مُقَدِّمَةٌ
إِنَّ الإِيمَانَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ مِنْ أَعْظَمِ أُصُولِ الإِسْلَامِ، وَأَجَلِّ مَسَائِلِ العَقِيدَةِ، وَهُوَ رُكْنٌ عَظِيمٌ مِنْ أَرْكَانِ الإِيمَانِ السِّتَّةِ الَّتِي لا يَصِحُّ إِيمَانُ العَبْدِ إِلَّا بِهَا، كَمَا ثَبَتَ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، حِينَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الإِيمَانِ. وَالإِيمَانُ بِالْقَدَرِ يَتَضَمَّنُ تَصْدِيقًا جَازِمًا أَنَّ اللهَ تَعَالَى عَالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ وُجُودِهِ، وَأَنَّهُ شَاءَ كُلَّ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ، وَأَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ جَوْهَرٍ وَعَرَضٍ، وَحَرَكَةٍ وَسُكُونٍ، وَطَاعَةٍ وَمَعْصِيَةٍ، وَأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ شَيْءٌ فِي المَوْجُودَاتِ عَنْ عِلْمِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَخَلْقِهِ وَتَقْدِيرِهِ.
وَلَكِنَّ هَذَا الإِيمَانَ العَظِيمَ لَيْسَ مَعْنَاهُ إِسْقَاطَ التَّكْلِيفِ عَنِ العَبْدِ، وَلَا نَفْيَ الإِرَادَةِ وَالِاخْتِيَارِ عَنْهُ، وَلَا جَعْلَ الإِنْسَانِ مَجْبُورًا جَبْرًا مُطْلَقًا لَا فِعْلَ لَهُ وَلَا كَسْبَ، بَلْ إِنَّ العَبْدَ مُكَلَّفٌ، وَهُوَ يَفْعَلُ بِاخْتِيَارِهِ الَّذِي خَلَقَهُ اللهُ فِيهِ، وَيَقَعُ فِعْلُهُ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الكَسْبِ وَالِاخْتِيَارِ، وَيُحَاسَبُ عَلَى مَا اكْتَسَبَ، وَيُجَازَى عَلَى مَا عَمِلَ. وَمِنْ هُنَا تَظْهَرُ عَظَمَةُ بَابِ القَدَرِ، وَدِقَّةُ مَسَائِلِهِ؛ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ تَنْزِيهِ اللهِ تَعَالَى وَإِثْبَاتِ كَمَالِ رُبُوبِيَّتِهِ وَسُلْطَانِهِ وَقَهْرِهِ، وَبَيْنَ إِثْبَاتِ مَسْؤُولِيَّةِ العَبْدِ وَتَكْلِيفِهِ وَمُحَاسَبَتِهِ.
وَكَمْ ضَلَّتْ أَقْوَامٌ فِي هَذَا البَابِ: فَمِنْهُمْ مَنْ غَلَا فِي إِثْبَاتِ الجَبْرِ، فَجَعَلَ العَبْدَ كَالريشة فِي مَهَبِّ الرِّيحِ، لَا يَمْلِكُ مِنْ أَمْرِهِ شَيْئًا، وَمِنْهُمْ مَنْ غَلَا فِي نَفْيِ القَدَرِ، فَجَعَلَ أَفْعَالَ العِبَادِ خَارِجَةً عَنْ خَلْقِ اللهِ وَمَشِيئَتِهِ، وَهَذَا يُفْضِي إِلَى نَقْضِ التَّوْحِيدِ، وَإِلَى جَعْلِ مَعَ اللهِ خَالِقًا آخَرَ، وَالعِيَاذُ بِاللهِ. وَالصَّوَابُ: أَنْ نُثْبِتَ مَا أَثْبَتَهُ اللهُ لِنَفْسِهِ، وَمَا أَثْبَتَهُ رَسُولُهُ ﷺ، وَنَنْفِيَ عَنِ اللهِ مَا نَفَاهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَنَفْهَمَ المَسْأَلَةَ فَهْمًا يَصُونُ العَقْلَ مِنَ الِاضْطِرَابِ، وَيُحَرِّرُ القَلْبَ مِنَ الحَيْرَةِ، وَيُقِيمُ فِي النَّفْسِ حَقِيقَةَ التَّسْلِيمِ لِحُكْمِ اللهِ، وَالرِّضَا بِقَضَائِهِ، وَحُسْنَ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ.
أَوَّلًا: مَعْنَى الإِيمَانِ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ
الإِيمَانُ بِالْقَدَرِ يَعْنِي: هُوَ إِيجَادُ اللَّهِ الأَشْيَاءَ عَلَى حَسَبِ عِلْمِهِ الأَزَلِىِّ وَمَشِيئَتِهِ الأَزَلِيَّةِ وَيُقَالُ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى الْقَدَرُ هُوَ جَعْلُ كُلِّ شَىْءٍ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ. فالتَّصْدِيقَ الجَازِمَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ عَلِمَ فِي الأَزَلِ كُلَّ مَا سَيَكُونُ، عَلَى وَجْهِ الإِحَاطَةِ وَالشُّمُولِ، فَعَلِمَ أَعْمَالَ العِبَادِ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلُوهَا، وَعَلِمَ رِزْقَهُمْ وَآجَالَهُمْ وَأَحْوَالَهُمْ وَمَصَائِرَهُمْ، وَعَلِمَ مَا يَصِيبُهُمْ مِنْ سُرُورٍ وَحُزْنٍ، وَصِحَّةٍ وَمَرَضٍ، وَغِنًى وَفَقْرٍ، وَنَصْرٍ وَهَزِيمَةٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَدْخُلُ فِي الوُجُودِ. ثُمَّ شَاءَ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي الأَزَلِ، وَأَرَادَهُ إِرَادَةً أَزَلِيَّةً، وَخَلَقَهُ وَأَوْجَدَهُ فِي وَقْتِهِ الَّذِي قَدَّرَهُ لَهُ.
فَلَا يَقَعُ فِي هَذَا الكَوْنِ شَيْءٌ إِلَّا بِعِلْمِ اللهِ تَعَالَى، وَلَا يَحْدُثُ حَادِثٌ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ، وَلَا يَكُونُ مَوْجُودٌ إِلَّا بِخَلْقِهِ. وَهَذَا هُوَ مَعْنَى قَوْلِنَا: «كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ»، أَيْ: بِعِلْمِ اللهِ وَمَشِيئَتِهِ وَخَلْقِهِ وَتَقْدِيرِهِ.
وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، حِينَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الإِيمَانِ، فَقَالَ ﷺ: «الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فَهَذَا الحَدِيثُ يَدُلُّ دَلَالَةً قَاطِعَةً عَلَى أَنَّ الإِيمَانَ بِالْقَدَرِ رُكْنٌ عَظِيمٌ مِنْ أَرْكَانِ الإِيمَانِ، لَا يَصِحُّ الإِيمَانُ إِلَّا بِهِ، وَمَنْ أَنْكَرَهُ فَقَدْ نَقَضَ أَصْلًا مِنْ أُصُولِ الإِيمَانِ.
ثَانِيًا: القَدَرُ لَهُ مَعْنَيَانِ فِي اللُّغَةِ وَالِاصْطِلَاحِ
القَدَرُ فِي اللُّغَةِ يُفِيدُ مَعْنَى التَّقْدِيرِ وَإِحْكَامِ المَقْدُورِ، وَهُوَ مِنَ القَدْرِ؛ أَيْ: القُدْرَةِ وَالمِقْدَارِ. وَفِي الِاصْطِلَاحِ الشَّرْعِيِّ يُطْلَقُ القَدَرُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ عَظِيمَيْنِ، وَيَحْسُنُ فَهْمُهُمَا حَتَّى يَزُولَ الِالْتِبَاسُ:
١) التَّقْدِيرُ: وَهُوَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى؛ أَيْ: تَعَلُّقُ عِلْمِهِ الأَزَلِيِّ وَمَشِيئَتِهِ الأَزَلِيَّةِ بِجَمِيعِ المَوْجُودَاتِ قَبْلَ وُجُودِهَا، عَلَى وَجْهِ الإِحَاطَةِ وَالشُّمُولِ. فَاللهُ تَعَالَى قَدَّرَ الأَشْيَاءَ فِي الأَزَلِ بِعِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ.
٢) المَقْدُورُ: وَهُوَ مَا قَدَّرَهُ اللهُ تَعَالَى وَخَلَقَهُ مِنَ المَوْجُودَاتِ، وَهُوَ الَّذِي يَجْرِي فِي الوُجُودِ عَلَى وَفْقِ التَّقْدِيرِ الأَزَلِيِّ.
وَعَلَى هَذَا، فَإِنَّ قَوْلَهُ ﷺ: «وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» يَرْجِعُ فِيهِ الضَّمِيرُ إِلَى المَقْدُورِ؛ لِأَنَّ المَقْدُورَ فِيهِ خَيْرٌ وَشَرٌّ، أَمَّا التَّقْدِيرُ فَفِي نَفْسِهِ حَسَنٌ، صَادِرٌ عَنْ حِكْمَةٍ وَعَدْلٍ وَعِلْمٍ.
ثَالِثًا: لِمَاذَا يُقَالُ: خَيْرِهِ وَشَرِّهِ؟ وَالتَّقْدِيرُ كُلُّهُ حَسَنٌ
إِنَّ مَسْأَلَةَ «خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» مِنْ أَدَقِّ مَسَائِلِ القَدَرِ، وَيَحْسُنُ فِيهَا بَيَانٌ مُفَصَّلٌ:
فَالتَّقْدِيرُ الإِلَهِيُّ صَادِرٌ عَنْ حِكْمَةٍ وَعِلْمٍ وَعَدْلٍ، وَهُوَ فِي نَفْسِهِ خَيْرٌ؛ لِأَنَّهُ فِعْلُ اللهِ، وَفِعْلُ اللهِ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقْصِ وَالعَبَثِ وَالظُّلْمِ، بَلْ كُلُّ مَا يَفْعَلُهُ تَعَالَى فَهُوَ حِكْمَةٌ وَعَدْلٌ وَصَوَابٌ، وَلَكِنَّ «الشَّرَّ» يُنْسَبُ إِلَى المَقْدُورِ، مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَكُونُ مَحَلَّ الأَلَمِ، أَوْ سَبَبَ العُقُوبَةِ، أَوْ يَكُونُ فِيهِ فَوَاتُ مَصْلَحَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ، أَوْ يَكُونُ مِحْنَةً يَتَأَلَّمُ بِهَا العَبْدُ.
وَمِنْ هُنَا قَالَ أَهْلُ العِلْمِ: «الشَّرُّ لَيْسَ إِلَى اللهِ»، أَيْ: لَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الذَّمِّ وَالنَّقْصِ، وَإِنْ كَانَ اللهُ خَالِقَ كُلِّ شَيْءٍ؛ لِأَنَّ خَلْقَهُ لِلشَّرِّ لَيْسَ شَرًّا فِي نَفْسِهِ، بَلْ يَكُونُ لِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ، وَمَصَالِحَ عَظِيمَةٍ، وَعِبَرٍ جَلِيلَةٍ، كَتَمْحِيصِ العِبَادِ، وَرَفْعِ دَرَجَاتِهِمْ، وَتَكْفِيرِ سَيِّئَاتِهِمْ، وَإِظْهَارِ قُدْرَةِ اللهِ وَسُلْطَانِهِ، وَفَتْحِ بَابِ التَّوْبَةِ وَالِانْكِسَارِ وَالِافْتِقَارِ إِلَيْهِ.
وَلِذَلِكَ قَالَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللهُ فِي «الفِقْهِ الأَكْبَرِ»:
إِنَّ الطَّاعَاتِ كُلَّهَا بِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى، وَمَحَبَّتِهِ، وَرِضَاهُ، وَعِلْمِهِ، وَمَشِيئَتِهِ، وَقَضَائِهِ، وَتَقْدِيرِهِ، وَإِنَّ المَعَاصِي كُلَّهَا بِعِلْمِهِ، وَقَضَائِهِ، وَتَقْدِيرِهِ، وَمَشِيئَتِهِ، لَا بِمَحَبَّتِهِ وَلَا بِرِضَاهُ وَلَا بِأَمْرِهِ.
فَفِيهِ بَيَانٌ عَظِيمٌ أَنَّ المَعْصِيَةَ وَإِنْ كَانَتْ مَخْلُوقَةً بِخَلْقِ اللهِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى لَا يُحِبُّهَا وَلَا يَرْضَاهَا وَلَا يَأْمُرُ بِهَا، بَلْ يَنْهَى عَنْهَا، وَيَكْرَهُهَا، وَيُعَاقِبُ عَلَيْهَا. فَهُوَ تَعَالَى خَالِقٌ، وَهُوَ تَعَالَى آمِرٌ نَاهٍ، وَهُوَ تَعَالَى يُثِيبُ وَيُعَاقِبُ بِعَدْلٍ وَحِكْمَةٍ.
رَابِعًا: أَدِلَّةُ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ عَلَى أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ
إِنَّ أَدِلَّةَ القَدَرِ فِي القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَهِيَ تُثْبِتُ بِصَرَاحَةٍ أَنَّ اللهَ تَعَالَى خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ وَاقِعٌ عَلَى وَفْقِ تَقْدِيرِهِ، وَمِنْ تِلْكَ الأَدِلَّةِ:
* قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾؛ فَهَذِهِ الآيَةُ تَنْصُّ عَلَى عُمُومِ الخَلْقِ، وَعُمُومِ القَدَرِ، فَلَا شَيْءَ فِي الوُجُودِ يَخْرُجُ عَنْ خَلْقِ اللهِ وَتَقْدِيرِهِ.
* وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾؛ فَجَمَعَتِ الآيَةُ بَيْنَ الخَلْقِ وَالتَّقْدِيرِ، وَدَلَّتْ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ فَهُوَ مَخْلُوقٌ، وَكُلَّ مَخْلُوقٍ فَهُوَ عَلَى تَقْدِيرٍ مُحْكَمٍ وَحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ.
* وَفِي السُّنَّةِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ؛ وَهُوَ نَصٌّ عَامٌّ يَشْمَلُ كُلَّ مَا يَكُونُ فِي العَالَمِ مِنْ حَوَادِثَ وَأَفْعَالٍ وَأَحْوَالٍ.
فَهَذِهِ النُّصُوصُ وَأَمْثَالُهَا تَقْطَعُ بِأَنَّ المَشِيئَةَ الإِلَهِيَّةَ شَامِلَةٌ، وَأَنَّ الخَلْقَ وَالتَّقْدِيرَ عَامٌّ، وَأَنَّهُ لَا يَسْتَقِلُّ مَخْلُوقٌ بِفِعْلٍ خَارِجًا عَنْ إِرَادَةِ اللهِ تَعَالَى.
خَامِسًا: مَا وَجْهُ الخَلَلِ فِي قَوْلِ مَنْ نَفَى أَنْ تَكُونَ أَعْمَالُ العِبَادِ مِنْ قَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ؟
إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الضَّلَالِ وَأَفْسَدِهِ: أَنْ يَزْعُمَ زَاعِمٌ أَنَّ أَعْمَالَ العِبَادِ لَيْسَتْ مِنْ قَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ، وَلَيْسَتْ مِنْ خَلْقِهِ وَمَشِيئَتِهِ، بَلْ هِيَ مِنِ اخْتِيَارِهِمْ مُسْتَقِلَّةً، كَأَنَّهُمْ يَخْلُقُونَ أَفْعَالَهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ، أَوْ كَأَنَّ فِي الوُجُودِ مَا يَقَعُ خَارِجًا عَنْ سُلْطَانِ اللهِ.
فَهَذَا القَوْلُ مُبْطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ:
أَوَّلُهَا: أَنَّهُ يُكَذِّبُ نُصُوصَ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ الَّتِي دَلَّتْ عَلَى عُمُومِ الخَلْقِ وَالقَدَرِ.
ثَانِيهَا: أَنَّهُ يُفْضِي إِلَى جَعْلِ مَعَ اللهِ خَالِقٍ آخَرَ، وَإِلَى نَقْضِ التَوْحِيدِ وَهَذَا بَابٌ خَطِيرٌ فِي العَقِيدَةِ.
ثَالِثُهَا: أَنَّهُ يَجْعَلُ العَبْدَ مُسْتَغْنِيًا عَنْ رَبِّهِ فِي الفِعْلِ وَالإِيجَادِ، وَهَذَا مُحَالٌ؛ لِأَنَّ العَبْدَ مَخْلُوقٌ، وَمَا كَانَ مَخْلُوقًا فَهُوَ مُفْتَقِرٌ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ إِلَى خَالِقِهِ.
رَابِعُهَا: أَنَّ العَبْدَ إِنَّمَا يَفْعَلُ بِقُدْرَةٍ خَلَقَهَا اللهُ فِيهِ، وَبِإِرَادَةٍ أَجْرَاهَا اللهُ فِيهِ، وَبِقُوَّةٍ أَقَامَهَا اللهُ فِي جَوَارِحِهِ، فَلَوْ شَاءَ اللهُ لَسَلَبَهُ القُدْرَةَ وَالمَشِيئَةَ، وَلَمَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا.
وَلِذَلِكَ فَالصَّوَابُ: أَنَّ العَبْدَ كَاسِبٌ لِفِعْلِهِ، وَاللهُ تَعَالَى خَالِقٌ لِفِعْلِهِ، وَفَرْقٌ بَيْنَ مَنْ يَخْلُقُ وَمَنْ يَكْسِبُ. فَاللهُ يُوجِدُ وَيَخْلُقُ، وَالعَبْدُ يَتَوَجَّهُ بِإِرَادَتِهِ إِلَى الفِعْلِ فَيَكْسِبُهُ، وَعَلَى ذَلِكَ تَتَرَتَّبُ المُحَاسَبَةُ وَالثَّوَابُ وَالعِقَابُ.
سَادِسًا: حَدِيثٌ فِي تَكْفِيرِ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِالْقَدَرِ
وَمِنْ أَقْوَى مَا جَاءَ فِي بَيَانِ خُطُورَةِ هَذَا البَابِ وَأَنَّ الإِيمَانَ بِهِ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ: الحَدِيثُ الصَّحِيحُ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي «مُسْنَدِهِ»، وَأَبُو دَاوُدَ فِي «سُنَنِهِ»، وَابْنُ حِبَّانَ فِي «صَحِيحِهِ»، عَنْ ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ أَنَّهُ قَالَ:
أَتَيْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا المُنْذِرِ، إِنَّهُ حَدَثَ فِي نَفْسِي شَيْءٌ مِنْ هَذَا القَدَرِ، فَحَدِّثْنِي لَعَلَّ اللهَ يَنْفَعُنِي.
فَقَالَ أُبَيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: إِنَّ اللهَ لَوْ عَذَّبَ أَهْلَ أَرْضِهِ وَسَمَوَاتِهِ لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ كَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ.
ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ جَبَلِ أُحُدٍ ذَهَبًا، مَا قَبِلَهُ اللهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَلَوْ مِتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا لَكُنْتَ مِنَ الكُفَّارِ، وَدَخَلْتَ النَّارَ.
ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ الدَّيْلَمِيِّ أَنَّهُ أَتَى بَعْدَ ذَلِكَ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ، فَحَدَّثَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، ثُمَّ أَتَى حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمَانِ، فَحَدَّثَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، ثُمَّ أَتَى زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، فَحَدَّثَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
وَهَذَا الحَدِيثُ فِيهِ دَلَالَةٌ بَالِغَةٌ عَلَى أَنَّ الإِيمَانَ بِالْقَدَرِ مِمَّا لَا يَتَخَلَّفُ عَنْ صِحَّةِ الإِيمَانِ، وَأَنَّ الإِنْكَارَ لَهُ إِنْكَارٌ لِمَا ثَبَتَ فِي الوَحْيِ وَأَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الأُمَّةُ، وَأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى خُرُوجِ صَاحِبِهِ عَنْ الإِسْلَامِ.
خَاتِمَةٌ
وَخُلَاصَةُ المَعْنَى وَمُحَصَّلُهُ: أَنَّ الإِيمَانَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ هُوَ إِيجَادُ اللَّهِ الأَشْيَاءَ عَلَى حَسَبِ عِلْمِهِ الأَزَلِىِّ وَمَشِيئَتِهِ الأَزَلِيَّةِ وَيُقَالُ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى الْقَدَرُ هُوَ جَعْلُ كُلِّ شَىْءٍ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ. والإِيمَانُ بِعِلْمِ اللهِ الأَزَلِيِّ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَبِمَشِيئَتِهِ الشَّامِلَةِ الَّتِي لَا يَخْرُجُ عَنْهَا شَيْءٌ، وَبِخَلْقِهِ لِكُلِّ شَيْءٍ، وَبِتَقْدِيرِهِ المُحْكَمِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى وَفْقِ الحِكْمَةِ وَالعَدْلِ وَالعِلْمِ. وَأَنَّ مَا أَصَابَ العَبْدَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَخْطِئَهُ، وَأَنَّ مَا أَخْطَأَهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُصِيبَهُ، وَأَنَّ العَبْدَ مَعَ ذَلِكَ مُكَلَّفٌ، مَسْؤُولٌ، مُحَاسَبٌ، يَكْسِبُ بِاخْتِيَارِهِ، وَيُجَازَى عَلَى كَسْبِهِ.
وَمَنْ أَنْكَرَ القَدَرَ فَقَدْ رَدَّ نُصُوصَ الوَحْيِ، وَخَالَفَ إِجْمَاعَ الأُمَّةِ، وَفَتَحَ عَلَى نَفْسِهِ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الفِتْنَةِ وَالضَّلَالِ.
نَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَى الإِيمَانِ الصَّحِيحِ، وَأَنْ يَرْزُقَنَا فَهْمًا رَاسِخًا فِي دِينِهِ، وَأَنْ يَمْلَأَ قُلُوبَنَا تَسْلِيمًا لِحُكْمِهِ، وَرِضًا بِقَضَائِهِ، وَتَوَكُّلًا عَلَيْهِ، وَأَنْ يَجْعَلَنَا مِنَ المُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ.