هذا عمرُ الفاروق رضي الله عنه وهو أعلى في القَدرِ من العباس سيّدنا عمر أفضل من العباس بن عبدِ المطلب عمِّ النبيّ عليه الصلاة والسلام مع ذلك في عامِ الرّمادَة توَسَّلَ عمر بالعباس القصةُ من أولِّها في عامِ الرَّمادَة صارَ قَحطٌ في مدينةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم تسعةَ أشهُر لم ينزل ماء ولا قطرة مطر تسعةَ أشهُر فصار ضيقٌ كبير في المدينةِ المنوّرة وعمَّ الكَربُ والبلاءُ ثم إنّ أحدَ أصحابِ النبيِّ عليه الصلاة والسلام وهو بلال بنُ الحارث المُزَنّي رضي الله عنه
كما يروي هذا الأثرَ الحافظُ ابنُ حجرٍ العسقلانيِّ في الفَتحِ
وقد التزَمَ الحافظُ إذا روى حديثًا في الفَتحِ ألا يَنزِلَ عن مرتبةِ الحسَن، والحسَن أي الحديثُ الحسَن أخو الصَّحيح، بل الحافظُ ابنُ حجر رواه بلفظِ ورواه بن أبي شَيبَةَ بإسنادٍ صحيحٍ عن مالكِ الدار وكان خازنَ عمر قال:
أصاب الناسَ قحطٌ في زمانِ عمر فأتى رجلٌ قبرَ النبيّ صلى الله عليه وسلّم وهذا الرجل كما بيّنّا اسمه بلالُ بنُ الحارث المُزَنيّ رضي الله عنه قصدَ بلال قبرَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم فلما صارَ أمامَ القبرَ الشريف خاطبَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلّم وقال:
يا رسولَ الله اسْتَسقِ لأُمَّتِك فإنهم قد هلَكوا
علم أن النبيّ صلى الله عليه وسلّم حيٌّ في قبرِه ولأن بركتَهُ عليه الصلاة والسلام ولم تنقطع ولن تنقطع بموتِه عليه الصلاة والسلام ولأنه عليه الصلاة والسلام يدعو لمَن شاء الله تعالى له من المسلمين ومما يدُلُّ ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابًا رحيمًا﴾ ﴿فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول﴾ على ذلك
فمَن يزورُ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم مادامَ واقفًا عندَ قبرِه الشريف ويقول اللهم اغفر لي فإنَّ نبيَّنا عليه الصلاة والسلام في قبرِه يقول اللهم اغفر له، لأجل هذه المعاني بلالُ بنُ الحارث المُزَنِيّ عندما اشتدَّ الخَطبُ بالمسلمين وعَظُمَ الكربُ وعَمَّ البلاءُ فعندَها استغاثَ برسولِ الله صلى الله عليه وسلّم وقال: يا رسولَ الله استسقِ لِأُمَّتِكَ فإنهم قد هلكوا ثم ذهب الرجل فَأُتِيَ في المنام أي رأى رسولَ الله صلى الله عليه وسلّم في المنام الله يرزقُنا رؤيةَ سيِّدَنا محمّد عليه الصلاة والسلام في المنام على الصِّفَة الأصليّة في هذه الليالي فَأُتِيَ الرجلُ في المنام أي رأى رسولَ الله صلى الله عليه وسلّم في الرؤيا يقول له:( أَقرِئ عمرَ السلام وأخبِره أنّهم يُسْقَوْن وقل له: عليك الكَيسَ الكَيس )
أي عليكَ بالجِدِّ والاجتهاد فذهب هذا الرجل إلى الفاروقِ عمرَ رضي الله تعالى عنه وأخبرَه فصار عمرُ يبكي قد وصلَه سلامٌ من النبي عليه الصلاة والسلام وجاءتْه إشارةُ الفرج ومن وجد أنّ إشارةَ الفرجِ جاءته أو إشارةَ نفحةِ الخيرِ أنها هبَّت عليه أو أنّ هذا الوقتّ هو وقتُ إجابةٍ بالنسبةِ له فليَغتنِمها من فَورِه، فصار عمرُ يبكي ويقول: يا رب ما آلُو إلا ما عَجَزَت معناه يا ربّ أنا أفعلُ الذي أستطيع ولا أُقَصِّر وقال عمرُ الفاروق رضي الله عنه هذه الكلمة إنّه ما أُذِنَ لقومٍ في الطلب إلا أُجيبوا إذًا هذه علامةُ الفرج عجَّلَ الله لأُمّةِ المسلمين بالفَرَج وعجّلَ الله للقدس والأقصى بالفرج
ثم إنّ عمرَ رضي الله عنه نادى في الناس فاجتمعَ الناس قال: إنّ بلالًا حصل معه كذا وكذا يا بلال قال له: قُصَّ على الناسَ ما حصلَ معك، عمرُ رضي الله عنه رأى فِعلَ بلال حسَنًا مع أنّ بلال قصد قبرَ النبيِّ عليه الصلاة والسلام ما قال له عمر أنت كيف تفعلُ ذلك كيف تقصِدُ قبرَ الرسولِ وقد مات بل عمر طلب منه أن يَقُصَّ على الصحابة فقصَّ بلال على الصحابة فاستحسنوا ذلك فكان فِعلُ بلالِ بنِ الحارث إجماعًا سُكوتِيًّا من الصحابة ومن أهلِ العلمِ الذين كانوا حاضرين مستحسِنينَ فِعلَ بلال، ثم كان حاضرًا وهذا مناسبةُ الحديثِ هنا كان حاضرًا العباسُ بنُ عبدِ المطلب عمُّ النبيِّ صلى الله عليه وسلّم فقام عمرُ فقال: ومِن هنا ورد هذا في لفظ ِالبخاريّ قام عمر فقال: (اللهم إنّا كنا نتوسَّلُ إليك بنبيِّنا فتسقينا وإنّا نتوسَّلُ إليك بعمِّ نبيِّنا فاسْقِنا)
توسَّلَ عمر بالعباس وإنّا نتوسَّلُ إليك بعمِّ نبيِّنا فاسقِنا فقام العباسُ رضي الله عنه وقال: اللهم إنّ القومَ قد توجّهوا بي إليك لمكاني من نبيِّك معناه لقرابتي من النبيِّ عليه الصلاة والسلام سألوا اللهَ به هكذا بيّنَ العباسُ ليس عمر توسّلَ بالعباس لأنه حرام أن يتوسّلَ بالنبيِّ عليه الصلاة والسلام لأن النبيَّ قد مات بل توسَّلَ بالعباس لقرابَتِه من رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم
وفي لفظِ الحاكم لهذا الحديث وإنّ عمرَ رضي الله تعالى عنه وأرضاه قال: (أيّها الناس هذا العباس كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم يُعَظِّمُه ويُفَخِّمُه ويَبَرُّ قَسَمَه فاقتدوا أيها الناس برسولِ الله صلى الله عليه وسلّم في عمِّه العباس واتخذوه وسيلة) هذا عمرُ الفاروق رضي الله تعالى عنه فلما اجتمع صِدقُ اللجوءِ والالتجاء والخشوعِ والخضوعِ وصِدقِ المحبةِ والوفاء فلما اجتمعوا وحصل لهم هذا الدعاء وهذا الجَمْع عندَها أنزلَ الله تعالى عليهم الغيث فما تفرّقوا إلا وقد فاضت غُدرانُ المدينةِ بالمياه صارت أوديةُ المدينة أنهارًا صارت تجري في نفسِ تلك الساعة قد أجابَهم الله سبحانه وتعالى فهذا يدُلُّنا كذلك على حِرصِ أصحابِ النبيِّ عليه الصلاة والسلام على آلِ البيت وآلُ البيت منهم مَن كان من الصحابة أو مَن كان بعدَ ذلك وإنما ذلك حبًّا بالنبيِّ صلى الله عليه وسلّم