مُقَدِّمَةٌ
إِنَّ أَشْرَاطَ السَّاعَةِ الْكُبْرَى مِنْ أَعْظَمِ مَا وَرَدَ فِي أَخْبَارِ الْغَيْبِ؛ إِذْ هِيَ عَلامَاتٌ بَاهِرَةٌ تُؤْذِنُ بِاقْتِرَابِ انْقِضَاءِ الدُّنْيَا وَقِيَامِ السَّاعَةِ، وَتَكْشِفُ لِلنَّاسِ أَنَّ مَا وُعِدُوا بِهِ حَقٌّ لَا رَيْبَ فِيهِ. وَهَذِهِ الْعَلامَاتُ لَيْسَتْ أَحْدَاثًا عَادِيَّةً تَجْرِي عَلَى مَأْلُوفِ النَّاسِ، بَلْ هِيَ أُمُورٌ عِظَامٌ تَخْرُجُ عَنْ نِظَامِ الْعَادَةِ، وَتَكُونُ فِي أَوْقَاتٍ مُتَقَارِبَةٍ، وَقَدْ تَقَعُ بَعْضُهَا فِي آنٍ وَاحِدٍ، لِيَتَبَيَّنَ لِكُلِّ ذِي بَصِيرَةٍ أَنَّ النِّهَايَةَ قَدِ اقْتَرَبَتْ. وَفِي هَذَا الْمَقَالِ نَعْرِضُ أَشْرَاطَ السَّاعَةِ الْكُبْرَى، ثُمَّ نُفَصِّلُ مَا تَعَلَّقَ بِبَعْضِهَا مِنْ بَيَانٍ، كَيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَالأَعْوَرِ الدَّجَّالِ، وَنُزُولِ سَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ نَخْتِمُ بِذِكْرِ الْمَهْدِيِّ وَمَا يَتَّصِلُ بِأَشْرَاطِ السَّاعَةِ الصُّغْرَى الَّتِي تَسْبِقُ الْكُبْرَى.
أَوَّلًا: عَدَدُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ الْكُبْرَى وَذِكْرُهَا مُجْمَلًا
أَشْرَاطُ السَّاعَةِ الْكُبْرَى، أَيْ: عَلامَاتُ الْقِيَامَةِ الْعُظْمَى، عَشَرَةٌ:
١) خُرُوجُ الدَّجَّالِ.
٢) نُزُولُ الْمَسِيحِ مِنَ السَّمَاءِ.
٣) خُرُوجُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ.
٤) طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا.
٥) خُرُوجُ دَابَّةِ الأَرْضِ، وَهِيَ تُكَلِّمُ النَّاسَ وَتُمَيِّزُ الْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ.
٦) دُخَانٌ يَنْتَشِرُ فِي الأَرْضِ، يَكَادُ الْكَافِرُونَ يَمُوتُونَ مِنْ شِدَّتِهِ.
٧) نَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنَ تَسُوقُ النَّاسَ إِلَى الْمَغْرِبِ.
٨) خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ.
٩) خَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ.
١٠) خَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ.
وَهَذِهِ الْخُسُوفُ الثَّلَاثَةُ تَقَعُ فِي أَوْقَاتٍ مُتَقَارِبَةٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَقَعَ فِي آنٍ وَاحِدٍ بَعْدَ خُرُوجِ الدَّجَّالِ وَنُزُولِ الْمَسِيحِ مِنَ السَّمَاءِ. وَالْخُسُوفُ مَعْنَاهُ: انْشِقَاقُ الأَرْضِ وَبَلْعُ مَنْ عَلَيْهَا.
ثَانِيًا: يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ… حَقِيقَتُهُمَا وَمَكَانُهُمَا وَبِدَايَةُ خُرُوجِهِمْ
يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ قَبِيلَتَانِ مِنَ الْبَشَرِ، كُفَّارٌ، وَمَكَانُهُمْ فِي الأَرْضِ مَحْجُوبٌ عَنِ النَّاسِ. وَقَدْ حَجَزَهُمُ الصَّعْبُ ذُو الْقَرْنَيْنِ عَنْ قَوْمٍ مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ بِطَلَبٍ مِنْهُمْ؛ لِيَمْنَعَ عَنْهُمْ عُدْوَانَهُمْ وَفَسَادَهُمْ.
وَالصَّعْبُ ذُو الْقَرْنَيْنِ كَانَ مِنْ أَكَابِرِ الأَوْلِيَاءِ، بَنَى سَدًّا أَيْ: حَاجِزًا مِنْ حَدِيدٍ، ثُمَّ أُذِيبَ عَلَيْهِ النُّحَاسُ، فَصَارَ أَمْتَنَ وَأَشَدَّ صَلَابَةً، فَلَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنَ الْبَشَرِ أَنْ يَتَرَقَّاهُ بِطَرِيقِ الْعَادَةِ.
ثَالِثًا: مُحَاوَلَاتُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ فَتْحَ السَّدِّ وَسِرُّ كَلِمَةِ «إِنْ شَاءَ اللهُ»
يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ يُحَاوِلُونَ كُلَّ يَوْمٍ أَنْ يَخْتَرِقُوا السَّدَّ، كَمَا وَرَدَ ذَلِكَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ؛ فَيَعْمَلُونَ فِيهِ طَوِيلًا بِجُهْدٍ عَظِيمٍ، ثُمَّ يَقُولُونَ بَعْدَ ذَلِكَ: «غَدًا نُكْمِلُ»، فَيَعُودُونَ فِي الْيَوْمِ التَّالِي فَيَجِدُونَ مَا فَتَحُوهُ قَدْ سُدَّ، فَيَبْدَأُونَ مِنْ جَدِيدٍ، وَهَكَذَا يَتَكَرَّرُ الأَمْرُ؛ حَتَّى يَأْتِيَ الْيَوْمُ الَّذِي يَقُولُونَ فِيهِ: «غَدًا نُكْمِلُ إِنْ شَاءَ اللهُ»، فَيَعُودُونَ فِي الْيَوْمِ التَّالِي فَيَجِدُونَ مَا بَدَؤُوا بِهِ قَدْ بَقِيَ عَلَى حَالِهِ، فَيُكْمِلُونَ الْحَفْرَ وَيَخْرُجُونَ.
وَيَكُونُ ذَلِكَ بَعْدَ نُزُولِ سَيِّدِنَا عِيسَى الْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ السَّمَاءِ بِمُدَّةٍ، فَيَجْتَمِعُ خُرُوجُهُمْ مَعَ أَحْدَاثٍ عِظَامٍ تَزْلَزِلُ الأَرْضَ وَتُرْعِبُ النَّاسَ.
رَابِعًا: كَثْرَةُ عَدَدِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَشِدَّةُ خَطَرِهِمْ
وَيَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ لَا يَمُوتُ أَحَدُهُمْ حَتَّى يَلِدَ أَلْفًا مِنْ صُلْبِهِ أَوْ أَكْثَرَ، كَمَا ذَكَرَ الرَّسُولُ ﷺ؛ فَيَصِيرُ عَدَدُهُمْ قَبْلَ خُرُوجِهِمْ كَبِيرًا جِدًّا، حَتَّى إِنَّ بَقِيَّةَ الْبَشَرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالنِّسْبَةِ لَهُمْ كَوَاحِدٍ مِنْ مِائَةٍ. وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ سِرُّ الْعَجْزِ عَنْ مُوَاجَهَتِهِمْ؛ فَلَا يَتَجَرَّأُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى حَرْبِهِمْ، لِهَوْلِ عَدَدِهِمْ وَشِدَّةِ بَأْسِهِمْ.
خَامِسًا: هَلَاكُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ بِدُعَاءِ عِيسَى وَالْمُؤْمِنِينَ
عِنْدَ خُرُوجِهِمْ يَذْهَبُ سَيِّدُنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمَعَهُ الْمُؤْمِنُونَ إِلَى جَبَلِ الطُّورِ، فَيَدْعُونَ اللهَ أَنْ يُهْلِكَهُمْ، وَيَسْتَغِيثُونَ بِهِ مِنْ شَرِّهِمْ. فَيُنْزِلُ اللهُ عَلَيْهِمْ دُودًا يَدْخُلُ فِي رَقَبَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَيَسْقُطُ مَيْتًا، ثُمَّ يُرْسِلُ اللهُ تَعَالَى طُيُورًا تَحْمِلُهُمْ وَتَرْمِيهِمْ فِي الْبَحْرِ، ثُمَّ يَنْزِلُ مَطَرٌ يَجْرِفُ آثَارَهُمْ إِلَى الْبَحْرِ. وَهَكَذَا يَنْقَطِعُ شَرُّهُمْ وَتُطَهَّرُ الأَرْضُ مِنْ وَبَالِهِمْ.
سَادِسًا: الأَعْوَرُ الدَّجَّالُ… نَسَبُهُ وَصِفَتُهُ وَمَكَانُهُ وَفِتْنَتُهُ
الأَعْوَرُ الدَّجَّالُ رَجُلٌ كَافِرٌ عَظِيمُ الْجَسَدِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِحْدَى عَيْنَيْهِ طَافِيَةٌ كَالْعِنَبَةِ، وَالأُخْرَى مَمْسُوحَةٌ. وَهُوَ الآنَ مَحْبُوسٌ فِي جَزِيرَةٍ فِي الْبَحْرِ لَيْسَتْ مَعْرُوفَةً. وَيُقَالُ لَهُ «الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ» لِكَثْرَةِ سِيَاحَتِهِ، أَيْ: تَنَقُّلِهِ فِي الأَرْضِ؛ فَإِنَّ اللهَ يُسَهِّلُ لَهُ التَّنَقُّلَ فِي الأَرْضِ بِطَرِيقٍ غَرِيبٍ، فَيُضِلُّ خَلْقًا كَثِيرًا لِأَنَّهُ يَقُولُ لِلنَّاسِ: «أَنَا رَبُّكُمْ»، وَيَدْعُوهُمْ إِلَى الإِيمَانِ بِهِ.
وَمِنْ رَحْمَةِ اللهِ بِعِبَادِهِ أَنَّ الدَّجَّالَ لَا يَسْتَطِيعُ دُخُولَ مَكَّةَ وَلَا الْمَدِينَةَ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: «إِنَّ الدَّجَّالَ لا يَدْخُلُ مَكَّةَ»، وَثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَأْتِي إِلَى الْمَدِينَةِ فَيَجِدُ عَلَى كُلِّ نَقْبٍ مِنْ أَنْقَابِهَا مَلَكًا مَعَهُ سَيْفٌ مُسَلَّطٌ، فَيَفِرُّ.
سَابِعًا: مَا يُظْهِرُهُ الدَّجَّالُ مِنَ الْخَوَارِقِ وَمَا يَكُونُ مَعَهُ مِنَ النَّهْرَيْنِ
عِنْدَ ظُهُورِ الدَّجَّالِ يَكُونُ مَعَهُ نَهْرَانِ: وَاحِدٌ مِنْ نَارٍ يَكُونُ بَرْدًا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَوَاحِدٌ مِنْ مَاءٍ يَكُونُ نَارًا. وَيُظْهِرُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ خَوَارِقَ ابْتِلَاءً لِلنَّاسِ، مِنْهَا: أَنَّهُ يَقُولُ لِلسَّمَاءِ: «أَمْطِرِي»، فَتُمْطِرُ، وَيَقُولُ لِلأَرْضِ: «أَخْرِجِي زَرْعَكِ»، فَتُخْرِجُهُ. وَمِنْهَا أَنَّهُ يَشُقُّ رَجُلًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِي يُكَذِّبُهُ فِي وَجْهِهِ نِصْفَيْنِ، ثُمَّ يُحْيِيهِ بِإِذْنِ اللهِ، فَيَقُولُ ذَلِكَ الْمُؤْمِنُ: «لَمْ أَزْدَدْ بِهَذَا إِلَّا تَكْذِيبًا لَكَ». فَيَظْهَرُ أَنَّ أَهْلَ الإِيمَانِ الرَّاسِخِ لَا تَزِلُّهُمُ الْفِتَنُ، وَأَنَّ ثَبَاتَ الْقَلْبِ هُوَ عِصْمَةُ الْعَبْدِ فِي زَمَنِ الِابْتِلَاءِ.
ثَامِنًا: الْقَحْطُ قَبْلَ خُرُوجِ الدَّجَّالِ وَتَغْيِيرُ أَحْوَالِ الأَرْضِ
قَبْلَ ظُهُورِ الدَّجَّالِ بِثَلَاثِ سَنَوَاتٍ تُمْسِكُ السَّمَاءُ ثُلُثَ مَائِهَا، ثُمَّ فِي السَّنَةِ الَّتِي بَعْدَهَا تُمْسِكُ ثُلُثَيْ مَائِهَا، ثُمَّ قَبْلَ ظُهُورِهِ بِسَنَةٍ تُمْسِكُ كُلَّ مَائِهَا. فَتَكُونُ السِّنُونُ سِنِينَ شِدَادًا، وَيَضِيقُ النَّاسُ بِالْمَعِيشَةِ، وَيَعِظُمُ الِابْتِلَاءُ، وَتَتَجَلَّى فِي ذَلِكَ مَعَانِي الصَّبْرِ وَالتَّوَكُّلِ وَالثَّبَاتِ عَلَى الدِّينِ.
تَاسِعًا: مَقْتَلُ الدَّجَّالِ وَنِهَايَةُ فِتْنَتِهِ
يُقْتَلُ الأَعْوَرُ الدَّجَّالُ بِبَابِ لُدٍّ فِي فِلَسْطِين، وَالَّذِي يَقْتُلُهُ هُوَ سَيِّدُنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ. فَبِمَقْتَلِهِ تَنْقَطِعُ أَعْظَمُ فِتْنَةٍ تَمُرُّ عَلَى الْبَشَرِ، وَيَكُونُ فِي ذَلِكَ إِظْهَارٌ لِكَرَامَةِ أَهْلِ الإِيمَانِ وَخُذْلَانِ أَهْلِ الْبَاطِلِ.
عَاشِرًا: الدَّلِيلُ عَلَى نُزُولِ سَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَحِكْمَةُ نُزُولِهِ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾، أَيْ: أَنَّ نُزُولَ سَيِّدِنَا عِيسَى مِنَ السَّمَاءِ عَلامَةٌ مِنَ الْعَلامَاتِ الْكُبْرَى لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَوَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا…». فَيَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ سَيِّدَنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ يَنْزِلُ إِلَى الأَرْضِ وَيَحْكُمُ بِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ.
وَعِنْدَمَا يَنْزِلُ يَكُونُ وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ، وَيَكُونُ الْمَهْدِيُّ فِي شَرْقِ دِمَشْقَ قَدْ تَهَيَّأَ لِصَلاةِ الْفَجْرِ، فَإِذَا حَضَرَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ تَأَخَّرَ الْمَهْدِيُّ، فَيَقُولُ لَهُ عِيسَى: «تَقَدَّمْ؛ لَكَ أُقِيمَتْ»، فَيُصَلِّي عِيسَى خَلْفَ الْمَهْدِيِّ إِعْلَامًا لِلنَّاسِ أَنَّهُ نَزَلَ لِيَحْكُمَ بِالإِسْلَامِ وَيَعْمَلَ بِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلَامُ. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُصَلِّي عِيسَى بِالنَّاسِ إِمَامًا؛ لِأَنَّهُ نَبِيٌّ رَسُولٌ، وَأَمَّا الْمَهْدِيُّ فَهُوَ وَلِيٌّ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللهِ، وَالنَّبِيُّ أَفْضَلُ مِنَ الْوَلِيِّ.
حَادِيَ عَشَرَ: صِفَاتُ عِيسَى الْخِلْقِيَّةُ وَالْخُلُقِيَّةُ وَحَالُهُ فِي الدُّنْيَا
سَيِّدُنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ هُوَ آخِرُ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، خَلَقَهُ اللهُ مِنْ غَيْرِ أَبٍ، كَمَا خَلَقَ آدَمَ مِنْ غَيْرِ أَبٍ وَلَا أُمٍّ. وَلَمَّا بَلَغَ الثَّلَاثِينَ أَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ أَنْ يَدْعُوَ النَّاسَ إِلَى الإِسْلَامِ، فَدَعَا إِلَى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ وَتَرْكِ الإِشْرَاكِ، وَإِلَى الإِيمَانِ بِأَنَّهُ رَسُولُ اللهِ، وَأَيَّدَهُ اللهُ بِالْمُعْجِزَاتِ، فَآمَنَ بِهِ اثْنَا عَشَرَ يُسَمَّوْنَ الْحَوَارِيِّينَ، ثُمَّ صَارُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ دِينَ الإِسْلَامِ.
عَلَّمَهُ اللهُ التَّوْرَاةَ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا سَمَاوِيًّا هُوَ الإِنْجِيلُ، فِيهِ الأَمْرُ بِاتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذَا ظَهَرَ، وَفِيهِ الأَمْرُ بِعِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، وَبَيَانُ أَحْكَامِ شَرِيعَتِهِ مِنْ تَحْرِيمِ شُرْبِ الْخَمْرِ وَأَكْلِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَالأَمْرِ بِالصَّلاةِ وَالصِّيَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَكَانَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ جَمِيلَ الشَّكْلِ، حَسَنَ الصَّوْتِ، مَرْبُوعَ الْقَامَةِ، آدَمَ اللَّوْنِ، سَبِطَ الشَّعَرِ، وَكَانَ زَاهِدًا لَا يُبَالِي بِنَعِيمِ الدُّنْيَا، بَلْ يَأْكُلُ مِنْ بُقُولِ الأَرْضِ مِنْ غَيْرِ طَبْخٍ، وَيَلْبَسُ الصُّوفَ مِنْ غَيْرِ نَسْجٍ، وَلَا يَتَّخِذُ مَنْزِلًا، بَلْ بَيْتُهُ الْمَسَاجِدُ، يُنْفِقُ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَلَا يَدَّخِرُ شَيْئًا، كَثِيرَ الْبُكَاءِ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، شَدِيدَ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ عَزَّ وَجَلَّ.
ثَانِيَ عَشَرَ: الدِّينُ الَّذِي دَعَا إِلَيْهِ عِيسَى وَحَقِيقَةُ مَنْ زَعَمَ فِيهِ الأُلُوهِيَّةَ
الدِّينُ الَّذِي دَعَا إِلَيْهِ سَيِّدُنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ هُوَ دِينُ الإِسْلَامِ، وَهُوَ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ. وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ اللهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ ابْنُ اللهِ، وَهَؤُلَاءِ كُفَّارٌ؛ لِأَنَّهُمْ نَسَبُوا الْوَلَدَ إِلَى اللهِ، وَاللهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾. وَالْمُؤْمِنُونَ قَالُوا: هُوَ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ.
وَأَتْبَاعُ عِيسَى كَانُوا عَلَى الإِسْلَامِ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ… ءَامَنَّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾.
ثَالِثَ عَشَرَ: رَفْعُ عِيسَى إِلَى السَّمَاءِ وَأَنَّهُ لَمْ يُقْتَلْ وَلَمْ يُصْلَبْ
سَيِّدُنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يُقْتَلْ وَلَمْ يُصْلَبْ، بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَى السَّمَاءِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ﴾، أَيْ: إِلَى مَحَلِّ كَرَامَتِهِ وَهُوَ السَّمَاءُ، وَلا يُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ اللهَ يَسْكُنُ السَّمَاءَ؛ لِأَنَّهُ مَوْجُودٌ بِلَا مَكَانٍ وَلَا جِهَةٍ.
وَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْهِ أَنَّ الْيَهُودَ يُرِيدُونَ قَتْلَهُ، فَكَانَ مِنْ قَصَصِ ذَلِكَ أَنَّ عِيسَى كَانَ مَعَ اثْنَيْ عَشَرَ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي بَيْتٍ، فَقَالَ: «أَيُّكُمْ يُلْقَى عَلَيْهِ شَبَهِي وَيُقْتَلُ مَكَانِي فَيَكُونُ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ؟» فَقَامَ شَابٌّ أَحْدَثُهُمْ سِنًّا، فَقَالَ: «أَنَا»، فَقَالَ لَهُ: «اجْلِسْ»، ثُمَّ عَادَ فَقَالَ: «اجْلِسْ»، ثُمَّ فِي الثَّالِثَةِ قَالَ: «أَنْتَ هُوَ»، فَأُلْقِيَ عَلَى الشَّابِّ شَبَهُ عِيسَى، فَأُخِذَ وَصُلِبَ، وَرُفِعَ عِيسَى مِنْ رَوْزَنَةٍ فِي الْبَيْتِ، وَهِيَ نَافِذَةٌ فِي السَّطْحِ تَكُونُ فِي زَاوِيَةٍ مِنَ الْبَيْتِ.
وَبَعْدَ نُزُولِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى الأَرْضِ يَمْكُثُ فِيهَا أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يُتَوَفَّى وَيُدْفَنُ فِي الْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ بِجِوَارِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ.
رَابِعَ عَشَرَ: الْمَهْدِيُّ وَعَلَاقَتُهُ بِأَشْرَاطِ السَّاعَةِ الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى
لا تَقُومُ الْقِيَامَةُ حَتَّى تَحْصُلَ أَشْرَاطُ السَّاعَةِ الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى. وَمِنَ الْعَلامَاتِ الصُّغْرَى: قِلَّةُ الْعِلْمِ وَكَثْرَةُ الْجَهْلِ بِعِلْمِ الدِّينِ، وَكَثْرَةُ الْقَتْلِ وَالظُّلْمِ، وَكَثْرَةُ الزَّلَازِلِ، وَكَثْرَةُ الأَمْرَاضِ الَّتِي لَمْ يَكُنِ النَّاسُ يَعْرِفُونَهَا سَابِقًا، وَكَثْرَةُ الدَّجَّالِينَ وَخُطَبَاءِ السُّوءِ، وَادِّعَاءُ أُنَاسٍ النُّبُوَّةَ، وَتَدَاعِي الأُمَمِ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَتَدَاعِيهِمْ عَلَى قَصْعَةِ الطَّعَامِ يُحِيطُونَ بِهِمْ مِنْ كُلِّ صَوْبٍ، وَقَدْ حَصَلَ كُلُّ ذَلِكَ. وَمِنْ آخِرِهَا: ظُهُورُ الْمَهْدِيِّ.
وَالْمَهْدِيُّ ثَابِتٌ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَقَدْ رُوِيَ: «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمْلِكَ النَّاسَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي وَاسْمُ أَبِيهِ اسْمَ أَبِي فَيَمْلَأُهَا قِسْطًا وَعَدْلًا». وَالْمَهْدِيُّ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَهُوَ حَسَنِيٌّ أَوْ حُسَيْنِيٌّ مِنْ وَلَدِ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا. وَهُوَ طَوِيلُ الْقَامَةِ، آدَمُ اللَّوْنِ، وَجْهُهُ كَالْكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ فِي الْحُسْنِ وَالْوَضَاءَةِ، أَجْلَى الْجَبْهَةِ، أَقْنَى الأَنْفِ، أَكْحَلُ الْعَيْنَيْنِ وَاسِعُهُمَا، دَقِيقُ الْحَاجِبَيْنِ طَوِيلُهُمَا، مَفْرُوقُ الْحَاجِبَيْنِ، غَيْرُ مَقْرُونِهِمَا، وَفِي خَدِّهِ الأَيْمَنِ خَالٌ أَسْوَدُ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، بَرَّاقُ الثَّنَايَا.
يُولَدُ بِالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ وَيَنْشَأُ بِهَا، وَيَخْرُجُ مِنْهَا ثُمَّ يَأْتِي إِلَى مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ فَيُبَايِعُهُ الأَوْلِيَاءُ. وَوَرَدَ فِي الأَثَرِ أَنَّهُ يَسِيرُ مَعَهُ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ مَلَكٌ يُنَادِي: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، هَذَا خَلِيفَةُ اللهِ الْمَهْدِيُّ فِي الأَرْضِ فَاتَّبِعُوهُ». وَوَرَدَ أَنَّهُ يَخْرُجُ مَعَهُ أَلْفٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يُمِدُّونَهُ بِإِذْنِ اللهِ، ثُمَّ يَذْهَبُ إِلَى مَكَّةَ فَيُبَايِعُهُ ثَلَاثُمِائَةٍ مِنَ الأَوْلِيَاءِ، وَيَخْرُجُ جَيْشٌ لِغَزْوِهِ فَيَخْسِفُ اللهُ بِهِ الأَرْضَ فِيمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، ثُمَّ يَأْتِي إِلَى بَرِّ الشَّامِ.
وَفِي أَيَّامِهِ تَحْصُلُ مَجَاعَةٌ، وَالْمُؤْمِنُ الْكَامِلُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ يَشْبَعُ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ، أَيْ: بِذِكْرِ اللهِ وَتَعْظِيمِهِ. وَيَكُونُ بَيْنَ عِيسَى وَالْمَهْدِيِّ سَبْعُ أَوْ تِسْعُ سَنَوَاتٍ.
خَاتِمَةٌ
إِنَّ أَشْرَاطَ السَّاعَةِ الْكُبْرَى عَشْرٌ، وَهِيَ آيَاتٌ مُهَوِّلَةٌ تَظْهَرُ قُبَيْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ، فَيَتَبَيَّنُ لِلنَّاسِ أَنَّ الدُّنْيَا تُوَدِّعُ أَيَّامَهَا، وَأَنَّ الْآخِرَةَ تُقْبِلُ بِحَقَائِقِهَا الَّتِي لَا مَرِيَّةَ فِيهَا. فَطُوبَى لِمَنْ اسْتَعَدَّ بِالإِيمَانِ وَالتَّقْوَى وَالصّدْقِ وَالثَّبَاتِ، وَحَذَّرَ نَفْسَهُ مِنَ الفِتَنِ، وَتَعَلَّمَ دِينَهُ، وَتَمَسَّكَ بِكِتَابِ رَبِّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ، حَتَّى يَلْقَى اللهَ وَقَلْبُهُ سَلِيمٌ.