أَوَّلُ وَاجِبٍ عَلَى الْمُكَلَّفِ، وَكَيْفَ يَكُونُ الدُّخُولُ فِي الإِسْلَامِ، وَمَنْهَجُ دَعْوَةِ غَيْرِ المُسْلِمِ إِلَى الإِيمَانِ، وَضَوَابِطُ تَلْقِينِ الشَّهَادَةِ لِلصِّغَارِ
مُقَدِّمَةٌ
إِنَّ مَسْأَلَةَ «أَوَّلِ وَاجِبٍ عَلَى الْمُكَلَّفِ» مِنْ أَجَلِّ مَسَائِلِ العَقِيدَةِ؛ لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِبِدَايَةِ دُخُولِ الإِنْسَانِ فِي دِينِ اللهِ تَعَالَى، وَبِمَا يَلْزَمُهُ قَبْلَ سَائِرِ الأَعْمَالِ وَالعِبَادَاتِ. وَهَذِهِ المَسْأَلَةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ بَحْثٍ نَظَرِيٍّ، بَلْ هِيَ مِفْتَاحُ السَّعَادَةِ الأَبَدِيَّةِ؛ فَمَنْ دَخَلَ فِي الإِسْلَامِ دُخُولًا صَحِيحًا وَثَبَتَ عَلَيْهِ، نَجَا وَفَازَ، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ أَوْ تَأَخَّرَ عَنْهُ تَأَخُّرَ المُتَسَاهِلِ وَالمُتَرَدِّدِ، تَعَرَّضَ لِخَطَرِ الخُسْرَانِ.
وَلِذَلِكَ وَجَبَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَعْرِفَ: مَا أَوَّلُ وَاجِبٍ عَلَى المُكَلَّفِ؟ وَكَيْفَ يَدْخُلُ الإِنْسَانُ فِي الإِسْلَامِ دُخُولًا صَحِيحًا؟ وَكَيْفَ نَدْعُو غَيْرَ المُسْلِمِ إِلَى الإِيمَانِ دَعْوَةً تُخَاطِبُ عَقْلَهُ وَتَهْدِي قَلْبَهُ؟ وَمَاذَا نَفْعَلُ إِذَا جَاءَنَا مَنْ يُرِيدُ الإِسْلَامَ؟ وَهَلْ يَلْزَمُ لِلدُّخُولِ فِي الإِسْلَامِ أَلْفَاظٌ مُعَيَّنَةٌ؟ وَكَيْفَ نُعَلِّمُ الصِّغَارَ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ تَعْلِيمًا سَلِيمًا؟
أَوَّلًا: مَا مَعْنَى المُكَلَّفِ؟ وَمَا سِرُّ تَعْلِيقِ الوُجُوبِ بِهِ؟
المُكَلَّفُ هُوَ: الإِنْسَانُ البَالِغُ العَاقِلُ الَّذِي يَصِحُّ فِي حَقِّهِ خِطَابُ الشَّرْعِ بِالأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي. فَهُوَ الَّذِي يَفْهَمُ المَعْنَى وَيَعِي التَّكْلِيفَ، وَيَقْدِرُ عَلَى القَصْدِ وَالِاخْتِيَارِ.
وَلِذَلِكَ فَإِنَّ الحُكْمَ الشَّرْعِيَّ لا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِ المُكَلَّفِ عَلَى وَجْهِ الإِلْزَامِ؛ فَالصَّغِيرُ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ، وَالمَجْنُونُ الَّذِي لا يَعْقِلُ، وَمَنْ زَالَ عَقْلُهُ زَوَالًا تَامًّا، لا يَكُونُ مُخَاطَبًا بِالتَّكْلِيفِ الَّذِي يُخَاطَبُ بِهِ البَالِغُ العَاقِلُ.
فَإِذَا ثَبَتَتْ حَقِيقَةُ المُكَلَّفِ، عَرَفْنَا أَنَّ السُّؤَالَ عَنْ «أَوَّلِ وَاجِبٍ عَلَى المُكَلَّفِ» هُوَ سُؤَالٌ عَنْ أَوَّلِ مَا يَلْزَمُ الإِنْسَانَ حِينَ يَصِيرُ أَهْلًا لِخِطَابِ الشَّرْعِ وَمُؤَاخَذَتِهِ.
ثَانِيًا: مَا هُوَ أَوَّلُ وَاجِبٍ عَلَى المُكَلَّفِ؟
أَوَّلُ مَا يَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِ إِذَا كَانَ غَيْرَ مُسْلِمٍ: أَنْ يَدْخُلَ فِي دِينِ الإِسْلَامِ فَوْرًا، بِأَنْ يَتَبَرَّأَ مِنَ الكُفْرِ وَيَنْطِقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ بِلِسَانِهِ إِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى النُّطْقِ.
فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ دُخُولَهُ فِي الإِسْلَامِ لِأَجْلِ الغُسْلِ أَوْ لِأَجْلِ تَرْتِيبِ شُؤُونٍ دُنْيَوِيَّةٍ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُؤَجِّلَ الإِسْلَامَ بِزَعْمِ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ «يُفَكِّرَ» فَتْرَةً طَوِيلَةً؛ لِأَنَّ العُمْرَ لَيْسَ مَضْمُونًا، وَالمَوْتَ يَأْتِي بَغْتَةً، وَالتَّأْخِيرَ فِي أَمْرِ الإِيمَانِ تَعَرُّضٌ لِعَاقِبَةٍ مُهْلِكَةٍ.
ثُمَّ إِذَا دَخَلَ فِي الإِسْلَامِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَثْبُتَ عَلَيْهِ، بِاجْتِنَابِ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الكُفْرِ، وَبِالمُحَافَظَةِ عَلَى أَصْلِ الإِيمَانِ إِلَى أَنْ يَلْقَى اللهَ تَعَالَى.
وَدَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
وَفِي هَذِهِ الآيَةِ تَنْبِيهٌ جَلِيٌّ عَلَى أَنَّ العِبْرَةَ لَيْسَتْ بِدُخُولِ الإِسْلَامِ فَقَطْ، بَلِ العِبْرَةُ بِالثَّبَاتِ عَلَيْهِ إِلَى آخِرِ اللَّحْظَاتِ؛ لِأَنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَفْتَتِنُ وَيَضِلُّ وَيَخْرُجُ مِنَ الإِيمَانِ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوِ اعْتِقَادٍ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْذَرَ مِنْ ذَلِكَ حَذَرًا شَدِيدًا.
ثَالِثًا: وَاجِبُ الثَّبَاتِ عَلَى الإِسْلَامِ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ
إِنَّ مَنْ دَخَلَ فِي الإِسْلَامِ فَقَدْ دَخَلَ فِي عَهْدٍ مَعَ اللهِ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُوَافِيَ اللهَ عَلَى الإِيمَانِ، وَأَنْ يُجَاهِدَ نَفْسَهُ عَلَى البَقَاءِ فِي طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى.
وَقَدْ وَرَدَ فِي المَعْنَى حَدِيثٌ شَرِيفٌ يُفِيدُ أَنَّ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْجُوَ مِنَ النَّارِ وَيَدْخُلَ الجَنَّةَ فَلْيَثْبُتْ عَلَى الإِيمَانِ إِلَى المَمَاتِ؛ فَإِنَّ ثَبَاتَ الإِيمَانِ هُوَ مِفْتَاحُ النَّجَاةِ.
ثُمَّ بَعْدَ ثَبَاتِ أَصْلِ الإِيمَانِ، يَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِ أَنْ يُؤَدِّيَ جَمِيعَ الوَاجِبَاتِ وَأَنْ يَجْتَنِبَ جَمِيعَ المُحَرَّمَاتِ، فَالإِيمَانُ لَيْسَ مُجَرَّدَ لَفْظٍ، بَلْ يَتَبَعُهُ تَكْلِيفٌ وَعَمَلٌ وَانْقِيَادٌ.
رَابِعًا: كَيْفَ يَكُونُ الدُّخُولُ فِي الإِسْلَامِ؟
الدُّخُولُ فِي الإِسْلَامِ يَكُونُ بِأَمْرَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ:
1. النُّطْقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ بِلِسَانِهِ إِنْ كَانَ قَادِرًا.
2. التَّصْدِيقُ بِمَعْنَاهُمَا بِالقَلْبِ، وَالتَّبَرُّؤُ مِنَ الكُفْرِ وَمَا يُنَاقِضُهُمَا.
وَدَلِيلُ ذَلِكَ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ».
فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ الشَّهَادَةَ الظَّاهِرَةَ بِاللِّسَانِ عَلامَةَ الدُّخُولِ فِي الدِّينِ، لِأَنَّ الإِسْلَامَ دِينٌ لَهُ أَحْكَامٌ تَجْرِي عَلَى الظَّاهِرِ، وَالقَلْبُ مَحَلُّ الإِيمَانِ وَصِحَّةُ المَعْنَى.
وَمِنْ دَقَائِقِ هَذَا البَابِ: أَنَّ مَنْ صَدَّقَ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَنْطِقْ بِالشَّهَادَتَيْنِ مَعَ القُدْرَةِ عَلَى النُّطْقِ، فَإِنَّهُ لَا يُعَدُّ مُسْلِمًا؛ لِأَنَّ الإِيمَانَ الَّذِي يُجْرَى عَلَيْهِ حُكْمُ الإِسْلَامِ ظَاهِرًا لا بُدَّ فِيهِ مِنْ الإِقْرَارِ بِاللِّسَانِ.
خَامِسًا: مِثَالٌ يَفْصِلُ بَيْنَ مَنْ آمَنَ وَمَنْ أَبَى: قِصَّةُ أَبِي طَالِبٍ
مِنْ أَبْلَغِ الأَمْثِلَةِ عَلَى أَنَّ النُّطْقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ شَرْطٌ لِإِظْهَارِ الإِسْلَامِ مَعَ القُدْرَةِ قِصَّةُ أَبِي طَالِبٍ عَمِّ النَّبِيِّ ﷺ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهِ فِي مَرَضِ وَفَاتِهِ، وَقَالَ لَهُ: «يَا عَمِّ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ»، فَلَمْ يَقُلْهَا، وَأَبَى أَنْ يَتَشَهَّدَ، فَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ التَّرْكَ مَعَ القُدْرَةِ مُهْلِكٌ، وَأَنَّ الخَوْفَ مِنْ كَلامِ النَّاسِ وَالمُعَيَّرَةِ لَا يُعْتَبَرُ عُذْرًا يَسُوغُ تَرْكَ الإِيمَانِ.
سَادِسًا: هَلْ يُعْذَرُ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ النُّطْقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ؟
نَعَمْ، إِذَا كَانَ الإِنْسَانُ عَاجِزًا عَنْ النُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ عَجْزًا حَقِيقِيًّا كَالأَخْرَسِ أَوْ مَنْ فَقَدَ لِسَانَهُ وَيَكُونُ حُكْمُهُ كَحُكْمِ مَنْ نَطَقَ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، وَالعَجْزُ يَرْفَعُ الإِثْمَ وَيَغَيِّرُ الحُكْمَ فِي بَعْضِ الأَبْوَابِ.
سَابِعًا: كَيْفَ نَدْعُو الكَافِرَ إِلَى الإِسْلَامِ؟
إِنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى الإِسْلَامِ تَحْتَاجُ إِلَى حِكْمَةٍ وَعِلْمٍ، وَمِنْ أَصْلَحِ الطُّرُقِ فِي دَعْوَةِ غَيْرِ المُسْلِمِ: أَنْ يُخَاطَبَ بِمَا يُرَاكِمُ فِي نَفْسِهِ اليَقِينَ، وَيُحَرِّكُ فِي عَقْلِهِ الفِكْرَ، وَيُوصِلُهُ إِلَى أَنَّ هَذَا العَالَمَ حَادِثٌ مُتَغَيِّرٌ، وَأَنَّ كُلَّ مُتَغَيِّرٍ لَا يَكُونُ أَزَلِيًّا، وَأَنَّ الحَادِثَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ.
فَإِذَا تَأَمَّلَ الإِنْسَانُ فِي العَالَمِ وَجَدَهُ يَنْتَقِلُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ: لَيْلٌ وَنَهَارٌ، صِحَّةٌ وَمَرَضٌ، حَيَاةٌ وَمَوْتٌ، صِغَرٌ وَكِبَرٌ، فَقَرٌ وَغِنًى، تَغَيُّرٌ لَا يَنْقَطِعُ. وَهَذَا التَّغَيُّرُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مَخْلُوقٌ، وَأَنَّهُ لَا يَسْتَقِلُّ فِي وُجُودِهِ بِنَفْسِهِ.
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ العَالَمَ مَخْلُوقٌ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَهُ خَالِقٌ، وَأَنَّ هَذَا الخَالِقَ لَا يُشْبِهُ المَخْلُوقَاتِ؛ لِأَنَّ المُشَابَهَةَ تَقْتَضِي المُشَارَكَةَ فِي الأَحْكَامِ، وَمَنْ شَابَهَ شَيْئًا جَازَ عَلَيْهِ مَا يَجُوزُ عَلَيْهِ مِنْ فَنَاءٍ وَتَغَيُّرٍ وَحَاجَةٍ، وَذَلِكَ مُحَالٌ فِي حَقِّ الإِلَهِ.
وَمِنْ هُنَا يُقَالُ لَهُ: إِنَّ الخَالِقَ مَوْجُودٌ لَكِنَّهُ لَيْسَ جِسْمًا وَلَا رُوحًا وَلَا ضَوْءًا وَلَا رِيحًا، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى مَكَانٍ وَلَا جِهَةٍ؛ لِأَنَّ المَكَانَ وَالجِهَةَ وَالحَيِّزَ مِنْ خَصَائِصِ الأَجْسَامِ، وَالخَالِقُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ.
ثُمَّ يُبَيَّنُ لَهُ: أَنَّ هَذَا الخَالِقَ أَرْسَلَ رُسُلًا، وَأَنَّ آخِرَهُمْ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَأَنَّ رِسَالَتَهُ ثَبَتَتْ بِالمُعْجِزَاتِ، وَأَعْظَمُهَا القُرْآنُ الكَرِيمُ، فَمَنْ ثَبَتَتْ رِسَالَتُهُ لَا يَجُوزُ فِي حَقِّهِ الكَذِبُ عَلَى اللهِ.
وَهُنَا تَتَّضِحُ لَهُ حَقِيقَةُ الإِسْلَامِ: أَنَّهُ الدِّينُ الصَّحِيحُ المَقْبُولُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّ مَنْ بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ الإِسْلَامِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا وَمَاتَ عَلَى غَيْرِهِ تَعَرَّضَ لِعَذَابٍ أَبَدِيٍّ.
ثَامِنًا: مَاذَا تَفْعَلُ إِذَا جَاءَكَ غَيْرُ مُسْلِمٍ يُرِيدُ الدُّخُولَ فِي الإِسْلَامِ؟
إِذَا جَاءَكَ كَافِرٌ يُرِيدُ الدُّخُولَ فِي الإِسْلَامِ، فَالأَصْلُ أَنْ تُسَارِعَ إِلَى إِدْخَالِهِ فِي الإِسْلَامِ بِالشَّهَادَتَيْنِ، ثُمَّ تُعَلِّمَهُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ أُصُولِ العَقِيدَةِ.
فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ يَجْهَلُ مَعْنَى الإِيمَانِ وَالتَّنْزِيهِ وَشَرْطِ الشَّهَادَتَيْنِ، فَتُعَلِّمُهُ القَدْرَ الضَّرُورِيَّ الَّذِي يَصِحُّ بِهِ الإِيمَانُ بِقَدْرِ مَا يَفْهَمُ ثُمَّ تُطَالِبُهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ.
وَإِنْ كُنْتَ لَا تَعْلَمُ حَالَهُ، فَتَأْمُرُهُ فَوْرًا بِالشَّهَادَتَيْنِ، كَأَنْ تَقُولَ لَهُ: مَنْ أَرَادَ الدُّخُولَ فِي الإِسْلَامِ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تُبَيِّنُ لَهُ مَعَانِي التَّوْحِيدِ وَحَقَائِقَ الإِيمَانِ، وَتُعَرِّفُهُ أَنَّ الإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ، وَيَفْتَحُ لَهُ بَابَ الرَّحْمَةِ.
تَاسِعًا: هَلْ يُشْتَرَطُ لِلدُّخُولِ فِي الإِسْلَامِ لَفْظٌ مُعَيَّنٌ مِنْ أَلْفَاظِ الشَّهَادَةِ؟
لَا يُشْتَرَطُ لَفْظُ «أَشْهَدُ» بِعَيْنِهِ، بَلْ يَكْفِي أَنْ يَأْتِيَ بِمَا يُؤَدِّي مَعْنَى الشَّهَادَتَيْنِ، كَقَوْلِ:
* لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ.
أَوْ قَوْلِ:
* لَا رَبَّ إِلَّا اللهُ، مُحَمَّدٌ نَبِيُّ اللهِ.
أَوْ مَا يُعْطِي مَعْنَاهُمَا بِلُغَةٍ أُخْرَى لِمَنْ لَا يُحْسِنُ العَرَبِيَّةَ، مَعَ التَّحَقُّقِ مِنْ فَهْمِ المَعْنَى وَصِحَّةِ المَقْصُودِ.
وَإِنْ عَجَزَ عَنْ نُطْقِ حَرْفٍ مِنَ الحُرُوفِ كَحَرْفِ الحَاءِ فِي «مُحَمَّد» فَيُنْقَلُ إِلَى لَفْظٍ صَحِيحٍ يَسْهُلُ عَلَيْهِ، فَيُقَالُ لَهُ: قُلْ: أَبُو القَاسِمِ رَسُولُ اللهِ، فَيَصِحُّ إِقْرَارُهُ بِذَلِكَ، وَتَحْصُلُ الشَّهَادَةُ عَلَى وَجْهِهَا.
عَاشِرًا: كَيْفَ يُعَلَّمُ الصَّغِيرُ النُّطْقَ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ؟ وَمَا ضَابِطُ ذَلِكَ؟
مِنْ جَمِيلِ التَّرْبِيَةِ الإِيمَانِيَّةِ أَنْ يُعَلَّمَ الصَّغِيرُ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ تَدْرِيجًا، وَأَنْ يُنَظَّمَ لَهُ اللَّفْظُ حَتَّى يُتْقِنَهُ. فَمِنَ الطَّرِيقَةِ المُحْكَمَةِ فِي ذَلِكَ:
* يُقَالُ لَهُ أَوَّلًا: قُلْ: لَا.
* فَإِذَا أَتْقَنَهَا: قُلْ: إِلَهَ إِلَّا.
* فَإِذَا أَتْقَنَهَا: قُلْ: اللهُ.
* ثُمَّ يُرَكَّبُ لَهُ الجَمِيعُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ.
وَيُنَبَّهُ المُعَلِّمُ تَنْبِيهًا شَدِيدًا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعَلِّمَ الصَّغِيرَ أَنْ يَقُولَ: «لَا إِلَهَ» وَيَسْكُتَ؛ لِأَنَّ هَذَا لَفْظٌ مُبْتُورٌ عَلَى وَجْهٍ فَاسِدٍ، فَيَقَعُ فِي النَّفْيِ المُطْلَقِ الَّذِي يُفْضِي إِلَى مَعْنًى خَطِيرٍ. فَلا بُدَّ مِنْ تَمَامِ الكَلِمَةِ لِتَكُونَ دَالَّةً عَلَى نَفْيِ الأُلُوهِيَّةِ عَمَّا سِوَى اللهِ، وَإِثْبَاتِ الأُلُوهِيَّةِ لِلهِ وَحْدَهُ.
خَاتِمَةٌ
وَخُلَاصَةُ المَعْنَى أَنَّ أَوَّلَ وَاجِبٍ عَلَى المُكَلَّفِ إِنْ كَانَ غَيْرَ مُسْلِمٍ هُوَ الدُّخُولُ فِي الإِسْلَامِ فَوْرًا بِنُطْقِ الشَّهَادَتَيْنِ لِلْقَادِرِ عَلَى النُّطْقِ، وَمَعَهُ التَّصْدِيقُ بِالمَعْنَى وَالتَّبَرُّؤُ مِنَ الكُفْرِ. ثُمَّ يَجِبُ عَلَيْهِ الثَّبَاتُ عَلَى الإِيمَانِ وَاجْتِنَابُ أَسْبَابِ الرِّدَّةِ، وَأَنْ يَقُومَ بِمَا افْتَرَضَ اللهُ عَلَيْهِ وَيَجْتَنِبَ مَا حَرَّمَ.
وَأَمَّا دَعْوَةُ غَيْرِ المُسْلِمِ فَتَبْدَأُ بِإِثْبَاتِ وُجُودِ الخَالِقِ تَعَالَى مِنْ طَرِيقِ نَظَرِ العَقْلِ فِي الحُدُوثِ وَالتَّغَيُّرِ، ثُمَّ تُقَرِّرُ تَنْزِيهَهُ عَنْ شَبَهِ المَخْلُوقَاتِ، ثُمَّ تُبَيِّنُ صِدْقَ رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَأَنَّ الإِسْلَامَ هُوَ الدِّينُ الحَقُّ.
نَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يَثَبِّتَنَا عَلَى كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، وَأَنْ يَجْعَلَ آخِرَ كَلامِنَا مِنَ الدُّنْيَا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، وَأَنْ يَرْزُقَنَا حُسْنَ الخَاتِمَةِ وَصِدْقَ الإِنَابَةِ.