مُقَدِّمَةٌ
إِنَّ الإِيمَانَ بِالْقِيَامَةِ مِنْ أَعْظَمِ مَعَالِمِ الإِسْلَامِ، وَمِنْ أَجَلِّ مَا يَغْرِسُ فِي النَّفْسِ الْخَوْفَ مِنَ اللهِ وَالرَّجَاءَ فِي رَحْمَتِهِ، وَيُحْرِكُ الْقَلْبَ إِلَى الطَّاعَةِ وَيَصْرِفُهُ عَنِ الْمَعْصِيَةِ. فَالْقِيَامَةُ لَيْسَتْ خَبَرًا يُتَلَقَّى لِلْمَعْرِفَةِ فَقَطْ، بَلْ هِيَ حَقِيقَةٌ كُبْرَى تُحَدِّدُ مَصِيرَ الإِنْسَانِ، وَتَفْصِلُ بَيْنَ مَرَاحِلِ الْوُجُودِ: مِنْ حَيَاةِ الدُّنْيَا، إِلَى مَوْتٍ وَبَرْزَخٍ، ثُمَّ بَعْثٍ وَحَشْرٍ، ثُمَّ حِسَابٍ وَجَزَاءٍ. وَفِي هَذَا الْمَقَالِ نُبَيِّنُ مَعْنَى الْقِيَامَةِ، وَمِقْدَارَهَا، وَأَحْوَالَ النَّاسِ فِيهَا، وَمَتَى تَقُومُ، وَمَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ أَهْوَالٍ عِظَامٍ تَهُزُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَالْقُلُوبَ، وَنَذْكُرُ مَا يَكُونُ مِنْ شَهَادَةِ الْجَوَارِحِ وَالأَرْضِ عَلَى أَصْحَابِ الذُّنُوبِ.
أَوَّلًا: تَعْرِيفُ الْقِيَامَةِ وَحُدُودُهَا الزَّمَنِيَّةُ وَالْغَايَةُ مِنْهَا
الْقِيَامَةُ هِيَ قِيَامُ الْمَوْتَى لِلْحِسَابِ، وَتَبْدَأُ مِنْ لَحْظَةِ خُرُوجِ النَّاسِ مِنْ قُبُورِهِمْ بَعْدَ إِعَادَةِ الْأَرْوَاحِ إِلَى الأَجْسَادِ، وَتَسْتَمِرُّ حَتَّى يَسْتَقِرَّ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ فِي النَّارِ. فَهِيَ لَيْسَتْ مَوْقِفًا وَاحِدًا فَقَطْ، بَلْ هِيَ مَجْمُوعُ مَرَاحِلَ وَمَشَاهِدَ تُفْضِي فِي نِهَايَتِهَا إِلَى التَّمْيِيزِ الْحَقِّ بَيْنَ مَنْ أَطَاعَ وَمَنْ عَصَى، وَبَيْنَ مَنْ آمَنَ وَمَنْ كَفَرَ، وَفِيهَا يَظْهَرُ عَدْلُ اللهِ تَعَالَى وَحِكْمَتُهُ وَجَزَاؤُهُ.
ثَانِيًا: مِقْدَارُ زَمَانِ الْقِيَامَةِ وَحِكْمَةُ طُولِهَا
مِقْدَارُ الْقِيَامَةِ خَمْسُونَ أَلْفَ سَنَةٍ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. وَهَذَا الْمِقْدَارُ يَدُلُّ عَلَى عِظَمِ الْمَوْقِفِ وَشِدَّةِ الأَهْوَالِ؛ فَهُوَ يَوْمٌ يَجْتَمِعُ فِيهِ الْخَلْقُ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ، وَيُقْضَى فِيهِ بِالْحَقِّ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ.
وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ التَّقِيَّ لا يُحِسُّ بِطُولِ هَذَا الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَمْلَأُ قَلْبَهُ سُرُورًا وَطُمَأْنِينَةً، فَيَكُونُ ذَلِكَ الْيَوْمُ فِي حَقِّهِ كَتَدَلِّي الشَّمْسِ لِلْغُرُوبِ قَدْرَ سَاعَةٍ تَقْرِيبًا. وَفِي هَذَا تَسْلِيَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَتَثْبِيتٌ لَهُمْ، وَبَيَانٌ أَنَّ مَنْ ثَبَتَ عَلَى التَّقْوَى فَإِنَّ اللهَ يُلَطِّفُ بِهِ فِي أَشَدِّ الأَحْوَالِ وَأَعْظَمِ الأَهْوَالِ.
ثَالِثًا: وَقْتٌ مِنْ أَوْقَاتِ الْقِيَامَةِ لا يُسْأَلُ فِيهِ أَحَدٌ عَنْ ذَنْبِهِ
مِنْ مَشَاهِدِ الْقِيَامَةِ أَنَّ فِيهَا وَقْتًا لا يُسْأَلُ فِيهِ أَحَدٌ عَنْ ذَنْبِهِ، إِنَّمَا يَكُونُ النَّاسُ وُقُوفًا بِلا كَلَامٍ، وَيَعُمُّهُمُ الصَّمْتُ وَالذُّهُولُ حَتَّى يَأْذَنَ اللهُ تَعَالَى لَهُمْ. وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾. وَذُكِرَ أَنَّ هَذَا الْوَقْتَ قَدْرُ أَلْفِ سَنَةٍ. وَفِي هَذَا مَعْنًى عَظِيمٌ؛ وَهُوَ أَنَّ الرُّعْبَ وَالْهَيْبَةَ وَالْفَزَعَ يَبْلُغُ مِنَ النُّفُوسِ مَبْلَغًا يَسْتَغْرِقُهَا عَنْ الْكَلَامِ وَالْمُجَادَلَةِ وَالتَّعَلُّلِ، فَتَقِفُ مَخْلُوقَاتُ اللهِ صَامِتَةً ذَلِيلَةً تَنْتَظِرُ الْحُكْمَ وَالْفَصْلَ.
رَابِعًا: وَقْتُ وُقُوعِ الْقِيَامَةِ وَحَقِيقَةُ أَنَّهُ مِنْ عِلْمِ اللهِ وَحْدَهُ
إِنَّ وَجْبَةَ الْقِيَامَةِ، أَيْ: وَقْتَ وُقُوعِهَا عَلَى التَّحْدِيدِ، لا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ تَعَالَى. فَهُوَ سِرٌّ إِلَهِيٌّ لَمْ يُطْلِعِ اللهُ عَلَيْهِ مَلَكًا مُقَرَّبًا وَلَا نَبِيًّا مُرْسَلًا عَلَى وَجْهِ التَّعْيِينِ. وَفِي هَذَا حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ؛ لِأَنَّ إِخْفَاءَ زَمَنِهَا يَحْمِلُ الْعِبَادَ عَلَى الدَّوَامِ فِي الاسْتِعْدَادِ وَالْحَذَرِ، وَيَجْعَلُ الْمُؤْمِنَ مُرَاقِبًا لِنَفْسِهِ فِي كُلِّ حِينٍ.
خَامِسًا: النَّفْخَةُ الأُولَى وَمَوْتُ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ
تَقُومُ الْقِيَامَةُ عَلَى الْكُفَّارِ بَعْدَ أَنْ يَنْفُخَ الْمَلَكُ إِسْرَافِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْبُوقِ النَّفْخَةَ الأُولَى، فَيَمُوتُ النَّاسُ وَلا يَبْقَى بَشَرٌ وَلَا جِنٌّ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ إِلَّا وَقَدْ مَاتَ. وَيُذْكَرُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَمُوتُونَ قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ بِمِائَةِ عَامٍ، فَتَقُومُ السَّاعَةُ وَالْأَرْضُ قَدْ خَلَتْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَبَقِيَ أَهْلُ الْكُفْرِ وَالطُّغْيَانِ، فَتَكُونُ الْقِيَامَةُ عَذَابًا عَلَيْهِمْ وَهَوْلًا يُفْجِعُهُمْ.
ثُمَّ بَعْدَ مَوْتِ الْبَشَرِ وَالْجِنِّ يَمُوتُ الْمَلَائِكَةُ أَيْضًا، وَيُسْتَثْنَى مِنَ الْمَلَائِكَةِ خَزَنَةُ الْجَنَّةِ وَخَزَنَةُ جَهَنَّمَ وَحَمَلَةُ الْعَرْشِ، فَهَؤُلَاءِ لَا يَمُوتُونَ فِي تِلْكَ الْمَرْحَلَةِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمَذْكُورِ.
سَادِسًا: بَعْدَ أَرْبَعِينَ سَنَةً… النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ وَقِيَامُ الْأَمْوَاتِ
بَعْدَ أَرْبَعِينَ سَنَةً مِنَ النَّفْخَةِ الأُولَى، يَنْفُخُ إِسْرَافِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ النَّفْخَةَ الثَّانِيَةَ، فَيَقُومُ الأَمْوَاتُ مِنْ قُبُورِهِمْ لِلسُّؤَالِ وَالْحِسَابِ. وَتَكُونُ تِلْكَ اللَّحْظَةُ بِدَايَةَ الْمَسِيرِ إِلَى الْمَوْقِفِ الْعَظِيمِ، وَتَبْدَأُ مَرَاحِلُ الْقِيَامَةِ فِي أَشَدِّ صُوَرِهَا وَأَعْظَمِهَا.
سَابِعًا: زَلْزَلَةُ الأَرْضِ وَتَحَوُّلُ المَعَالِمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
مِنْ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَنَّ الأَرْضَ تُزَلْزَلُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَتَتَحَطَّمُ جِبَالُهَا وَأَشْجَارُهَا وَالأَبْنِيَةُ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا. فَالْجِبَالُ تَصِيرُ غُبَارًا نَاعِمًا، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ جَبَلِ أُحُدٍ؛ فَإِنَّهُ يُنْقَلُ إِلَى الْجَنَّةِ. وَالْمَسَاجِدُ كَذَلِكَ تُزَفُّ إِلَى الْجَنَّةِ، فَتَكُونُ فِي تِلْكَ الدَّارِ دَلِيلًا عَلَى شَرَفِهَا وَعِظَمِ قَدْرِهَا.
وَالسَّمَوَاتُ تَتَشَقَّقُ، ثُمَّ تُوضَعُ فِي الْجَنَّةِ، وَالْبِحَارُ تَشْتَعِلُ نَارًا. فَيَتَبَدَّلُ نِظَامُ الْكَوْنِ، وَتَنْقَلِبُ الْمَوَازِينُ، وَيَتَبَيَّنُ لِلنَّاسِ أَنَّ اللهَ هُوَ الْمَالِكُ الْمُتَصَرِّفُ الَّذِي إِذَا أَرَادَ شَيْئًا يَكُون.
ثَامِنًا: خَتْمُ الأَفْوَاهِ وَشَهَادَةُ الْجَوَارِحِ وَالْجُلُودِ عَلَى الْكَافِرِينَ
مِنْ أَحْوَالِ الْكُفَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّ اللهَ يَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ، أَيْ: يَمْنَعُ أَفْوَاهَهُمْ مِنَ الْكَلَامِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ إِذَا سُئِلُوا عَنْ كُفْرِهِمْ وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ، أَنْكَرُوا وَجَادَلُوا وَتَعَلَّلُوا، فَيَكُونُ الْحُكْمُ الإِلَهِيُّ أَنَّ الْجَوَارِحَ نَفْسَهَا تَنْطِقُ وَتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِمَا عَمِلُوا.
وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾. فَتَكُونُ الْجُلُودُ وَالأَيْدِي وَالأَرْجُلُ وَسَائِرُ الْجَوَارِحِ شُهُودًا عَلَى صَاحِبِهَا، لا تَكْذِبُ وَلا تُجَامِلُ، وَلا تَخَافُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهَا تَنْطِقُ بِإِذْنِ اللهِ وَبِقُدْرَتِهِ، وَتُؤَدِّي شَهَادَةَ الْحَقِّ عَلَيْهِ.
تَاسِعًا: شَهَادَةُ الأَرْضِ عَلَى الْعَبْدِ بِمَا فَعَلَ عَلَيْهَا مِنْ مَعَاصٍ
وَمِنْ عَدْلِ اللهِ تَعَالَى وَمِنْ تَمَامِ الْحُجَّةِ عَلَى الْعَبْدِ أَنَّ الأَرْضَ الَّتِي فَعَلَ عَلَيْهَا الإِنْسَانُ مَعْصِيَةً فِي الدُّنْيَا يُعِيدُهَا اللهُ فَتَشْهَدُ عَلَيْهِ، وَتَقُولُ: فُلَانٌ فَعَلَ عَلَيَّ كَذَا وَكَذَا فِي وَقْتِ كَذَا وَكَذَا. فَيَتَبَيَّنُ لِلْعَبْدِ أَنَّ شَيْئًا مِمَّا عَمِلَ لَمْ يَضِعْ، وَأَنَّ كُلَّ خُطْوَةٍ وَكُلَّ لَفْتَةٍ وَكُلَّ مَوْضِعٍ شَهِدَ مَعْصِيَتَهُ سَيَنْطِقُ وَيُفْصِحُ، وَأَنَّ مَا ظَنَّهُ سِرًّا سَيَصِيرُ عَلَانِيَةً فِي مَحْضَرِ الْخَلَائِقِ. وَفِي هَذَا أَبْلَغُ زَاجِرٍ عَنِ الذُّنُوبِ، وَأَعْظَمُ حَاثٍّ عَلَى التَّوْبَةِ وَالاسْتِغْفَارِ وَمُرَاقَبَةِ اللهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ.
خَاتِمَةٌ
إِنَّ الْقِيَامَةَ يَوْمٌ عَظِيمٌ، وَحَقِيقَةٌ قَاطِعَةٌ لا مَفَرَّ مِنْهَا، فِيهَا يَقُومُ الْمَوْتَى لِلْحِسَابِ، وَتَمْتَدُّ أَهْوَالُهَا خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَيَكُونُ فِيهَا وَقْتٌ يَقِفُ فِيهِ النَّاسُ صَامِتِينَ لا يُسْأَلُونَ عَنْ ذَنْبٍ حَتَّى يَأْذَنَ اللهُ، وَفِيهَا تَقَعُ النَّفْخَةُ الأُولَى فَيَمُوتُ مَنْ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ، ثُمَّ بَعْدَ أَرْبَعِينَ سَنَةً تَكُونُ النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ فَيَقُومُ الْأَمْوَاتُ لِلْحِسَابِ. وَتَتَغَيَّرُ مَعَالِمُ الْكَوْنِ؛ فَتَدُكُّ الأَرْضُ وَتَتَحَطَّمُ الْجِبَالُ وَتَتَشَقَّقُ السَّمَوَاتُ وَتَشْتَعِلُ الْبِحَارُ، وَيُخْتَمُ عَلَى أَفْوَاهِ الْكَافِرِينَ فَتَنْطِقُ جُلُودُهُمْ وَجَوَارِحُهُمْ وَتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ الأَرْضُ الَّتِي عُصِيَ اللهُ عَلَيْهَا. فَطُوبَى لِمَنْ اسْتَعَدَّ لِهَذَا الْيَوْمِ بِتَقْوَى اللهِ وَصِدْقِ التَّوْبَةِ وَصَالِحِ الْعَمَلِ، وَوَيْلٌ لِمَنْ لَقِيَ رَبَّهُ وَقَدْ أَحَاطَتْ بِهِ شَهَادَاتُ الْجَوَارِحِ وَالأَرْضِ وَكُتُبُ الأَعْمَالِ.