مُقَدِّمَةُ الدَّرْسِ
إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ؛ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَهْدِيهِ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا؛ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ﷺ.
أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ مِنْ أَصُولِ إِيمَانِنَا الَّتِي لَا يَصِحُّ إِسْلَامُ العَبْدِ إِلَّا بِهَا: الإِيمَانَ بِاليَوْمِ الآخِرِ؛ يَوْمِ القِيَامَةِ، يَوْمٍ تَنْقَلِبُ فِيهِ المَوَازِينُ، وَتَظْهَرُ فِيهِ الحَقَائِقُ، وَيَرَى الإِنْسَانُ مَا قَدَّمَ وَمَا أَخَّرَ.
أَهْدَافُ الدَّرْسِ
يَهْدِفُ هٰذَا الدَّرْسُ إِلَى:
1. تَرْسِيخِ العَقِيدَةِ فِي الإِيمَانِ بِاليَوْمِ الآخِرِ.
2. تَصْوِيرِ بَعْضِ أَحْوَالِ القِيَامَةِ تَصْوِيرًا يُحَرِّكُ القُلُوبَ.
3. بَيَانِ أَنَّ مَوَاقِفَ القِيَامَةِ طَوِيلَةٌ، وَلَكِنَّهَا تُخَفَّفُ عَلَى المُؤْمِنِ التَّقِيِّ.
4. تَعْرِيفُ المُسْتَمِعِ بِمَعْنَى البَعْثِ وَالحَشْرِ وَالحِسَابِ وَوَزْنِ الأَعْمَالِ.
5. الدَّعْوَةُ إِلَى مُحَاسَبَةِ النَّفْسِ وَالِاسْتِعْدَادِ لِلْعَرْضِ الأَكْبَرِ.
مَوْضُوعُ الدَّرْسِ:
بَعْضُ أَحْوَالِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَكَيْفَ نَسْتَعِدُّ لِذٰلِكَ اليَوْمِ
مَحَاوِرُ الدَّرْسِ:
1. الإِيمَانُ بِاليَوْمِ الآخِرِ رُكْنٌ لَا يَصِحُّ الإِيمَانُ بِدُونِهِ.
2. مَشَاهِدُ تَغَيُّرِ الكَوْنِ عِنْدَ القِيَامَةِ.
3. طُولُ أَهْوَالِ اليَوْمِ وَتَخْفِيفُهَا عَلَى المُؤْمِنِ.
4. البَعْثُ وَالحَشْرُ وَأَقْسَامُ النَّاسِ فِي الحَشْرِ.
5. مَوْقِفُ المِيزَانِ وَوَزْنُ الأَعْمَالِ.
6. وُصْفُ النَّارِ وَخَطَرُ خِفَّةِ المَوَازِينِ.
7. وَصِيَّةُ النَّبِيِّ ﷺ وَالسَّلَفِ فِي مُحَاسَبَةِ النَّفْسِ وَالِاسْتِعْدَادِ.
المَحْوَرُ الأَوَّلُ: الإِيمَانُ بِاليَوْمِ الآخِرِ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الإِيمَانِ
سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الإِيمَانِ، فَقَالَ: «الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ».
فَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاليَوْمِ الآخِرِ فَهُوَ كَافِرٌ؛ لِأَنَّهُ أَنْكَرَ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ الدِّينِ.
المَحْوَرُ الثَّانِي: مَشَاهِدُ كَوْنِيَّةٌ تَهُزُّ القُلُوبَ
يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ وَإِذَا الكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ وَإِذَا البِحَارُ فُجِّرَتْ وَإِذَا القُبُورُ بُعْثِرَتْ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ (الانفطار: 1-5).
مَعَانِي المَشْهَدِ:
* تَنْشَقُّ السَّمَاءُ وَتَتَفَطَّرُ.
* تَتَسَاقَطُ الكَوَاكِبُ وَتَتَنَاثَرُ.
* تَتَفَجَّرُ البِحَارُ وَتَسْتَعِرُ.
* تُبْعَثَرُ القُبُورُ وَيُخْرَجُ مَا فِيهَا.
* وَعِنْدَهَا تُدْرِكُ كُلُّ نَفْسٍ مَا قَدَّمَتْ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ.
وَقِفْ وَقْفَةَ صِدْقٍ:
إِذَا كَانَ هٰذَا تَغَيُّرُ الكَوْنِ كُلِّهِ، فَكَيْفَ بِالإِنْسَانِ الضَّعِيفِ يَوْمَ يَقِفُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ؟
المَحْوَرُ الثَّالِث: البَعْثُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ذٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي المَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي القُبُورِ﴾ (الحج: 6-7).
فَالمَوْتُ لَيْسَ نِهَايَةً، بَلْ بَعْدَهُ بَعْثٌ، وَبَعْدَ البَعْثِ حِسَابٌ، وَبَعْدَ الحِسَابِ جَزَاءٌ.
المَحْوَرُ الرَّابِع: طُولُ مَوَاقِفِ القِيَامَةِ وَتَخْفِيفُهَا عَلَى المُؤْمِنِ
يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (المعارج: 4).
وَلَكِنَّ العَجَبَ العَظِيمَ: أَنَّ هٰذَا اليَوْمَ ـ بِطُولِهِ وَهَوْلِهِ ـ يُخَفَّفُ عَلَى المُؤْمِنِ التَّقِيِّ، حَتَّى يَكُونَ أَخَفَّ عَلَيْهِ مِنْ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ فِي الدُّنْيَا.
فَمَنْ صَبَرَ عَنِ المَعَاصِي فِي الدُّنْيَا، وَصَبَرَ عَلَى الطَّاعَاتِ، قَصُرَ انْتِظَارُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ.
المَحْوَرُ الخَامِس: البَعْثُ وَالحَشْرُ وَأَقْسَامُ النَّاسِ فِي المَحْشَرِ
أَوَّلًا: البَعْثُ
وَهُوَ خُرُوجُ الأَجْسَادِ مِنَ القُبُورِ بَعْدَ إِعَادَتِهَا، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الأَنْبِيَاءَ لَا تَأْكُلُهُمُ الأَرْضُ، لِقَوْلِهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ».
ثَانِيًا: الحَشْرُ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ (الكهف: 47).
وَالنَّاسُ فِي الحَشْرِ أَفْوَاجٌ:
1. فَوْجٌ رَاكِبُونَ طَاعِمُونَ كَاسُونَ: وَهُمْ الأَتْقِيَاءُ.
2. فَوْجٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ: وَهُمْ العُصَاةُ.
3. فَوْجٌ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ: وَهُمْ الكُفَّارُ.
وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّاسَ يُبْعَثُونَ «حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا»، وَلَكِنَّ النَّاسَ لَا يَنْشَغِلُونَ بِذٰلِكَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (عبس: 37).
المَحْوَرُ السَّادِس: مَوْقِفُ المِيزَانِ وَوَزْنُ الأَعْمَالِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ (الأعراف: 8-9).
وَالْمِيزَانُ حَقٌّ: لَهُ كِفَّتَانِ، تُوضَعُ الحَسَنَاتُ فِي كِفَّةٍ، وَالسَّيِّئَاتُ فِي كِفَّةٍ.
* ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ (القارعة: 6-7).
* ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ (القارعة: 8-9).
وَاعْلَمُوا: أَنَّ المُؤْمِنَ إِذَا رَجَحَتْ سَيِّئَاتُهُ فَهُوَ تَحْتَ المَشِيئَةِ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ. وَإِنْ دَخَلَ النَّارَ بِذُنُوبِهِ فَلَا يَخْلُدُ فِيهَا؛ لِأَنَّ الإِيمَانَ يَمْنَعُ الخُلُودَ.
المَحْوَرُ السَّابِع: وَصِيَّةُ النَّبِيِّ ﷺ وَالسَّلَفِ فِي مُحَاسَبَةِ النَّفْسِ
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ المَوْتِ، وَالعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا ثُمَّ تَمَنَّى عَلَى اللَّهِ».
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الأَكْبَرِ».
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ (الحاقة: 18).
تَطْبِيقَاتٌ عَمَلِيَّةٌ
1. اجْعَلْ لَكَ وَقْتًا ثَابِتًا لِمُحَاسَبَةِ نَفْسِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ.
2. زِدْ مِنْ حَسَنَاتِكَ كُلَّ يَوْمٍ: صَلَاةً، وَقُرْآنًا، وَصَدَقَةً، وَذِكْرًا.
3. تُبْ إِلَى اللَّهِ مِنَ الذُّنُوبِ قَبْلَ أَنْ تُوضَعَ عَلَى المِيزَانِ.
4. تَذَكَّرْ أَنَّ الدُّنْيَا دَارُ عَمَلٍ، وَالآخِرَةُ دَارُ جَزَاءٍ.
5. اجْعَلْ هَمَّكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ «أَبْنَاءِ الآخِرَةِ» لَا مِنْ «أَبْنَاءِ الدُّنْيَا».
خَاتِمَةُ الدَّرْسِ
أَحِبَّتِي فِي اللَّهِ؛ إِنَّ يَوْمَ القِيَامَةِ يَوْمٌ عَظِيمٌ، لَا يُنْجِي فِيهِ إِلَّا عَمَلٌ صَالِحٌ وَتَوْبَةٌ صَادِقَةٌ، وَقَلْبٌ سَلِيمٌ. فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ يَوْمُهُ خَفِيفًا فَلْيُثَقِّلْ مِيزَانَهُ مِنَ اليَوْمِ، وَلْيُزَيِّنْ نَفْسَهُ لِلْعَرْضِ الأَكْبَرِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا يَنْفَعُ فِيهِ نَدَمٌ.
دُعَاءٌ خِتَامِيٌّ مُوَجَزٌ
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ يَخِفُّ عَلَيْهِ يَوْمُ القِيَامَةِ، وَثَقِّلْ مَوَازِينَنا بِالحَسَنَاتِ، وَاغْفِرْ لَنَا السَّيِّئَاتِ، وَارْزُقْنَا قَلْبًا سَلِيمًا، وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا، وَثَبِّتْنَا عِنْدَ المَوْتِ وَفِي القَبْرِ وَعِنْدَ الحِسَابِ، وَأَدْخِلْنَا الجَنَّةَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
بَعْضُ أَحْوَالِ يَوْمِ القِيَامَةِ وَطُولُ المَوْقِفِ وَقِصَرُهُ عَلَى المُتَّقِينَ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ. الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَرُقِّقُ القُلُوبَ وَيُوقِظُ الغَافِلَ وَيَرُدُّ المُقَصِّرَ إِلَى صَوَابِهِ: تَذَكُّرَ يَوْمِ القِيَامَةِ، فَيَوْمُ القِيَامَةِ لَيْسَ حِكَايَةً تُرْوَى، وَلَا خَبَرًا يُتَلَى فَقَطْ، بَلْ هُوَ يَوْمٌ سَنَشْهَدُهُ، وَسَنَكُونُ فِيهِ، وَسَنَقِفُ فِي مَوَاقِفِهِ وَمَشَاهِدِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ وَإِذَا الكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ وَإِذَا البِحَارُ فُجِّرَتْ وَإِذَا القُبُورُ بُعْثِرَتْ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ (الانفطار: 1-5). فَتَصَوَّرْ ـ يَا عَبْدَ اللَّهِ ـ هٰذَا المَشْهَدَ: سَمَاءٌ تَتَفَطَّرُ، وَكَوَاكِبُ تَتَنَاثَرُ، وَبِحَارٌ تَتَفَجَّرُ، وَقُبُورٌ تُبْعَثَرُ، وَكُلُّ نَفْسٍ تَعْلَمُ مَا قَدَّمَتْ وَمَا أَخَّرَتْ! مَا أَشَدَّهُ مِنْ يَوْمٍ! وَمَا أَعْظَمَهُ مِنْ مَوْقِفٍ! وَقَدْ أَخْبَرَنَا اللَّهُ أَنَّ ذٰلِكَ اليَوْمَ طَوِيلٌ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (المعارج: 4). وَقَدْ يَسْمَعُ الإِنْسَانُ هٰذَا فَيَفْزَعُ وَيَقُولُ: مَا أَطْوَلَ هٰذَا اليَوْمَ! وَلَكِنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَشَّرَ المُؤْمِنِينَ أَنَّ هٰذِا الطُّول يَكُونُ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَأَمَّا المُؤْمِنُ التَّقِيُّ فَيُخَفَّفُ عَنْهُ حَتَّى يَكُونَ أَخَفَّ عَلَيْهِ مِنْ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ. فَاحْرِصْ ـ يَا أَخِي ـ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَخِفُّ عَلَيْهِ ذٰلِكَ اليَوْمُ بِطَاعَتِهِ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ الدُّنْيَا أَيَّامٌ قِصَارٌ وَالآخِرَةَ أَيَّامٌ طِوَالٌ، فَاعْمَلْ فِي الأَيَّامِ القِصَارِ لِتَرْبَحَ فِي الأَيَّامِ الطِّوَالِ. ثُمَّ يَبْدَأُ ذٰلِكَ اليَوْمُ بِالبَعْثِ؛ وَهُوَ خُرُوجُ الأَجْسَادِ مِنَ القُبُورِ بَعْدَ إِعَادَتِهَا، وَيَكُونُ الحَشْرُ إِلَى أَرْضِ المَحْشَرِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ (الكهف: 47). وَالنَّاسُ يَوْمَئِذٍ أَفْوَاجٌ، وَحَالُهُمْ يَدُلُّ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا: فَوْجٌ رَاكِبٌ مُكَرَّمٌ، وَفَوْجٌ يَمْشِي حُفَاةً عُرَاةً، وَفَوْجٌ يُسْحَبُ عَلَى وَجْهِهِ، وَالنَّاسُ فِي ذٰلِكَ اليَوْمِ لَا يَنْشَغِلُونَ بِعَوْرَاتِهِمْ وَلَا بِمَنْظَرِهِمْ؛ لِأَنَّ الخَطْبَ أَعْظَمُ مِنْ ذٰلِكَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (عبس: 37). ثُمَّ يَكُونُ الحِسَابُ وَالعَرْضُ عَلَى اللَّهِ، وَيُعْرَضُ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ مَا عَمِلَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ (الحاقة: 18). فَتَذَكَّرْ ـ يَا عَبْدَ اللَّهِ ـ تِلْكَ اللَّحْظَةَ: تُوضَعُ صَحِيفَتُكَ بَيْنَ يَدَيْكَ، وَتُقْرَأُ أَعْمَالُكَ كُلُّهَا، لَا يَسْقُطُ مِنْهَا شَيْءٌ! فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ تَوْبَةٍ تُصْلِحُ بِهَا الصَّحِيفَةَ قَبْلَ أَنْ تُخْتَمَ؟ وَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ حَسَنَاتٍ تَزِيدُ بِهَا الكَفَّةَ؟ وَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ مَعْصِيَةٍ تَتُوبُ مِنْهَا لِتَخِفَّ بِهَا الوِزْرَ؟ ثُمَّ تَأَمَّلْ وَصِيَّةَ السَّلَفِ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الأَكْبَرِ»، وَقَالَ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: «ارْتَحَلَتِ الدُّنْيَا مُدْبِرَةً، وَارْتَحَلَتِ الآخِرَةُ مُقْبِلَةً، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ اليَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابَ، وَغَدًا حِسَابٌ وَلَا عَمَلٌ». فَاعْمَلْ ـ يَا أَخِي ـ قَبْلَ أَنْ تَصِيرَ فِي الغَدِ الَّذِي لَا عَمَلَ فِيهِ، وَتُبْ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ اليَوْمُ الَّذِي لَا يَنْفَعُ فِيهِ نَدَمٌ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ المُتَّقِينَ الَّذِينَ يَخِفُّ عَلَيْهِمْ يَوْمُ القِيَامَةِ، وَارْزُقْنَا رَحْمَةً مِنْ عِنْدِكَ تُغْنِينَا عَمَّنْ سِوَاكَ، وَثَبِّتْنَا عَلَى طَاعَتِكَ، وَاخْتِمْ لَنَا بِالإِيمَانِ. آمِينَ.