مُقَدِّمَةٌ
إِنَّ الإِيمَانَ بِالْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ رُكْنٌ عَظِيمٌ مِنْ أَرْكَانِ الإِيمَانِ، لَا يَصِحُّ إِيمَانُ العَبْدِ إِلَّا بِهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الكُتُبَ هِيَ مَصَادِرُ الهِدَايَةِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللهُ تَعَالَى عَلَى رُسُلِهِ لِتَكُونَ بَيَانًا لِدِينِهِ، وَتَفْصِيلًا لِشَرْعِهِ، وَحُجَّةً عَلَى العِبَادِ، فَمَنْ آمَنَ بِالرُّسُلِ لَزِمَهُ أَنْ يُؤْمِنَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الكُتُبِ، وَمَنْ جَحَدَ كِتَابًا مِنْهَا أَوْ أَنْكَرَ أَصْلَهَا فَقَدْ أَخَلَّ بِأَصْلٍ مِنْ أُصُولِ الإِيمَانِ.
أَوَّلًا: مَعْنَى الإِيمَانِ بِالْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ
الإِيمَانُ بِالْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ هُوَ التَّصْدِيقُ الجَازِمُ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَنْزَلَ عَلَى رُسُلِهِ كُتُبًا وَصُحُفًا تَشْتَمِلُ عَلَى الهُدَى وَالنُّورِ وَالأَحْكَامِ وَالمَوَاعِظِ، وَأَنَّ مَا أُنْزِلَ مِنْهَا حَقٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَأَنَّهَا كُلَّهَا تَدْعُو إِلَى تَوْحِيدِ اللهِ وَعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ، وَإِلَى تَزْكِيَةِ النُّفُوسِ وَإِقَامَةِ العَدْلِ وَتَحْقِيقِ مَصَالِحِ العِبَادِ.
ثَانِيًا: عَدَدُ الكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ وَأَشْهَرُهَا
يَجِبُ الإِيمَانُ بِأَنَّ الكُتُبَ السَّمَاوِيَّةَ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللهُ عَلَى رُسُلِهِ كَثِيرَةٌ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهَا مِائَةٌ وَأَرْبَعَةٌ كِتَابًا، وَأَشْهَرُهَا: القُرْآنُ، وَالتَّوْرَاةُ، وَالإِنْجِيلُ، وَالزَّبُورُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ: كَمْ كِتَابًا أَنْزَلَ اللهُ؟ فَقَالَ: «مِائَةُ كِتَابٍ وَأَرْبَعَةُ كُتُبٍ»، وَذَكَرَ أَنَّ مِنْهَا صُحُفًا أُنْزِلَتْ عَلَى شِيثٍ، وَعَلَى إِدْرِيسَ (أَخْنُوخَ)، وَعَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى مُوسَى قَبْلَ التَّوْرَاةِ، ثُمَّ أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ وَالزَّبُورُ وَالقُرْآنُ.
ثَالِثًا: لُغَاتُ الكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ المَشْهُورَةِ
مِنْ كَمَالِ حِكْمَةِ اللهِ تَعَالَى أَنَّهُ أَنْزَلَ كُلَّ كِتَابٍ بِلُغَةِ القَوْمِ الَّذِينَ بُعِثَ فِيهِمْ النَّبِيُّ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ، لِتَتِمَّ الحُجَّةُ وَيَتَحَقَّقَ البَلَاغُ.
* فَـالقُرْآنُ أُنْزِلَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ بِالعَرَبِيَّةِ.
* وَالتَّوْرَاةُ الأَصْلِيَّةُ أُنْزِلَتْ عَلَى سَيِّدِنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالعِبْرَانِيَّةِ.
* وَالإِنْجِيلُ الأَصْلِيُّ أُنْزِلَ عَلَى سَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالسُّرْيَانِيَّةِ.
* وَالزَّبُورُ أُنْزِلَ عَلَى سَيِّدِنَا دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالعِبْرَانِيَّةِ.
رَابِعًا: الكُتُبُ دَلِيلٌ عَلَى كَلَامِ اللهِ الأَزَلِيِّ وَلَيْسَتْ عَيْنَهُ
يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ هَذِهِ الكُتُبَ السَّمَاوِيَّةَ تَدُلُّ عَلَى كَلَامِ اللهِ الأَزَلِيِّ الَّذِي لَا يُشْبِهُ كَلَامَ المَخْلُوقِينَ، وَلَكِنَّهَا لَيْسَتْ عَيْنَ كَلَامِ اللهِ الأَزَلِيِّ؛ فَكَلَامُ اللهِ تَعَالَى قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ، وَأَمَّا هَذِهِ الكُتُبُ فَهِيَ أَلْفَاظٌ وَحُرُوفٌ مُنَزَّلَةٌ، جَعَلَهَا اللهُ سَبَبًا لِهُدَى عِبَادِهِ، وَمَحَلًّا لِبَيَانِ أَحْكَامِهِ وَمَوَاعِظِهِ وَقَصَصِهِ.
خَامِسًا: مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ الكُتُبِ مِنَ التَّحْرِيفِ وَالتَّمْزِيقِ
مِنْ أَجَلِّ مَا يُعْتَقَدُ فِي هَذَا البَابِ: أَنَّ بَعْضَ الكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ قَدْ حُرِّفَتْ وَمُزِّقَتْ بِسَبَبِ خِيَانَةِ بَعْضِ مَنْ حُمِّلُوا أَمَانَتَهَا، وَمِنْهَا: التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ؛ فَلَا يُقَالُ: إِنَّهُمَا رُفِعَا، بَلْ يُقَالُ: إِنَّهُمَا حُرِّفَا وَمُزِّقَا.
وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ الإِيمَانَ بِأَصْلِ مَا أُنْزِلَ مِنْهُمَا وَأَنَّهُ كَانَ وَحْيًا مِنَ اللهِ وَحَقًّا مِنْ عِنْدِهِ وَاجِبٌ، وَأَمَّا مَا بَقِيَ بَيْنَ أَيْدِي النَّاسِ فَقَدْ دَخَلَهُ التَّبْدِيلُ وَالتَّحْرِيفُ فَلَا يُجْعَلُ مِيزَانًا لِلْحَقِّ وَلَا مَرْجِعًا لِلعَقِيدَةِ.
سَادِسًا: كُتُبٌ رُفِعَتْ وَانْدَثَرَتْ، وَمِنْهَا كِتَابُ المَجُوسِ
وَقَدْ وُجِدَتْ أَيْضًا كُتُبٌ سَمَاوِيَّةٌ رُفِعَتْ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، فَلَمْ يَبْقَ لَهَا أَثَرٌ؛ وَمِنْ ذَلِكَ مَا نُقِلَ عَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ المَجُوسَ كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ وَعِلْمٌ يَدْرُسُونَهُ، ثُمَّ لَمَّا وَقَعَ مِنْ مَلِكِهِمْ مَا وَقَعَ مِنَ الفَاحِشَةِ وَأَرَادَ أَنْ يُزَيِّنَهَا لِلنَّاسِ فَخَالَفَهُ بَعْضُهُمْ وَوَافَقَهُ بَعْضُهُمْ، فَلَمَّا فَشَا ذَلِكَ وَاسْتَحْكَمَ فَسَادُهُمْ أُسْرِيَ بِكِتَابِهِمْ أَيْ: رُفِعَ مِنْ بَيْنِهِمْ، وَنُزِعَ العِلْمُ مِنْ قُلُوبِهِمْ، فَانْتَكَسُوا إِلَى عِبَادَةِ النَّارِ. وَفِي هَذَا عِبْرَةٌ عَظِيمَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الخِيَانَةَ وَالتَّحْرِيفَ وَالإِعْرَاضَ عَنِ الحَقِّ سَبَبٌ لِحِرْمَانِ العِلْمِ وَفَقْدِ النُّورِ.
سَابِعًا: خُصُوصِيَّةُ القُرْآنِ وَحِفْظُهُ مِنَ التَّحْرِيفِ
وَأَمَّا القُرْآنُ الكَرِيمُ فَقَدِ اخْتَصَّهُ اللهُ تَعَالَى بِفَضْلٍ عَظِيمٍ، وَهُوَ أَنَّهُ حَفِظَهُ مِنَ التَّحْرِيفِ، فَلَمْ تَسْتَطِعْ يَدُ بَشَرٍ أَنْ تُدْخِلَ فِيهِ زِيَادَةً وَلَا نُقْصَانًا، وَقَدْ وَعَدَ اللهُ بِحِفْظِهِ فَقَالَ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
فَهُوَ كِتَابُ اللهِ الباقي، وَهُوَ المِيزَانُ الأَعْظَمُ الَّذِي تُعْرَضُ عَلَيْهِ الأَقْوَالُ وَالعَقَائِدُ وَالأَفْعَالُ، وَهُوَ الحُجَّةُ البَاقِيَةُ عَلَى البَشَرِيَّةِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ.
ثَامِنًا: رَفْعُ القُرْآنِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ
وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ يُرْفَعُ القُرْآنُ إِلَى السَّمَاءِ، وَلَا تَبْقَى مِنْهُ آيَةٌ فِي الأَرْضِ، وَهَذَا مِنْ عَلامَاتِ قُرْبِ السَّاعَةِ وَانْقِرَاضِ الخَيْرِ وَضُعْفِ الدِّينِ فِي القُلُوبِ. وَفِي ذَلِكَ تَحْذِيرٌ بَالِغٌ مِنَ الغَفْلَةِ، وَدَعْوَةٌ صَرِيحَةٌ إِلَى التَّمَسُّكِ بِالقُرْآنِ تَعَلُّمًا وَعَمَلًا وَتَعْظِيمًا، قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَ أَيَّامٌ يُحْرَمُ فِيهَا النَّاسُ مِنْ بَرَكَتِهِ وَتِلَاوَتِهِ وَنُورِهِ.
خَاتِمَةٌ
وَخُلَاصَةُ القَوْلِ: أَنَّ الإِيمَانَ بِالكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ هُوَ الإِيمَانُ بِوَحْيِ اللهِ وَهُدَاهُ، وَأَنَّ اللهَ أَنْزَلَ كُتُبًا وَصُحُفًا عَلَى رُسُلِهِ لِتَكُونَ نُورًا وَبُرْهَانًا، وَأَنَّ أَشْهَرَهَا القُرْآنُ وَالتَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ وَالزَّبُورُ، وَأَنَّ بَعْضَهَا حُرِّفَ وَمُزِّقَ بِسَبَبِ خِيَانَةِ البَشَرِ، وَأَنَّ القُرْآنَ وَحْدَهُ بَقِيَ مَحْفُوظًا بِحِفْظِ اللهِ تَعَالَى، فَهُوَ أَجَلُّ مَا يَتَمَسَّكُ بِهِ المُسْلِمُ، وَهُوَ سَبَبُ الهِدَايَةِ وَالنَّجَاةِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.