مُقَدِّمَةٌ
الحَمْدُ لِلهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ أَعْظَمَ أُصُولِ الدِّينِ وَأَجَلَّ مَبَادِئِ العَقِيدَةِ: الإِيمَانُ بِوُجُودِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ الخَالِقُ المُدَبِّرُ، وَالرَّبُّ المُتَفَرِّدُ بِالأُلُوهِيَّةِ، الَّذِي لَا يُشَارِكُهُ فِي رُبُوبِيَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَا يَسْتَحِقُّ العِبَادَةَ غَيْرُهُ.
وَلِذَلِكَ جَاءَ القُرْآنُ الكَرِيمُ بِتَقْرِيرِ هَذَا الأَصْلِ، وَإِقَامَةِ الأَدِلَّةِ عَلَيْهِ، وَدَعْوَةِ العُقُولِ إِلَى التَّفَكُّرِ فِي آيَاتِ اللهِ، وَتَبْكِيتِ أَهْلِ الشَّكِّ وَالجُحُودِ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (إِبْرَاهِيم: 10)، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ﴾ (مُحَمَّد: 19).
فَفِي الآيَةِ الأُولَى تَبْكِيتٌ لِكُلِّ مُتَرَدِّدٍ فِي وُجُودِ اللهِ؛ إِذْ إِنَّ مَجَرَّدَ النَّظَرِ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَقْطَعُ بِأَنَّ لَهُمَا فَاطِرًا وَخَالِقًا، وَفِي الآيَةِ الثَّانِيَةِ أَمْرٌ بِالعِلْمِ المُنْتِجِ لِليَقِينِ، وَبِتَصْحِيحِ المَعْرِفَةِ الَّتِي يَسْتَقِيمُ بِهَا الإِيمَانُ.
أَوَّلًا: صِفَةُ الوُجُودِ وَأَنَّهَا وَاجِبَةٌ لِلهِ تَعَالَى
مِنَ المَعْلُومِ عِنْدَ أَهْلِ الحَقِّ أَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَوْصُوفٌ بِصِفَاتٍ أَزَلِيَّةٍ أَبَدِيَّةٍ تَلِيقُ بِجَلَالِهِ، لَا تُشْبِهُ صِفَاتِ المَخْلُوقِينَ، وَلَا يَجُوزُ فِيهَا التَّغَيُّرُ وَلَا الحُدُوثُ، وَمِنْ أَعْظَمِ تِلْكَ الصِّفَاتِ: صِفَةُ الوُجُودِ.
فَيَجِبُ العِلْمُ وَالاعْتِقَادُ أَنَّ اللهَ مَوْجُودٌ، وَأَنَّ وُجُودَهُ لَيْسَ كَوُجُودِنَا؛ لِأَنَّ وُجُودَنَا مَسْبُوقٌ بِعَدَمٍ، وَلَاحِقٌ بِفَنَاءٍ، وَأَمَّا وُجُودُ اللهِ فَقَدِيمٌ أَزَلِيٌّ؛ أَيْ لَمْ يَسْبِقْهُ عَدَمٌ، وَهُوَ دَائِمٌ أَبَدِيٌّ؛ أَيْ لَا يَلْحَقُهُ زَوَالٌ وَلَا فَنَاءٌ.
وَلِذَا كَانَ مَنْ يُنْكِرُ وُجُودَ اللهِ يُسَمَّى: مُلْحِدًا، وَيُقَالُ لَهُ: مُعَطِّلًا؛ لِأَنَّهُ عَطَّلَ رَبَّهُ عَنْ صِفَةٍ وَاجِبَةٍ لَهُ بِالإِجْمَاعِ، وَهَذَا مِنْ أَشَدِّ صُوَرِ الجُحُودِ وَالعِنَادِ.
ثَانِيًا: طُرُقُ إِثْبَاتِ وُجُودِ اللهِ تَعَالَى
إِنَّ الأَدِلَّةَ عَلَى وُجُودِ اللهِ تَعَالَى كَثِيرَةٌ، وَلَكِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى ثَلَاثَةِ طُرُقٍ جَامِعَةٍ:
1. طَرِيقُ الاِسْتِدْلَالِ بِالخَلْقِ وَالنَّظَرِ فِي الآيَاتِ الكَوْنِيَّةِ.
2. طَرِيقُ الخَبَرِ الصَّادِقِ لِلرَّسُولِ ﷺ المُؤَيَّدِ بِالمُعْجِزَاتِ.
3. طَرِيقُ الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ المَحْضِ الَّذِي يُثْبِتُ حُدُوثَ العَالَمِ وَافْتِقَارَهُ إِلَى خَالِقٍ.
وَسَنَفْصِلُ كُلَّ طَرِيقٍ مِنْ هَذِهِ الطُّرُقِ بِبَيَانٍ شَافٍ.
ثَالِثًا: طَرِيقُ الاِسْتِدْلَالِ بِالخَلْقِ وَالتَّفَكُّرِ فِي آيَاتِ اللهِ
إِنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ يَدْعُو العُقُولَ إِلَى النَّظَرِ وَالتَّفَكُّرِ، وَيُقَرِّرُ أَنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ آيَاتٍ دَالَّةً عَلَى وُجُودِ خَالِقٍ عَلِيمٍ قَدِيرٍ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي البَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (البَقَرَة: 164).
فَهَذِهِ الآيَةُ العَظِيمَةُ جَمَعَتْ أَبْوَابًا مِنَ الدَّلَالَاتِ الَّتِي لَا تَدَعُ مَجَالًا لِمُتَعَنِّتٍ يَدَّعِي أَنَّ هَذَا الكَوْنَ وُجِدَ صُدْفَةً أَوْ تَكَوَّنَ بِلَا خَالِقٍ.
فَإِنَّ تَعَاقُبَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَجَرَيَانَ الفُلْكِ فِي البِحَارِ، وَنُزُولَ المَطَرِ، وَإِحْيَاءَ الأَرْضِ بَعْدَ مَوْتِهَا، وَتَصْرِيفَ الرِّيَاحِ، وَتَسْخِيرَ السَّحَابِ، كُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى تَدْبِيرٍ مُحْكَمٍ، وَنِظَامٍ مُتَّسِقٍ، وَحِكْمَةٍ عَالِيَةٍ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ فَاعِلٍ قَصَدَ وَأَرَادَ وَقَدَّرَ وَدَبَّرَ.
وَلِذَلِكَ فَإِنَّ مَنْ نَظَرَ فِي نَفْسِهِ وَخِلْقَتِهِ لَوَجَدَ أَنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ أَعْضَاءٍ وَقُوًى، وَأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ فِي جَسَدِهِ وُضِعَ فِي مَوْضِعِهِ عَلَى وَجْهٍ يَتَحَقَّقُ بِهِ النَّفْعُ وَتَتِمُّ بِهِ الحِكْمَةُ، فَمَنْ الَّذِي صَوَّرَ وَخَلَقَ وَأَحْسَنَ؟! وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ (السَّجْدَة: 7).
وَإِذَا نَظَرَ الإِنْسَانُ فِي العَالَمِ وَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا مُتَحَوِّلًا، يَنْتَقِلُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَكُلُّ مُتَغَيِّرٍ حَادِثٌ؛ لِأَنَّ التَّغَيُّرَ دَلِيلُ الاِحْتِيَاجِ، وَالمُحْتَاجُ لَا يَكُونُ قَدِيمًا.
فَثَبَتَ عَقْلًا: أَنَّ العَالَمَ حَادِثٌ، وَكُلُّ حَادِثٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ، وَذَلِكَ المُحْدِثُ هُوَ اللهُ تَعَالَى.
رَابِعًا: طَرِيقُ الخَبَرِ الصَّادِقِ وَإِثْبَاتُ وُجُودِ اللهِ بِصِدْقِ الرُّسُلِ وَالمُعْجِزَاتِ
وَمِنْ طُرُقِ الإِثْبَاتِ الَّتِي يَعْتَمِدُهَا العُقَلَاءُ: طَرِيقُ الخَبَرِ الصَّادِقِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الرُّسُلَ أُرْسِلُوا مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا يَدْعُونَ النَّاسَ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، وَيُخْبِرُونَهُمْ بِأَخْبَارِ الغَيْبِ وَالمَعَادِ وَالوَحْيِ، فَكَانَ لَا بُدَّ أَنْ يُؤَيَّدُوا بِمَا يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِمْ؛ فَأَيَّدَهُمُ اللهُ بِالمُعْجِزَاتِ.
وَالمُعْجِزَةُ: أَمْرٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ، يَظْهَرُ عَلَى يَدِ مَنْ يَدَّعِي النُّبُوَّةَ، عَلَى وَجْهٍ يَعْجِزُ العِبَادُ عَنْ مُعَارَضَتِهِ، فَيَكُونُ دَلِيلًا عَلَى صِدْقِ ذَلِكَ الرَّسُولِ.
وَالذِي يَمْتَازُ بِهِ هَذَا الطَّرِيقُ أَنَّ المُعْجِزَاتِ لَمْ تَقَعْ فِي خَلَاءٍ، وَلَمْ يُشَاهِدْهَا فَرْدٌ وَاحِدٌ، بَلْ شَاهَدَهَا جَمْعٌ كَبِيرٌ مِنَ النَّاسِ، وَتَنَاقَلَهَا الكَثِيرُونَ مِمَّنْ يَسْتَحِيلُ عَقْلًا تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الكَذِبِ، فَتَصِيرُ خَبَرًا مُتَوَاتِرًا.
وَمَنْ أَنْكَرَ الخَبَرَ المُتَوَاتِرَ فَقَدْ نَقَضَ أَسَاسَ المَعْرِفَةِ، وَفَتَحَ عَلَى نَفْسِهِ بَابَ الشَّكِّ فِي كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى فِي أُمُورٍ يُؤْمِنُ بِهَا كُلُّ عَاقِلٍ؛ كَوُجُودِ الأَنْبِيَاءِ وَالمُلُوكِ وَالأُمَمِ السَّابِقَةِ، وَحَتَّى وُجُودِ آبَائِهِ وَأَجْدَادِهِ الَّذِينَ لَمْ يَرَهُمْ!
فَثَبَتَ: أَنَّ وُقُوعَ المُعْجِزَاتِ دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِ الرُّسُلِ، وَصِدْقُ الرُّسُلِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُودِ مَنْ أَرْسَلَهُمْ، وَهُوَ اللهُ تَعَالَى، وَمَنْ رَدَّ ذَلِكَ فَإِنَّمَا يَرُدُّهُ مُكَابِرٌ مُعَانِدٌ.
خَامِسًا: الدَّلِيلُ العَقْلِيُّ المَحْضُ عَلَى وُجُودِ اللهِ تَعَالَى
وَأَمَّا الدَّلِيلُ العَقْلِيُّ المَحْضُ فَهُوَ مِنْ أَقْوَى الأَدِلَّةِ وَأَوْضَحِهَا، وَمَرْجِعُهُ إِلَى إِثْبَاتِ حُدُوثِ العَالَمِ، وَأَنَّهُ مَخْلُوقٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، وَكُلُّ مَا كَانَ حَادِثًا فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ.
وَنَحْنُ نَرَى الأَجْسَامَ وَالمَوَادَّ مُحْتَاجَةً فِي وُجُودِهَا وَبَقَائِهَا، وَنَرَى أَنَّهَا لَا تَسْتَغْنِي عَنْ غَيْرِهَا، بَلْ تَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يَحْفَظُهَا وَيُدَبِّرُهَا، وَتَحْتَاجُ إِلَى مَا يُنَاسِبُهَا مِنَ الغِذَاءِ وَالهَوَاءِ وَالمَاءِ وَالحَرَارَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَهَذَا كُلُّهُ دَلِيلُ الاِفْتِقَارِ.
وَنَرَى أَيْضًا أَنَّ الإِنْسَانَ يَخْرُجُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ ضَعِيفًا، لَا يَعْلَمُ شَيْئًا، ثُمَّ يَنْتَقِلُ فِي أَطْوَارٍ مُتَتَالِيَةٍ: طِفْلًا، ثُمَّ شَابًّا، ثُمَّ كَهْلًا، ثُمَّ شَيْخًا، ثُمَّ هَرِمًا؛ يَنْتَقِلُ مِنْ ضَعْفٍ إِلَى قُوَّةٍ، ثُمَّ إِلَى ضَعْفٍ، وَهَذَا التَّحَوُّلُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ فِعْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ فِعْلِهِ لَاخْتَارَ دَائِمًا أَحْسَنَ الأَحْوَالِ وَأَكْمَلَ المَرَاتِبِ وَلَمْ يَقْبَلْ الهَرَمَ وَالضَّعْفَ وَالفَنَاءَ.
فَثَبَتَ أَنَّ لَهُ مُدَبِّرًا دَبَّرَهُ، وَمُصَوِّرًا صَوَّرَهُ، وَمُخْرِجًا أَخْرَجَهُ مِنَ العَدَمِ إِلَى الوُجُودِ، وَهُوَ اللهُ تَعَالَى.
وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ ذَلِكَ مِنَ «الطَّبِيعَةِ»؛ لأَنَّ الطَّبِيعَةَ إِنْ أُرِيدَ بِهَا النِّظَامُ فَالنِّظَامُ لَا يَخْلُقُ نَفْسَهُ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهَا الصِّفَةُ فَالصِّفَةُ لَا تُوجِدُ وَلا تَفْعَلُ؛ بَلْ لَا بُدَّ لِكُلِّ نِظَامٍ مِنْ مُنَظِّمٍ، وَلِكُلِّ تَدْبِيرٍ مِنْ مُدَبِّرٍ، وَلِكُلِّ فِعْلٍ مِنْ فَاعِلٍ، وَهَذَا مِمَّا يَقْضِي بِهِ العَقْلُ قَطْعًا.
سَادِسًا: مَثَلٌ بَدِيعٌ فِي إِثْبَاتِ الصَّانِعِ سُبْحَانَهُ
وَمِنَ الأَمْثِلَةِ الَّتِي تَفْتَحُ العَقْلَ عَلَى بَابِ اليَقِينِ: مَا ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ العُلَمَاءِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الدَّلِيلِ عَلَى وُجُودِ اللهِ تَعَالَى فَقَالَ:
«وَرَقَةُ التُّوتِ طَعْمُهَا وَلَوْنُهَا وَرِيحُهَا وَطَبْعُهَا وَاحِدٌ عِنْدَ النَّاظِرِ، وَمَعَ ذَلِكَ يَأْكُلُهَا النَّحْلُ فَيَخْرُجُ العَسَلُ، وَتَأْكُلُهَا الشَّاةُ فَيَخْرُجُ البَعْرُ، وَيَأْكُلُهَا دُودُ القَزِّ فَيَخْرُجُ الحَرِيرُ، وَتَأْكُلُهَا الظِّبَاءُ فَيَتَكَوَّنُ المِسْكُ».
فَأَيْنَ ذَهَبَتْ دَعْوَى الصُّدْفَةِ؟! وَأَيْنَ مَفْهُومُ أَنَّ الأَشْيَاءَ تَتَكَوَّنُ بِلَا تَدْبِيرٍ؟! إِنَّ هَذَا التَّنَوُّعَ العَجِيبَ فِي النَّتَائِجِ مَعَ وَحْدَةِ المَادَّةِ دَلِيلٌ عَلَى صَانِعٍ حَكِيمٍ أَوْدَعَ فِي الكَوْنِ سُنَنًا، وَأَجْرَى فِيهِ أَسْرَارًا، وَسَيَّرَهُ بِقُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ.
سَابِعًا: خَاتِمَةٌ فِي الرَّدِّ عَلَى شُبَهِ المُلاَحِدَةِ
إِنَّ شُبَهَ المُلاَحِدَةِ لَا تَقُومُ فِي حَقِيقَتِهَا عَلَى بُرْهَانٍ رَاسِخٍ، بَلْ تَرْجِعُ فِي الغَالِبِ إِلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ:
الأَمْرُ الأَوَّلُ: الجَهْلُ بِمَنَاهِجِ العَقْلِ فِي الإِثْبَاتِ.
فَيَتَوَهَّمُ المُنْكِرُ أَنَّ مَا لَا يُدْرَكُ بِالحِسِّ لَا وُجُودَ لَهُ، وَهَذَا بَاطِلٌ؛ فَإِنَّنَا نُثْبِتُ بِالعَقْلِ أُمُورًا كَثِيرَةً لَا تُدْرَكُ بِالعَيْنِ، كَالعَقْلِ نَفْسِهِ، وَالمَعَانِي، وَالمَحَبَّةِ، وَالخَوْفِ، وَالقَوَانِينِ، وَالطَّاقَاتِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُنْكِرُهُ عَاقِلٌ.
الأَمْرُ الثَّانِي: سُوءُ الفَهْمِ لِمَعْنَى القَوَانِينِ وَالسُّنَنِ.
فَيَظُنُّ بَعْضُهُمْ أَنَّ وُجُودَ القَوَانِينِ فِي الكَوْنِ يُغْنِي عَنْ الخَالِقِ!
فَنَقُولُ لَهُ: مَنْ خَلَقَ المَادَّةَ؟ وَمَنْ أَوْجَدَ القَانُونَ؟ وَمَنْ أَجْرَى النِّظَامَ؟ وَمَنْ جَعَلَ السُّنَنَ تَعْمَلُ عَلَى وَجْهٍ مُحْكَمٍ؟!
إِنَّ القَانُونَ لَا يَسْتَقِلُّ بِالفِعْلِ، وَالنِّظَامَ لَا يُوجِدُ نَفْسَهُ، وَمَنْ زَعَمَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ مُحَالًا، وَنَفَى عَنْ نَفْسِهِ أَبْسَطَ مَبَادِئِ العَقْلِ.
وَإِذًا؛ فَالإِيمَانُ بِوُجُودِ اللهِ لَيْسَ دَعْوًى عَاطِفِيَّةً فَقَطْ، بَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ تَشْهَدُ لَهَا الفِطْرَةُ، وَيَقُومُ عَلَيْهَا العَقْلُ، وَيُؤَيِّدُهَا الوَحْيُ، وَيَنْطِقُ بِهَا نِظَامُ الكَوْنِ كُلُّهُ؛ فَسُبْحَانَ مَنْ خَلَقَ فَسَوَّى، وَقَدَّرَ فَهَدَى.
وَالحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ.