(أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا ۚ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ۚ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ) (17)
قال الجمهور وهذا معنًى لطيف عندَ الصّوفيّة، الصّوفيّة يعني الصّوفيّة الصادقة الذين صفَت قلوبُهم هذا مثَلٌ ضربه الله تعالى للقرآنِ والقلوبِ والحقِّ والباطل فالماءُ القرآن نزَلَ لحياةِ الجَنان
القرآن لحياةِ القلب كالماءِ للأبدان والأوديةُ للقلوب نزَلَ الماء على الوادي فسال ونزَلَ القرآن على هذا القلب فهناك مشى الماء وهنا في القلب سرى أثرُ القرآنِ الكريم فهناك ظهر زَبَد وبقيَ ما ينفع وهنا في القلب أين الزَّبَد تقريبُ ذلك عندما يأتي الحق فينزِلُ على قلبِك القرآنُ الكريم أو كلامُ الحقّ فعندَها احذر الزَّبَد أين هو التَّشكيك الوَساوِس الخواطر الفاسدة ومَن يريدُ إبعادَكَ عن الحقّ وعن مجالسِ الحقّ وعن مجالسِ العلم يريدُ إبعادَك فهذا الَمَثل، فالماءُ القرآنُ نزَلَ لحياةِ الجَنان كالماءِ للأبدان والأوديةُ للقلوب
ومعنى (بقَدَرِها) بِقَدَرِ سَعَةِ القلبِ وضيقِه والزَّبَدُ هواجِسُ النَّفْس ووَساوِسُ الشيطان والماءُ الصافي المُنتَفَعُ به مثلُ الحقّ فكما يذهبُ الزَّبَدُ باطلًا ويبقى صَفْوُ الماء كذلك تذهبُ هواجِسُ النَّفس ووَساوِسُ الشيطان ويبقى الحقُّ كما هوَ، القرآن الذي نزَلَ على القلب الماء الذي نزَل على الوادي فماذا عن حِليَةِ الذهب والفِضة وأما حِليَةُ الذهبِ والفِضة فمَثَلٌ للأحوالِ السَّنِيَّة والأخلاقِ الزَّكِيَّة مَعدِن أنت تقول هذا كالذَّهب مَعدَن مَثَل للحالِ السَّنِيّ والأخلاقِ الزَّكِيَّة
وأما مَتاعُ الحديدِ والنُّحاسِ والرَّصاصِ فمَثَلٌ للأعمالِ المُمَدَّةِ بالإخلاصِ المُعَدَّةِ للخَلاص فما أعظمَ ما ذُكِرَ من هذه الأمثلةِ في كتاب الله عزَّ وجلّ تَعرِضُ النُّحاسَ والرَّصاصَ والحديدَ لأجلِ أن تأخذَ منه ما ينفع فيكونُ زَبَد والذهب والفِضة تَتَّخِذُها حِليَة ويكونُ زَبَد والماءُ الذي ينزِل ويسيل في الوادي فيكون زَبَد في هذا الماء نفعٌ كبير ويذهبُ الزَّبَد وفي القرآنِ الكريم حياةٌ للقلب
وأما الإشارة من الذهبِ والفِضة الحالُ السَّنِيّ والخُلُقُ الزَّكِيّ وأما في المعادنِ الأخرى منَ النُّحاس والرَّصاص والحديد الأعمالُ المُمَدَّة بالإخلاص المُعَدَّة للخَلاص فتحتاجُ هذا، هذا المعنى اللطيف في هذه الإشارة من الحديد وذلك المعنى اللطيف في تلك الإشارة من الذهب وذلك المعنى في تلك الإشارة من الماء، فإنّ الأعمالَ جالبةٌ للثواب دافعةٌ للعقاب كما أنّ تلك الجواهرَ بعضُها أداةُ النَّفْعِ للكَسب وبعضُها آلةُ الدَّفعِ في الحرب وأما الزَّبَد فانظروا خِتامَ هذا الشرح في هذا المَوضِع أما الزَّبَد فالرِّياءُ والخَلَلُ والمَلَلُ والكسلُ وهذا الزَّبَد فإذا تسلَّلَ هذا إلى نفسِكَ فاذكُر أنّ هذا هو الزَّبَد الذي ينبغي أن تحفظَ قلبَك من هذا الزَّبَد