ: أَتَجْتَرِئُونَ عَلَى اللهِ فَتَنْسِبُونَ إِلَيْهِ مَا لَا عِلْمَ لَكُمْ بِهِ؟ وَهٰذَا تَبْكِيتٌ لَهُمْ وَتَقْرِيعٌ؛ إِذْ بَيَّنَ أَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ دَلِيلًا، وَأَنَّ قَوْلَهُمْ افْتِرَاءٌ مُحَضٌ.
﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩)﴾
أَيْ: قُلْ لَهُمْ، يَا مُحَمَّدُ ﷺ: إِنَّ الَّذِينَ يَخْتَلِقُونَ الْكَذِبَ عَلَى اللهِ، وَيَقُولُونَ عَلَيْهِ مَا لَا يَعْلَمُونَ، وَيَنْسِبُونَ إِلَيْهِ الْوَلَدَ وَالْبَاطِلَ، لَا يَفْلِحُونَ؛ أَيْ: لَا يَنْجُونَ مِنَ النَّارِ، وَلَا يَفُوزُونَ بِالْجَنَّةِ. وَالْمُفْلِحُونَ هُمُ الظَّافِرُونَ بِمَا طَلَبُوا، النَّاجُونَ مِمَّا هَرَبُوا، وَهَؤُلَاءِ لَا نَجَاةَ لَهُمْ وَإِنَّمَا هُمْ فِي خُسْرَانٍ، نَسْأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ.
﴿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾
أَيْ: لَهُمْ مَتَاعٌ قَلِيلٌ فِي الدُّنْيَا يَتَمَتَّعُونَ بِهِ زَمَنًا يَسِيرًا، وَمِنْ جُمْلَةِ ذٰلِكَ أَنَّهُمْ يَفْتَرُونَ هٰذَا الْقَوْلَ الْبَاطِلَ لِأَجْلِ مَنَافِعِ الدُّنْيَا، وَإِقَامَةِ رِيَاسَتِهِمْ فِي الْكُفْرِ، وَمُنَاصَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْتَّظَاهُرِ عَلَيْهِ. ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ، وَهٰذَا تَخْوِيفٌ لَهُمْ وَتَهْدِيدٌ؛ فَإِنَّهُمْ رَاجِعُونَ إِلَى اللهِ لَا مَحَالَةَ، ثُمَّ يُذِيقُهُمُ اللهُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ الْمُخَلَّدَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وَافْتِرَائِهِمْ، فَهُمْ قَوْمٌ مَآلُهُمْ وَمَرْجِعُهُمْ إِلَى عَذَابٍ شَدِيدٍ لَا انْقِطَاعَ لَهُ.
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللهِ فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (٧١)﴾
أَيْ: اقْرَأْ عَلَيْهِمْ، يَا مُحَمَّدُ ﷺ، خَبَرَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعَ قَوْمِهِ، وَمَا كَانَ مِنْ دَعْوَتِهِ لَهُمْ، وَمَا لَقِيَهُ مِنْ عِنَادِهِمْ وَمُكَابَرَتِهِمْ، لِيَكُونَ فِي ذٰلِكَ تَثْبِيتٌ لِقَلْبِكَ، وَعِبْرَةٌ لِمَنْ يَسْمَعُ وَيَعْتَبِرُ.
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾
أَيْ: وَاقْرَأْ عَلَيْهِمْ.
﴿نَبَأَ نُوحٍ﴾
أَيْ: خَبَرَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمَا جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمِهِ.
﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ﴾
أَيْ: إِذْ قَالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِقَوْمِهِ: يَا قَوْمِ، إِنْ كَانَ عَظُمَ عَلَيْكُمْ وَثَقُلَ.
﴿مَقَامِي﴾
أَيْ: مُكَثِي وَقِيَامِي بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ وَدَوَامُ دَعْوَتِي لَكُمْ، فَقَدْ دَعَا نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَوْمَهُ مُدَّةً طَوِيلَةً، أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا.
﴿وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللهِ﴾
أَيْ: وَتَذْكِيرِي إِيَّاكُمْ بِآيَاتِ اللهِ وَحُجَجِهِ وَمَوَاعِظِهِ، وَمَا أَسْتَعْمِلُهُ فِي الدَّعْوَةِ مِنْ أَسَالِيبِ الْإِبْلَاغِ وَالْبَيَانِ؛ فَإِنَّ الدَّاعِي قَدْ يَقِفُ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي الْمَوْعِظَةِ، وَقَدْ يَرْفَعُ صَوْتَهُ أَحْيَانًا، وَقَدْ يُنَوِّعُ طَرِيقَتَهُ لِيَزْدَادَ الْأَثَرُ فِي الْقُلُوبِ.
﴿فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ﴾
أَيْ: فَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَاعْتَمَدْتُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ، فَأَمْرِي لَيْسَ إِلَيْكُمْ، وَلَا أَخَافُ مِنْكُمْ مَعَ تَوَكُّلِي عَلَى رَبِّي.
﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾
أَيْ: فَاجْمَعُوا رَأْيَكُمْ، وَأَحْكِمُوا تَدْبِيرَكُمْ، وَانْظُرُوا مَاذَا أَنْتُمْ فَاعِلُونَ، وَمَاذَا تَقْدِرُونَ عَلَيْهِ.
﴿وَشُرَكَاءَكُمْ﴾
أَيْ: وَاجْمَعُوا أَمْرَكُمْ مَعَ شُرَكَائِكُمْ، أَوِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَزْعُمُونَ، فَلْيَتَعَاوَنُوا مَعَكُمْ إِنْ كَانُوا يَنْفَعُونَ.
﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾
أَيْ: ثُمَّ لَا يَكُنْ تَدْبِيرُكُمْ عَلَيْكُمْ غَمًّا وَكَرْبًا، وَالْغُمَّةُ كَالْكُرْبَةِ، أَوْ لَا يَكُنْ عَلَيْكُمْ مُلْتَبِسًا مُسْتُورًا فِي خُفْيَةٍ؛ فَإِنَّ «الْغُمَّةَ» هِيَ السِّتْرَةُ، مِنْ قَوْلِهِمْ: «غَمَّهُ» إِذَا سَتَرَهُ. وَالْمَعْنَى: لَا تَجْعَلُوا قَصْدَكُمْ إِلَى إِهْلَاكِي مُسْتُورًا عَلَيْكُمْ، بَلِ اجْعَلُوهُ مَكْشُوفًا مَشْهُورًا تُجَاهِرُونَنِي بِهِ، وَهٰذَا عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ؛ فَهُوَ لَا يَأْمُرُهُمْ بِالْبَاطِلِ، وَلٰكِنَّهُ يَتَحَدَّاهُمْ وَيُبَيِّنُ لَهُمْ عَجْزَهُمْ.
﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾
أَيْ: ثُمَّ امْضُوا فِي أَمْرِكُمْ وَأَنْفِذُوا مَا تُرِيدُونَ إِنْ كُنْتُمْ تَقْدِرُونَ، وَلَا تُؤَخِّرُونِي وَلَا تُمْهِلُونِي، فَإِنِّي لَا أُبَالِي بِكَيْدِكُمْ مَعَ تَوَكُّلِي عَلَى اللهِ، وَمَا أَنْتُمْ بِضَارِّينِي إِلَّا بِمَا أَذِنَ بِهِ رَبِّي.