مُقَدِّمَةٌ
إِنَّ مَعْرِفَةَ اللهِ تَعَالَى أَصْلُ الدِّينِ وَمِفْتَاحُ الْيَقِينِ، وَإِنَّ أَعْظَمَ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ الْعَبْدُ إِلَى رَبِّهِ أَنْ يَعْرِفَهُ بِمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَأَنْ يُنَزِّهَهُ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ وَعَيْبٍ وَتَشْبِيهٍ. وَقَدْ أَكَّدَ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ وَأَقْوَالُ أَئِمَّةِ الْهُدَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى مُتَّصِفٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ، مُنَزَّهٌ عَنْ سِمَاتِ الْحُدُوثِ وَالِاحْتِيَاجِ، وَأَنَّ صِفَاتَهُ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ، لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا تَغَيُّرٌ وَلَا فَنَاءٌ.
مَعْنَى صِفَاتِ اللهِ وَحَقِيقَتُهَا
اعْلَمْ أَنَّ اللهَ تَعَالَى مَوْصُوفٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ اللَّائِقَةِ بِهِ، كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ الصَّحِيحَةُ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ لَهُ أَسْمَاءٌ حُسْنَى تَدُلُّ عَلَى الْكَمَالِ، وَهُوَ مَوْصُوفٌ بِالْمَثَلِ الْأَعْلَى أَيْ بِالصِّفَاتِ الْعُلْيَا الَّتِي لَا تُشْبِهُ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ (الأعراف: 180)، فَهَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلَّهِ أَسْمَاءً تَامَّةً كَامِلَةً تَدُلُّ عَلَى عَظَمَتِهِ، وَتُرْشِدُ إِلَى وُجُوبِ تَوْحِيدِهِ وَدُعَائِهِ بِهَا، وَتَحْذِيرِ الْمُؤْمِنِ مِنِ اتِّبَاعِ الَّذِينَ يُحَرِّفُونَ أَسْمَاءَ اللهِ وَيَزِيغُونَ فِيهَا.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ (النحل: 60)، أَيْ إِنَّ لِلَّهِ صِفَاتٍ دَالَّةً عَلَى الْكَمَالِ، لَا تَشْبِهُ صِفَاتِ غَيْرِهِ، فَلَا يُقَاسُ عَلَى الْمَخْلُوقِ، وَلَا يَصِحُّ فِي حَقِّهِ تَشْبِيهٌ وَلَا تَمْثِيلٌ وَلَا تَجْسِيمٌ.
وَمِنْ أَهَمِّ مَا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ أَنَّ صِفَاتَ اللهِ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ، أَيْ لَا بِدَايَةَ لَهَا وَلَا نِهَايَةَ، فَهُوَ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ مُتَّصِفًا بِهَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إِنَّهَا حَادِثَةٌ مَخْلُوقَةٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إِلَى نَفْيِ الْكَمَالِ عَنْهُ، وَإِلَى جَعْلِهِ سُبْحَانَهُ مُحْتَاجًا إِلَى مَنْ يُوجِدُ لَهُ صِفَاتًا، وَهَذَا مُسْتَحِيلٌ.
خُطُورَةُ الْقَوْلِ بِحُدُوثِ صِفَاتِ اللهِ
لَمَّا كَانَتْ صِفَاتُ اللهِ تَعَالَى مِنْ لَوَازِمِ كَمَالِهِ، كَانَ الْقَوْلُ بِحُدُوثِهَا كُفْرًا وَضَلَالًا، وَقَدْ نَقَلَ الْأَئِمَّةُ التَّحْذِيرَ الشَّدِيدَ مِنْ هَذَا الْمَسْلَكِ؛ فَقَالَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي «الْفِقْهِ الأَكْبَرِ»: مَنْ قَالَ بِحُدُوثِ صِفَاتِ اللهِ أَوْ شَكَّ أَوْ تَوَقَّفَ فَهُوَ كَافِرٌ. وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى حَدَثَتْ لَهُ صِفَاتٌ لَمْ يَكُنْ مُتَّصِفًا بِهَا فِي الأَزَلِ، أَوْ شَكَّ فَقَالَ: لَعَلَّهَا أَزَلِيَّةٌ وَلَعَلَّهَا حَادِثَةٌ، أَوْ تَوَقَّفَ فِي الْحُكْمِ عَلَيْهَا فَقَالَ: لَا أَقُولُ إِنَّهَا أَزَلِيَّةٌ وَلَا أَقُولُ إِنَّهَا حَادِثَةٌ؛ فَإِنَّهُ يَقَعُ فِي الْكُفْرِ، لِأَنَّ هَذَا التَّوَقُّفَ أَوِ الشَّكَّ يَتَضَمَّنُ تَجْوِيزَ النَّقْصِ عَلَى اللهِ تَعَالَى.
الصِّفَاتُ الثَّلَاثَ عَشْرَةُ الْوَاجِبَةُ لِلَّهِ تَعَالَى
يَجِبُ وُجُوبًا عَيْنِيًّا عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يَعْرِفَ الصِّفَاتِ الثَّلَاثَ عَشْرَةَ الْوَاجِبَةَ لِلَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّهَا أُصُولُ مَعْرِفَتِهِ وَقِوَامُ الْعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ، وَهِيَ:
الْوُجُودُ، وَالْوَحْدَانِيَّةُ، وَالْقِدَمُ (أَيْ الأَزَلِيَّةُ)، وَالْبَقَاءُ، وَقِيَامُهُ بِنَفْسِهِ (أَيْ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنْ غَيْرِهِ)، وَالْقُدْرَةُ، وَالإِرَادَةُ، وَالْعِلْمُ، وَالسَّمْعُ، وَالْبَصَرُ، وَالْحَيَاةُ، وَالْكَلَامُ، وَالْمُخَالَفَةُ لِلْحَوَادِثِ (أَيْ عَدَمُ مُشَابَهَتِهِ لِلْمَخْلُوقَاتِ).
وَهَذِهِ الصِّفَاتُ قَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهَا فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، إِمَّا لَفْظًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة: 20)، وَإِمَّا مَعْنًى، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: 40)، فَالْقَوِيُّ هُنَا بِمَعْنَى الْقَدِيرِ أَيْ التَّامِّ الْقُدْرَةِ الَّذِي لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ قُوَّةَ الْجَسَدِ، لِأَنَّ اللهَ لَيْسَ جِسْمًا. وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَحْرِصُ عَلَى تَعْلِيمِ هَذِهِ الصِّفَاتِ لِلنَّاسِ، لِتَصْحِيحِ مَعْرِفَتِهِمْ بِرَبِّهِمْ.
وَأَمَّا مَعْرِفَةُ الأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالنَّقْلِيَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ الَّتِي تُثْبِتُ هَذِهِ الصِّفَاتِ فَهِيَ فَرْضٌ كِفَائِيٌّ، أَيْ يَجِبُ عَلَى بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالنَّظَرِ، وَلَا يَلْزَمُ كُلَّ مُكَلَّفٍ بِعَيْنِهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ تَفَاصِيلَ ذَلِكَ.
صِفَةُ الْوُجُودِ وَدَلِيلُهَا
يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى مَوْجُودٌ وُجُودًا حَقًّا لَا شَكَّ فِيهِ، وَوُجُودُهُ لَيْسَ بِإِيجَادِ مُوجِدٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ وُجُودَهُ عَدَمٌ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفِي اللهِ شَكٌّ﴾ (إبراهيم: 10)، أَيْ لَا شَكَّ فِي وُجُودِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.
وَأَمَّا الدَّلِيلُ الْعَقْلِيُّ عَلَى وُجُودِهِ، فَهُوَ أَنَّ الْكِتَابَةَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ كَاتِبٍ، وَالْبِنَاءَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ بَانٍ، وَهَذَا الْكَوْنُ كُلُّهُ يَدُلُّ بِالْأَوْلَى عَلَى وُجُودِ خَالِقٍ خَلَقَهُ وَأَوْجَدَهُ، لَا يُشْبِهُهُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، فَثَبَتَ أَنَّ لِلْعَالَمِ خَالِقًا وَهُوَ اللهُ تَعَالَى.
صِفَةُ الْوَحْدَانِيَّةِ وَحَقِيقَتُهَا
يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ سِوَاهُ، وَأَنَّهُ لَيْسَ جِسْمًا مُؤَلَّفًا مِنْ أَجْزَاءٍ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (البقرة: 163).
وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَحْدَانِيَّةَ الْعَدَدِ؛ لِأَنَّ الْجِسْمَ الْوَاحِدَ لَهُ أَجْزَاءٌ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا شَبِيهَ لَهُ فِي ذَاتِهِ، وَلَا مِثْلَ لَهُ فِي صِفَاتِهِ، وَلَا نَظِيرَ لَهُ فِي فِعْلِهِ. وَقَدْ قَالَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «وَاللهُ وَاحِدٌ لَا مِنْ طَرِيقِ الْعَدَدِ وَلَكِنْ مِنْ طَرِيقِ أَنَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ»، أَيْ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي الذَّاتِ وَلَا فِي الصِّفَاتِ وَلَا فِي الْأَفْعَالِ.
وَدَلِيلُ ذَلِكَ عَقْلًا أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلْكَوْنِ إِلَهَانِ، وَأَرَادَ أَحَدُهُمَا وُجُودَ شَيْءٍ وَأَرَادَ الآخَرُ عَدَمَهُ، لَزِمَ أَنْ يَجْتَمِعَ الضِّدَّانِ وَهُوَ مُحَالٌ؛ فَإِنْ نَفَذَتْ إِرَادَةُ أَحَدِهِمَا دُونَ الآخَرِ، كَانَ الْمُنْفَذُ إِلَهًا وَالآخَرُ عَاجِزًا، وَالْعَاجِزُ لَا يَكُونُ إِلَهًا، فَيَثْبُتُ أَنَّ اللهَ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ.
صِفَةُ الْقِدَمِ وَمَعْنَاهَا
اعْلَمْ أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدِيمٌ أَيْ أَزَلِيٌّ لَا بِدَايَةَ لِوُجُودِهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ﴾ (الحديد: 3)، أَيْ هُوَ الَّذِي لَا ابْتِدَاءَ لِوُجُودِهِ. وَقَدْ فَسَّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: «كَانَ اللهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ»، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ اللهَ هُوَ الْأَزَلِيُّ وَأَنَّ كُلَّ مَا سِوَاهُ حَادِثٌ مَخْلُوقٌ.
وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ: «أَعُوذُ بِاللهِ الْعَظِيمِ وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ»، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، فَإِذَا جَازَ إِطْلَاقُ «الْقَدِيمِ» عَلَى سُلْطَانِ اللهِ الَّذِي هُوَ صِفَتُهُ، جَازَ إِطْلَاقُهُ عَلَى ذَاتِهِ. وَقَدْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى جَوَازِ إِطْلَاقِ الْقَدِيمِ عَلَى اللهِ، وَقَالَ الإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ: «قَدِيمٌ بِلا ابْتِدَاءٍ».
وَلَيْسَ مَعْنَى قِدَمِهِ أَنَّهُ مَضَى عَلَيْهِ زَمَانٌ طَوِيلٌ، لِأَنَّ الزَّمَانَ مِنْ خَلْقِهِ، وَاللهُ تَعَالَى لَا يَجْرِي عَلَيْهِ زَمَانٌ. وَالدَّلِيلُ الْعَقْلِيُّ عَلَى قِدَمِهِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ قَدِيمًا لَكَانَ حَادِثًا، وَالْحَادِثُ مُحْتَاجٌ إِلَى مَنْ يُوجِدُهُ، وَالْمُحْتَاجُ لَا يَكُونُ إِلَهًا. وَمِنْ لَوَازِمِ قِدَمِهِ أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ الْعَرْشِ وَقَبْلَ السَّمَوَاتِ وَقَبْلَ الْأَمْكِنَةِ وَالْجِهَاتِ، بِلا مَكَانٍ وَلَا جِهَةٍ، وَلَمْ يَزَلْ كَمَا كَانَ، لِأَنَّ التَّغَيُّرَ عَلَيْهِ مُحَالٌ، وَالتَّغَيُّرُ أَقْوَى دَلَائِلِ الْحُدُوثِ.
صِفَةُ الْبَقَاءِ وَحَقِيقَتُهَا
يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يَلْحَقُهُ الْفَنَاءُ وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْعَدَمُ، لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ عَلَيْهِ الْفَنَاءُ لَكَانَ مَخْلُوقًا، وَلَمْ يَكُنْ أَزَلِيًّا. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ (الرحمن: 27)، أَيْ تَبْقَى ذَاتُ رَبِّكَ سُبْحَانَهُ.
وَبَقَاءُ اللهِ بَقَاءٌ ذَاتِيٌّ لَا بِإِبْقَاءِ غَيْرِهِ لَهُ، أَمَّا بَقَاءُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَلَيْسَ ذَاتِيًّا، بَلْ هُمَا بَاقِيَتَانِ بِإِبْقَاءِ اللهِ لَهُمَا وَبِمَشِيئَتِهِ، فَلَا شَرِيكَ لَهُ فِي صِفَةِ الْبَقَاءِ.
صِفَةُ الْقِيَامِ بِالنَّفْسِ وَمَعْنَاهَا
يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، مُسْتَغْنٍ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَا يَنْتَفِعُ بِطَاعَةِ الطَّائِعِينَ وَلَا يَتَضَرَّرُ بِمَعْصِيَةِ الْعُصَاةِ، بَلْ كُلُّ مَا سِوَاهُ فَقِيرٌ إِلَيْهِ في كل لَحْظَة وَطَرْفَة عَيْنٍ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران: 97)، وَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (فاطر: 15). فَالْغَنِيُّ هُوَ الَّذِي اسْتَغْنَى عَنْ خَلْقِهِ، وَالْحَمِيدُ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ.
صِفَةُ الْقُدْرَةِ وَتَنْزِيهُهَا عَنِ النُّقْصَانِ
يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة: 20). فَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا لَكَانَ عَاجِزًا، وَالْعَجْزُ نَقْصٌ، وَالنَّقْصُ عَلَى اللهِ مُسْتَحِيلٌ.
وَيُعْلَمُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يُسَمَّى «قُوَّةً» لِأَنَّ الْقُوَّةَ صِفَةٌ، وَاللهُ لَيْسَ صِفَةً بَلْ ذَاتٌ، وَإِنَّمَا يُقَالُ فِي وَصْفِهِ: «قَوِيٌّ» أَيْ تَامُّ الْقُدْرَةِ، لَا أَنَّهُ قَوِيُّ الْجَسَدِ؛ لِأَنَّ اللهَ لَيْسَ جِسْمًا.
صِفَةُ الإِرَادَةِ
الإِرَادَةُ بِمَعْنَى الْمَشِيئَةِ صِفَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى، يُخَصِّصُ بِهَا الْمُمْكِنَ الْعَقْلِيَّ بِالْوُجُودِ بَدَلَ الْعَدَمِ، وَيُخَصِّصُهُ بِصِفَةٍ دُونَ صِفَةٍ. وَإِرَادَةُ اللهِ شَامِلَةٌ لِأَعْمَالِ الْعِبَادِ خَيْرِهَا وَشَرِّهَا، فَكُلُّ مَا وَقَعَ فِي الْوُجُودِ فَبِمَشِيئَتِهِ وَتَخْصِيصِهِ.
وَلَا يُقَاسُ الْخَالِقُ عَلَى الْمَخْلُوقِ؛ فَفِعْلُ الْعَبْدِ لِلشَّرِّ قَبِيحٌ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، أَمَّا خَلْقُ اللهِ لِلشَّرِّ فَلَيْسَ قَبِيحًا فِي حَقِّهِ، وَكَذَلِكَ إِرَادَتُهُ لِوُجُودِ مَا يَكُونُ قَبِيحًا فِي فِعْلِ الْعِبَادِ لَيْسَتْ قَبِيحَةً فِي حَقِّهِ، إِنَّمَا الْقَبِيحُ هُوَ فِعْلُ الْعَبْدِ وَإِرَادَتُهُ. وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الْآمِرُ النَّاهِي الَّذِي لَا آمِرَ لَهُ وَلَا نَاهِيَ، وَهُوَ مَالِكُ كُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةً، يَتَصَرَّفُ فِيمَا يَمْلِكُ كَيْفَ يَشَاءُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (الأنبياء: 23).
كَلِمَةُ الإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي رَدِّ الْقَدَرِيَّةِ
وَمِنْ قَوَاعِدِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي إِثْبَاتِ الْمَشِيئَةِ وَالعِلْمِ وَالْقَدَرِ مَا قَرَّرَهُ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللهُ، إِذْ قَالَ: الْكَلَامُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَدَرِيَّةِ فِي حَرْفَيْنِ… وَخُلَاصَتُهُ أَنَّهُمْ إِنْ نَفَوْا عِلْمَ اللهِ سَبْقًا كَفَرُوا لِتَجْهِيلِهِمْ رَبَّهُمْ، وَإِنْ أَثْبَتُوا عِلْمَهُ سُئِلُوا: هَلْ شَاءَ خِلَافَ مَا عَلِمَ؟ فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ كَفَرُوا، وَإِنْ قَالُوا: لَا رَجَعُوا إِلَى قَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ، فَثَبَتَ أَنَّ مَا شَاءَ اللهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ.
صِفَةُ الْعِلْمِ وَكَمَالُهَا
يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى عَالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ بِعِلْمِهِ الأَزَلِيِّ، فَهُوَ عَالِمٌ بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ، وَعَالِمٌ بِكُلِّ مَا يُحْدِثُهُ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ، وَلَا يَقْبَلُ عِلْمُهُ زِيَادَةً وَلَا نُقْصَانًا، لِأَنَّ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ مِنْ سِمَاتِ الْحَدَثِ وَالِاحْتِيَاجِ، وَاللهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (الطلاق: 12).
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ (محمد: 31)، فَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ اللهَ يَحْصُلُ لَهُ عِلْمٌ جَدِيدٌ، بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُظْهِرُ لِلْخَلْقِ مَنْ هُوَ الصَّادِقُ فِي جِهَادِهِ وَصَبْرِهِ، فَيَتَبَيَّنُ ذَلِكَ لِلنَّاسِ ظُهُورًا وَعِيَانًا، أَمَّا اللهُ فَعِلْمُهُ سَابِقٌ أَزَلِيٌّ لَا يَتَجَدَّدُ.
صِفَتَا السَّمْعِ وَالْبَصَرِ
يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى سَمِيعٌ يَسْمَعُ كُلَّ الْمَسْمُوعَاتِ بِسَمْعٍ أَزَلِيٍّ، وَيَسْمَعُ كَلَامَهُ الأَزَلِيَّ وَكَلَامَ الْمَخْلُوقَاتِ وَأَصْوَاتَهُمْ، مِنْ غَيْرِ أُذُنٍ وَلَا آلَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ جِسْمًا. وَيَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّهُ بَصِيرٌ يَرَى كُلَّ الْمَرْئِيَّاتِ بِبَصَرٍ أَزَلِيٍّ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى حَدَقَةٍ أَوْ شُعَاعِ ضَوْءٍ.
وَقَدْ جَمَعَ اللهُ بَيْنَ التَّنْزِيهِ وَالإِثْبَاتِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى: 11)، فَصَدْرُ الْآيَةِ تَنْزِيهٌ وَنَفْيٌ لِلتَّشْبِيهِ، وَعَجُزُهَا إِثْبَاتٌ لِلصِّفَاتِ الَّتِي تَلِيقُ بِجَلَالِهِ. وَالدَّلِيلُ الْعَقْلِيُّ عَلَى السَّمْعِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ سَمِيعًا لَكَانَ أَصَمَّ، وَالصَّمَمُ نَقْصٌ، وَالنَّقْصُ عَلَى اللهِ مُحَالٌ. وَالدَّلِيلُ عَلَى الْبَصَرِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ بَصِيرًا لَكَانَ أَعْمَى، وَالْعَمَى نَقْصٌ، وَالنَّقْصُ عَلَيْهِ مُسْتَحِيلٌ.
صِفَةُ الْحَيَاةِ وَمَا يَلْزَمُهَا
يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى حَيٌّ بِحَيَاةٍ لَا تُشْبِهُ حَيَاتَنَا، فَلَيْسَتْ حَيَاتُهُ بِرُوحٍ وَجَسَدٍ، بَلْ هِيَ صِفَةُ كَمَالٍ تَلِيقُ بِهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (البقرة: 255)، وَقَالَ: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ (الفرقان: 58).
وَمِنْ لَوَازِمِ هَذِهِ الصِّفَةِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ حَيًّا لَمَا وُجِدَ شَيْءٌ فِي هَذَا الْعَالَمِ، لِأَنَّ مَنْ لَا حَيَاةَ لَهُ لَا يَتَّصِفُ بِالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالإِرَادَةِ، وَمَنْ لَا يَتَّصِفُ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ لَا يَكُونُ خَالِقًا.
صِفَةُ الْكَلَامِ وَأَنَّهَا لَا تُشْبِهُ كَلَامَ الْمَخْلُوقِ
يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى مُتَكَلِّمٌ، وَكَلَامُهُ صِفَةٌ أَزَلِيَّةٌ لَا تُشْبِهُ كَلَامَنَا، فَهُوَ لَيْسَ حَرْفًا وَلَا صَوْتًا وَلَا لُغَةً، وَلَا يَطْرَأُ عَلَيْهِ سُكُوتٌ وَلَا تَقَطُّعٌ، وَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِلا لِسَانٍ وَلَا شَفَتَيْنِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ جِسْمًا. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (النساء: 164). فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا لَكَانَ أَبْكَمَ، وَالْبَكَمُ نَقْصٌ، وَاللهُ مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقْصِ.
وَلَا يُسَمَّى «نَاطِقًا» لِأَنَّ النُّطْقَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْحَرْفِ وَالصَّوْتِ، بَلْ يُسَمَّى مُتَكَلِّمًا كَمَا وَرَدَ فِي الشَّرْعِ.
وَمِنْ أَدِلَّةِ كَلَامِهِ أَيْضًا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَقَدْ قَرَّرَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ أَنَّ الْحُرُوفَ مَخْلُوقَةٌ وَأَنَّ كَلَامَ اللهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَأَنَّ الْآلَاتِ هِيَ مَخَارِجُ الْحُرُوفِ، وَاللهُ يَتَكَلَّمُ بِلا آلَةٍ وَلَا حُرُوفٍ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يس: 82)، فَمَعْنَاهُ أَنَّ اللهَ يُوجِدُ الْأَشْيَاءَ بِسُرْعَةٍ مِنْ غَيْرِ تَعَبٍ وَلَا مُمَانَعَةٍ، وَلَا يُرَادُ بِهِ أَنَّهُ يَنْطِقُ بِلَفْظِ «كُنْ» كَنُطْقِنَا.
الْقُرْآنُ كَلَامُ اللهِ بِمَعْنَى اللَّفْظِ الْمُنَزَّلِ
يُطْلَقُ عَلَى اللَّفْظِ الْمُنَزَّلِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ أَنَّهُ «كَلَامُ اللهِ»، لِأَنَّهُ دَالٌّ عَلَى كَلَامِهِ الأَزَلِيِّ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ تَأْلِيفِ مَلَكٍ وَلَا تَصْنِيفِ بَشَرٍ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللهِ﴾ (التوبة: 6)، فَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا أَنْ يَسْمَعَ اللَّفْظَ الْمُنَزَّلَ وَيَتَدَبَّرَهُ.
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ اللهَ نَطَقَ بِالْحَرْفِ وَالصَّوْتِ؛ بَلْ أَجْرَى اللهُ الْقَلَمَ بِقُدْرَتِهِ مِنْ غَيْرِ إِمْسَاكٍ، فَكَتَبَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ الْقُرْآنَ وَغَيْرَهُ مِنَ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ، ثُمَّ أَمَرَ جِبْرِيلَ أَنْ يَنْزِلَ بِهَا عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بَعْدَ أَنْ خَلَقَهُمْ.
دَلِيلُ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ كَلَامَ اللهِ لَيْسَ صَوْتًا وَلَا حُرُوفًا مُتَعَاقِبَةً
اسْتَدَلَّ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ كَلَامَ اللهِ الَّذِي هُوَ صِفَتُهُ لَيْسَ صَوْتًا وَلَا حُرُوفًا مُتَعَاقِبَةً بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ (الأنعام: 62)، وَبِحَدِيثِ أَنَّ اللهَ يُكَلِّمُ كُلَّ إِنْسَانٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَلَوْ كَانَ كَلَامُهُ بِالْحَرْفِ وَالصَّوْتِ لَاسْتَغْرَقَ حِسَابُ الْخَلْقِ زَمَنًا طَوِيلًا جِدًّا؛ لِكَثْرَةِ الْخَلْقِ وَتَعَدُّدِ الْأَسْئِلَةِ وَتَفَاصِيلِ الْحِسَابِ، وَلَكَانَ ذَلِكَ مُنَاقِضًا لِكَوْنِهِ تَعَالَى «أَسْرَعَ الْحَاسِبِينَ».
الرَّدُّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ فِي صِفَةِ الْكَلَامِ
ذَهَبَ الْمُعْتَزِلَةُ إِلَى نَفْيِ كَلَامِ اللهِ عَنْهُ، فَجَعَلُوهُ أَبْكَمَ، وَقَالُوا: إِنَّ اللهَ مُتَكَلِّمٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ خَالِقُ الْكَلَامِ فِي غَيْرِهِ، وَحَمَلُوا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ عَلَى الْمَجَازِ، فَزَعَمُوا أَنَّهُ خَلَقَ الْكَلَامَ فِي الشَّجَرَةِ. وَهَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ اللهَ أَكَّدَ الْفِعْلَ بِالْمَصْدَرِ «تَكْلِيمًا»، وَفِي ذَلِكَ نَفْيٌ لِلْمَجَازِ، لِأَنَّ التَّأْكِيدَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى حَقِيقِيٌّ. وَقَدْ نَقَلَ أَبُو حَيَّانَ الأَنْدَلُسِيُّ فِي «الْبَحْرِ الْمُحِيطِ» أَنَّ الْآيَةَ إِخْبَارٌ بِأَنَّ اللهَ شَرَّفَ مُوسَى بِكَلَامِهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ لَا عَلَى الْمَجَازِ. فَيَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ سَمِعَ كَلَامَ اللهِ الأَزَلِيَّ الَّذِي لَيْسَ حَرْفًا وَلَا صَوْتًا، وَأَنَّ الْعَقْلَ لَا يُحِيلُ سَمَاعَ مَا لَا حَرْفَ لَهُ وَلَا صَوْتَ، وَإِنْ كُنَّا لَا نَسْتَطِيعُ تَصَوُّرَ كَيْفِيَّتِهِ.
مَنْ هُمُ الْمُعْتَزِلَةُ وَمَا خَطَرُ مَذْهَبِهِمْ؟
الْمُعْتَزِلَةُ فِرَقٌ مُتَعَدِّدَةٌ يَدَّعُونَ أَنَّ الشَّرَّ يَقَعُ بِغَيْرِ مَشِيئَةِ اللهِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ الْعَبْدَ يَخْلُقُ أَفْعَالَهُ الِاخْتِيَارِيَّةَ بِقُدْرَةٍ أَعْطَاهُ اللهُ إِيَّاهَا، وَيُنْكِرُونَ الصِّفَاتِ الْوَاجِبَةَ لِلَّهِ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْحَيَاةِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْكَلَامِ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: «صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي لَيْسَ لَهُمَا نَصِيبٌ فِي الإِسْلَامِ: الْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ»، وَالْقَدَرِيَّةُ هُمُ الْمُعْتَزِلَةُ. وَأَمَّا الْمُرْجِئَةُ فَيَقُولُونَ: لَا يَضُرُّ مَعَ الإِيمَانِ ذَنْبٌ، وَهَذَا ضَلَالٌ؛ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ يَتَضَرَّرُ بِمَعَاصِيهِ، وَيَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ سُوءَ الْخَاتِمَةِ إِنْ تَمَادَى فِي الْغَفْلَةِ.
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الْقَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الأُمَّةِ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَشَبَّهَهُمْ بِالْمَجُوسِ لِأَنَّهُمْ بِقَوْلِهِمْ: إِنَّ الْعَبْدَ يَخْلُقُ أَفْعَالَهُ، كَأَنَّهُمْ يُثْبِتُونَ خَالِقَيْنِ، كَمَا أَثْبَتَ الْمَجُوسُ خَالِقًا لِلْخَيْرِ وَخَالِقًا لِلشَّرِّ.
صِفَةُ مُخَالَفَةِ اللهِ لِلْحَوَادِثِ وَتَنْزِيهُهُ عَنِ التَّشْبِيهِ
مَعْنَى مُخَالَفَةِ اللهِ لِلْحَوَادِثِ أَنَّهُ لَا يُشْبِهُ الْمَخْلُوقَاتِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ؛ فَلَا يُشْبِهُ ذَوِي الأَرْوَاحِ مِنْ إِنْسٍ وَجِنٍّ وَمَلَائِكَةٍ، وَلَا يُشْبِهُ الْجَمَادَاتِ مِنْ أَجْرَامٍ عُلْوِيَّةٍ وَسُفْلِيَّةٍ، لِأَنَّهُ لَوْ شَابَهَ شَيْئًا مِنْ خَلْقِهِ لَجَازَ عَلَيْهِ مَا يَجُوزُ عَلَى الْخَلْقِ مِنَ التَّغَيُّرِ وَالتَّطَوُّرِ وَالْفَنَاءِ، وَهَذَا مُحَالٌ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى: 11)، وَهَذِهِ جُمْلَةٌ عَظِيمَةٌ فِي بَابِ التَّنْزِيهِ، نَفَى اللهُ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ مُشَابَهَةَ كُلِّ شَيْءٍ، وَذَكَرَ لَفْظَ «شَيْءٍ» فِي سِيَاقِ النَّفْيِ لِيَدُلَّ عَلَى الشُّمُولِ وَالْعُمُومِ، فَلَا يَتَصَوَّرُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى مِثْلٌ وَلَا نِدٌّ وَلَا شَبِيهٌ. وَالدَّلِيلُ الْعَقْلِيُّ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ جَازَ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ لَاحْتَاجَ إِلَى مَنْ يُغَيِّرُهُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَالْمُحْتَاجُ لَا يَكُونُ إِلَهًا، فَثَبَتَ تَنَزُّهُهُ عَنِ الْحُدُوثِ وَالِاحْتِيَاجِ.
خَاتِمَةٌ
وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ صِفَاتَ اللهِ تَعَالَى هِيَ صِفَاتُ كَمَالٍ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ، لَا يَجُوزُ عَلَيْهَا حُدُوثٌ وَلَا فَنَاءٌ، وَأَنَّ الْعَبْدَ مَطَالَبٌ أَنْ يُثْبِتَ لِلَّهِ مَا أَثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ وَمَا أَثْبَتَهُ لَهُ رَسُولُهُ ﷺ، وَأَنْ يُنَزِّهَهُ عَنْ كُلِّ مَا لَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، وَأَنْ يَحْذَرَ مِنْ مَذَاهِبِ التَّشْبِيهِ وَالتَّعْطِيلِ وَالزَّيْغِ فِي الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ. فَمَنْ عَرَفَ رَبَّهُ عَلَى وَجْهِ الْحَقِّ، ازْدَادَ خُشُوعًا وَإِخْلَاصًا وَيَقِينًا، وَسَلَكَ طَرِيقَ الْهُدَى فِي الْعَقِيدَةِ وَالْعِبَادَةِ وَالْأَخْلَاقِ، وَكَانَ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ دِينِهِ.