مُقَدِّمَةٌ
إِنَّ دِينَ الإِسْلَامِ دِينٌ قَائِمٌ عَلَى الحَقِّ وَالبَيَانِ، جَامِعٌ بَيْنَ النُّورِ الَّذِي يَهْدِي القُلُوبَ، وَالبُرْهَانِ الَّذِي يُقِيمُ الحُجَّةَ عَلَى العُقُولِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ العَقْلَ نِعْمَةٌ عُظْمَى، جَعَلَهَا اللهُ سَبَبًا لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ، وَوَسِيلَةً لِتَأَمُّلِ آيَاتِ اللهِ فِي الآفَاقِ وَالأَنْفُسِ، وَمِفْتَاحًا لِفَهْمِ دَلَائِلِ الوَحْيِ وَمَقَاصِدِ الشَّرْعِ.
وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَانَتْ مَعْرِفَةُ الأَدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ عَلَى وُجُودِ اللهِ تَعَالَى وَعَظَمَتِهِ وَتَنْزِيهِهِ عَنْ مُمَاثَلَةِ المَخْلُوقَاتِ، أَمْرًا عَظِيمَ القَدْرِ فِي دِينِ اللهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الأَدِلَّةَ تَكُونُ سُلَّمًا يَصِلُ بِهِ المُؤْمِنُ إِلَى ثُبُوتِ اليَقِينِ، وَتَكُونُ سِلَاحًا يَدْفَعُ بِهِ شُبَهَاتِ المُنْحَرِفِينَ وَتَلْبِيسَاتِ المُبْطِلِينَ.
أَوَّلًا: الأَدِلَّةُ العَقْلِيَّةُ تُرْشِدُ إِلَى مَعْرِفَةِ اللهِ وَتُثَبِّتُ الإِيمَانَ
إِنَّ أَكْثَرَ مَا يَقُومُ بِهِ العَقْلُ الصَّحِيحُ هُوَ أَنْ يَنْظُرَ فِي هَذَا العَالَمِ: سَمَائِهِ وَأَرْضِهِ، وَشَمْسِهِ وَقَمَرِهِ، وَنِظَامِهِ وَمَخْلُوقَاتِهِ، فَيَرَى أَنَّهُ عَالَمٌ مُحْكَمٌ مُتَّسِقٌ، لا يَقَعُ فِيهِ شَيْءٌ عَبَثًا، وَلَا يَنْشَأُ فِيهِ أَمْرٌ صُدْفَةً، فَيَصِلُ بِهَذَا النَّظَرِ إِلَى اليَقِينِ بِأَنَّ لِهَذَا العَالَمِ خَالِقًا حَكِيمًا، أَوْجَدَهُ عَلَى أَحْسَنِ نِظَامٍ، وَأَجْرَاهُ عَلَى أَكْمَلِ تَدْبِيرٍ.
وَلِذَلِكَ أَرْشَدَ اللهُ تَعَالَى إِلَى التَّفَكُّرِ فِي خَلْقِهِ وَجَعَلَهُ سَبَبًا لِمَعْرِفَتِهِ، فَقَالَ: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾.
فَهَؤُلَاءِ لَمْ يَقِفُوا عِنْدَ مَجَرَّدِ النَّظَرِ، بَلْ أَتْبَعُوا النَّظَرَ بِالتَّفَكُّرِ، وَالتَّفَكُّرَ بِالاسْتِدْلَالِ، حَتَّى انْتَهَى بِهِمْ ذَلِكَ إِلَى اليَقِينِ وَالْإِذْعَانِ لِعَظَمَةِ الخَالِقِ سُبْحَانَهُ.
فَالعَقْلُ إِذًا لَا يُنَافِي الإِيمَانَ، بَلْ هُوَ مُسَاعِدٌ لَهُ، وَمُثَبِّتٌ لِمَعَانِيهِ، وَمُوَجِّهٌ إِلَى صَحِيحِهِ. وَمِنْ هُنَا يَكُونُ تَعَلُّمُ الأَدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ مِمَّا يَزِيدُ المُسْلِمَ إِيمَانًا، وَيَمْنَحُهُ طُمَأْنِينَةً، وَيُبْعِدُهُ عَنِ الوَهْمِ وَالِاضْطِرَابِ وَالحَيْرَةِ.
ثَانِيًا: الأَدِلَّةُ العَقْلِيَّةُ سَبَبٌ لِصَوْنِ العَقِيدَةِ مِنَ الشُّبُهَاتِ
إِنَّ العَقِيدَةَ إِذَا لَمْ تُبْنَ عَلَى فَهْمٍ وَيَقِينٍ، كَانَتْ عُرْضَةً لِلتَّشْوِيشِ وَالزَّعْزَعَةِ، خَاصَّةً فِي زَمَنٍ تَكْثُرُ فِيهِ الشُّبُهَاتُ وَتَتَنَوَّعُ فِيهِ أَسَالِيبُ التَّشْكِيكِ.
فَإِنَّ المُشَكِّكَ إِذَا وَجَدَ إِنْسَانًا ضَعِيفَ العِلْمِ، قَلِيلَ البُرْهَانِ، اسْتَسْهَلَ إِسْقَاطَهُ وَتَفْتِيتَ يَقِينِهِ. أَمَّا إِذَا وَجَدَهُ مُتَسَلِّحًا بِالأَدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ، عَالِمًا بِمَبَادِئِ الاِسْتِدْلَالِ الصَّحِيحِ، فَإِنَّهُ يَجِدُ سَدًّا مَنِيعًا يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إِفْسَادِ قَلْبِهِ.
وَالمَرَادُ أَنْ يَكُونَ المُسْلِمُ قَادِرًا عَلَى أَنْ يُدْرِكَ الحَقَّ وَيُثْبِتَهُ، وَأَنْ يَعْرِفَ طَرِيقَ الرَّدِّ عَلَى أَهْلِ البَاطِلِ بِمَا يُفْهَمُونَهُ وَيُسَلِّمُونَ بِهِ.
ثَالِثًا: مَدْحُ القُرْآنِ لِلْحُجَّةِ العَقْلِيَّةِ وَبَيَانُ مَكَانَتِهَا
إِنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ مَشْحُونٌ بِالدَّعْوَةِ إِلَى النَّظَرِ وَالتَّفَكُّرِ، وَإِلَى الِاسْتِدْلَالِ بِآيَاتِ اللهِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ وَكَمَالِهِ.
وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَدَحَ اللهُ تَعَالَى فِي القُرْآنِ الحُجَّةَ العَقْلِيَّةَ الَّتِي أَيَّدَ بِهَا نَبِيَّهُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَالَ: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾.
فَسَمَّاهَا «حُجَّتُنَا»، وَأَضَافَهَا إِلَى نَفْسِهِ تَعَالَى تَشْرِيفًا وَتَعْلِيمًا، وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الاِحْتِجَاجَ بِالعَقْلِ مِنْ أَشْرَفِ طُرُقِ إِقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى المُنَكِرِينَ، وَأَنَّهُ طَرِيقٌ مَحْمُودٌ إِذَا كَانَ مُنْضَبِطًا بِالحَقِّ.
رَابِعًا: مِثَالٌ قُرْآنِيٌّ جَلِيلٌ: حُجَّةُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى النُّمْرُودِ
مِنْ أَبْلَغِ النَّمَاذِجِ فِي القُرْآنِ لِقُوَّةِ الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ، مَا وَقَعَ بَيْنَ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَبَيْنَ النُّمْرُودِ الطَّاغِيَةِ الَّذِي ادَّعَى الرُّبُوبِيَّةَ.
فَلَمَّا قَالَ النُّمْرُودُ لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «مَا اللهُ؟»، أَجَابَهُ إِبْرَاهِيمُ بِجَوَابٍ يَجْمَعُ بَيْنَ الإِيجَازِ وَالإِلْزَامِ فَقَالَ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾.
فَأَرَادَ النُّمْرُودُ أَنْ يُغَالِطَ وَيَتَشَبَّثَ بِشُبْهَةٍ، فَقَالَ: «أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ». ثُمَّ جَاءَ بِفِعْلٍ ظَاهِرِهِ حِيَلَةٌ وَحَقِيقَتُهُ تَلْبِيسٌ، فَأَطْلَقَ سَجِينًا وَقَتَلَ آخَرَ وَقَالَ: «أَحْيَيْتُ هَذَا وَأَمَتُّ هَذَا».
فَلَمْ يَسْتَرْسِلْ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعَهُ فِي هَذِهِ المُغَالَطَةِ، بَلْ نَقَلَهُ إِلَى بُرْهَانٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهِ، فَقَالَ: ﴿فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ المَغْرِبِ﴾.
فَهُنَا انْقَطَعَتْ حُجَّةُ النُّمْرُودِ، وَزَالَتْ مَغَالَطَتُهُ، فَحَكَمَ القُرْآنُ عَلَيْهِ بِالكَسْرِ وَالْهَزِيمَةِ فَقَالَ: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾.
وَفِي هَذَا دَرْسٌ عَظِيمٌ: أَنَّ الحُجَّةَ العَقْلِيَّةَ الصَّحِيحَةَ تَكْسِرُ سَوْطَ المُكَابِرِ، وَتُسْقِطُ تَمْوِيهَ المُجَادِلِ، وَتُحِيلُ مُحَاوَلَةَ المُنَافِقِ إِلَى خِزْيٍ وَفَضِيحَةٍ.
خَامِسًا: لِمَاذَا نَحْتَاجُ إِلَى الأَدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ فِي هَذَا الزَّمَانِ خَاصَّةً؟
إِنَّ مِنْ أَخْطَرِ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ هَذَا العَصْرُ: كَثْرَةُ المُشَكِّكِينَ، وَتَنَوُّعُ المُلْحِدِينَ، وَتَزَايُدُ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَنْزِعُوا مِنْ قُلُوبِ النَّاسِ مَعْنَى الإِيمَانِ، وَأَنْ يَسْتَبْدِلُوا بِهِ عِبَادَةَ الشَّهَوَاتِ وَالمَنَافِعِ وَالْمَادَّةِ.
وَهَؤُلَاءِ كَثِيرًا مَا يُجَادِلُونَ المُسْلِمَ بِمَا يَظُنُّونَ أَنَّهُ سَيُضْعِفُهُ: فَإِنْ قَالَ لَهُمُ المُسْلِمُ: «قَالَ اللهُ تَعَالَى»، قَالُوا لَهُ: «نَحْنُ لَا نُؤْمِنُ بِالقُرْآنِ». وَإِنْ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ»، قَالُوا: «نَحْنُ لَا نُسَلِّمُ بِالحَدِيثِ».
فَإِذًا، لَا يَلِيقُ بِالمُسْلِمِ أَنْ يَجْهَلَ مَا يُقِيمُ بِهِ الحُجَّةَ عَلَى هَؤُلَاءِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَبْقَى فِي مَوْضِعِ الضَّعْفِ أَمَامَ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَزْعَزَعَ دِينَهُ. بَلْ يَجِبُ أَنْ يَتَعَلَّمَ مِنَ الأَدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ مَا يَكْفِيهِ لِحِفْظِ إِيمَانِهِ وَدَفْعِ الشُّبُهَاتِ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ غَيْرِهِ، وَخَاصَّةً إِذَا كَانَ فِي مَوْضِعِ التَّعْلِيمِ أَوِ الدَّعْوَةِ أَوِ الإِرْشَادِ.
سَادِسًا: الأَدِلَّةُ العَقْلِيَّةُ تُسَاعِدُ عَلَى بَيَانِ تَنْزِيهِ اللهِ عَنْ مُمَاثَلَةِ الخَلْقِ
مِنْ أَهَمِّ مَا تُقِرِّرُهُ الأَدِلَّةُ العَقْلِيَّةُ أَيْضًا: أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُشْبِهُ شَيْئًا مِنَ المَخْلُوقَاتِ بِأَيِّ وَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ لِأَنَّ مَا شَابَهَ المُحْدَثَ كَانَ مُحْدَثًا، وَمَا قَبِلَ التَّغَيُّرَ وَالتَّحَوُّلَ كَانَ مُحْتَاجًا، وَالمُحْتَاجُ لَا يَكُونُ إِلَهًا.
فَالعَقْلُ الصَّحِيحُ يَقْضِي بِأَنَّ الخَالِقَ لَا يَكُونُ جِسْمًا، وَلَا يُحَدُّ بِحَدٍّ، وَلَا يُقَدَّرُ بِمِقْدَارٍ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى مَكَانٍ يَحُدُّهُ أَوْ يَحْمِلُهُ؛ لِأَنَّ المَكَانَ مَخْلُوقٌ، وَالخَالِقُ سَابِقٌ عَلَى المَخْلُوقِ، فَكَيْفَ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ؟!
وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ مُعْظَمَ شُبَهِ المُشَبِّهَةِ وَأَهْلِ التَّجْسِيمِ وَالتَّشْبِيهِ إِنَّمَا نَشَأَتْ مِنْ جَهْلِهِمْ بِمَا يَقْتَضِيهِ العَقْلُ الصَّرِيحُ فِي تَنْزِيهِ اللهِ تَعَالَى عَنْ صِفَاتِ المَخْلُوقِينَ.
خَاتِمَةٌ
وَخُلَاصَةُ المَقَالِ: أَنَّ مَعْرِفَةَ الأَدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ عَلَى وُجُودِ اللهِ وَتَنْزِيهِهِ عَنْ مُشَابَهَةِ خَلْقِهِ أَمْرٌ مُهِمٌّ فِي دِينِ اللهِ؛ لِأَنَّهَا تُرْشِدُ إِلَى مَعْرِفَةِ اللهِ، وَتُثَبِّتُ الإِيمَانَ فِي القُلُوبِ، وَتُقِيمُ الحُجَّةَ عَلَى المُنْكِرِينَ، وَتُعِينُ عَلَى دَفْعِ شُبُهَاتِ المُبْطِلِينَ، وَتُسَلِّحُ المُسْلِمَ بِمَا يُدَافِعُ بِهِ عَنْ عَقِيدَتِهِ وَدِينِهِ، خَاصَّةً فِي زَمَنٍ كَثُرَتْ فِيهِ الشُّبُهَاتُ وَتَعَدَّدَتْ فِيهِ طُرُقُ الإِغْوَاءِ وَالتَّشْكِيكِ.
فَيَنْبَغِي لِلمُسْلِمِ أَنْ يَتَعَلَّمَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الأَدِلَّةِ، وَأَنْ يَحْفَظَ مَفَاتِيحَهَا وَمَبَادِئَهَا، لِيَبْقَى ثَابِتًا عَلَى الحَقِّ، عَالِمًا بِمَا يَقُولُ، قَادِرًا عَلَى دَفْعِ البَاطِلِ، مُسْتَسْلِمًا لِلْحَقِّ الَّذِي جَاءَ بِهِ الوَحْيُ، وَمُسْتَنِيرًا بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ العَقْلُ الصَّحيحُ.
نَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَى الإِيمَانِ، وَأَنْ يَرْزُقَنَا العِلْمَ النَّافِعَ وَالفَهْمَ الصَّحِيحَ، وَأَنْ يَجْعَلَنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ، لَا ضَالِّينَ وَلَا مُضِلِّينَ، إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالقَادِرُ عَلَيْهِ.