مُقَدِّمَةٌ
إِنَّ الإِيمَانَ بِالْمَلَائِكَةِ رُكْنٌ عَظِيمٌ مِنْ أَرْكَانِ الإِيمَانِ، وَبِهِ يَكْمُلُ تَصْدِيقُ العَبْدِ بِمَا أَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى بِهِ فِي كِتَابِهِ، وَمَا بَلَّغَهُ رَسُولُهُ ﷺ مِنْ أُمُورِ الغَيْبِ. وَالمَلَائِكَةُ جُنُودُ الرَّحْمَٰنِ، وَخَلْقٌ مَكْرَمُونَ، لَهُمْ وَظَائِفُ عِظَامٌ فِي تَدْبِيرِ أَمْرِ العَالَمِ بِإِذْنِ اللهِ، وَفِي حِفْظِ العِبَادِ، وَكِتَابَةِ الأَعْمَالِ، وَتَنْفِيذِ أَمْرِ اللهِ تَعَالَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ. وَمِنْ ثَمَّ كَانَ لَازِمًا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَعْرِفَ مَعْنَى الإِيمَانِ بِهِمْ، وَصِفَاتِهِمْ، وَبَعْضَ خُصُوصِيَّاتِهِمُ الَّتِي وَرَدَتْ فِي النُّصُوصِ.
أَوَّلًا: مَعْنَى الإِيمَانِ بِالمَلَائِكَةِ وَوُجُوبُهُ
يَجِبُ الإِيمَانُ بِالمَلَائِكَةِ؛ أَيْ الإِيمَانُ بِوُجُودِهِمْ حَقًّا، وَأَنَّهُمْ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ تَعَالَى، أَوْجَدَهُمْ لِحِكْمَةٍ، وَجَعَلَهُمْ عِبَادًا مُكْرَمِينَ، لَا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ، وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ. وَالإِيمَانُ بِهِمْ يَشْمَلُ تَصْدِيقَ مَا ثَبَتَ مِنْ صِفَاتِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ وَمَهَامِّهِمْ، مِمَّا جَاءَ فِي القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَالإِقْرَارَ بِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِثْلَ الإِنْسِ وَلَا الجِنِّ، بَلْ هُمْ خَلْقٌ مُخْتَصٌّ بِخَصَائِصَ وَسِمَاتٍ تَلِيقُ بِهِمْ.
ثَانِيًا: خِلْقَةُ المَلَائِكَةِ وَحَقِيقَتُهُمْ
المَلَائِكَةُ أَجْسَامٌ لَطِيفَةٌ، لَا تُجَسُّ بِالأَيْدِي، وَقَدْ خَلَقَهُمُ اللهُ تَعَالَى مِنْ نُورٍ. وَلَهُمْ أَرْوَاحٌ وَعُقُولٌ وَإِرَادَةٌ، فَهُمْ يَعْقِلُونَ وَيَفْهَمُونَ وَيُدْرِكُونَ، وَيُؤَدُّونَ مَا كُلِّفُوا بِهِ عَلَى وَجْهِ الطَّاعَةِ التَّامَّةِ. وَهُمْ لَيْسُوا ذُكُورًا وَلَا إِنَاثًا؛ فَلَا يَتَّصِفُونَ بِصِفَاتِ البَشَرِ فِي النَّوْعِ وَالتَّنَاسُلِ، وَإِنَّمَا هُمْ خَلْقٌ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ.
ثَالِثًا: طَبِيعَةُ حَيَاتِهِمْ وَتَنَزُّهُهُمْ عَنْ خَصَائِصِ البَشَرِ
المَلَائِكَةُ لَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ، وَلَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، وَلَا يَنَامُونَ وَلَا يَتْعَبُونَ مِنْ طَاعَةِ اللهِ، وَلَا يَتَنَاكَحُونَ وَلَا يَتَوَالَدُونَ. وَهُمْ عِبَادُ اللهِ الطَّائِعُونَ، مُسْلِمُونَ مُكَلَّفُونَ بِالإِيمَانِ، يَقُومُونَ بِالعِبَادَةِ عَلَى الدَّوَامِ، لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ، وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ، وَيُصَلُّونَ الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ، وَيَذْكُرُونَ اللهَ كَثِيرًا، فَحَيَاتُهُمْ كُلُّهَا طَاعَةٌ وَعُبُودِيَّةٌ وَتَعْظِيمٌ لِلرَّبِّ سُبْحَانَهُ.
رَابِعًا: قُدْرَتُهُمْ عَلَى التَّشَكُّلِ وَحُدُودُ ذَلِكَ
أَعْطَاهُمُ اللهُ تَعَالَى القُدْرَةَ عَلَى التَّشَكُّلِ بِصُوَرِ الرِّجَالِ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ غَيْرِ آلَةِ الذُّكُورَةِ، فَقَدْ يَظْهَرُونَ فِي صُورٍ بَشَرِيَّةٍ جَمِيلَةٍ، وَيَتَكَلَّمُونَ، وَيُخَاطِبُونَ، وَيُؤَدُّونَ مَا أُمِرُوا بِهِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ. وَلَكِنَّهُمْ لَا يَتَشَكَّلُونَ بِأَشْكَالِ الإِنَاثِ، وَلَا يَتَشَكَّلُونَ بِالأَشْكَالِ القَبِيحَةِ كَالقِرَدَةِ وَالكِلَابِ وَالخَنَازِيرِ وَالحَيَّاتِ وَالعَقَارِبِ وَالفِئْرَانِ؛ لِأَنَّ مَقَامَهُمْ مَقَامُ طُهْرٍ وَكَرَامَةٍ وَجَمَالٍ، وَهَذَا مِمَّا يَلِيقُ بِمَنْ جَعَلَهُمُ اللهُ خَدَمًا لِوَحْيِهِ وَأَمْرِهِ وَمَلَكُوتِهِ.
خَامِسًا: أَفْضَلُ المَلَائِكَةِ وَخَوَاصُّهُمْ وَرُؤُوسُهُمْ
وَمِنَ المَلَائِكَةِ خَوَاصُّ هُمْ أَفْضَلُهُمْ وَأَشْرَفُهُمْ، وَهُمْ: جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَإِسْرَافِيلُ وَعَزْرَائِيلُ، وَرِضْوَانُ خَازِنُ الجَنَّةِ، وَمَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ، وَحَمَلَةُ العَرْشِ. وَأَفْضَلُ هَؤُلَاءِ الخَوَاصِّ وَرَئِيسُهُمْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ أَشْرَفُ المَلَائِكَةِ وَأَعْلَاهُمْ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ تَعَالَى.
سَادِسًا: الأَجْنِحَةُ وَتَفَاضُلُ المَلَائِكَةِ فِي الخِلْقَةِ
وَكُلُّ مَلَكٍ لَهُ جَنَاحَانِ، أَوْ أَرْبَعَةٌ، أَوْ سِتَّةٌ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ العَدَدِ؛ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾. وَسَيِّدُنَا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ، وَقَدْ رَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَكَّةَ فِي مَكَانٍ يُقَالُ لَهُ أَجْيَاد، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: اطْلُبْ مِنْ رَبِّكَ أَنْ تَرَانِي عَلَى صُورَتِي الأَصْلِيَّةِ، فَطَلَبَ الرَّسُولُ ﷺ ذَلِكَ، فَظَهَرَ لَهُ جِبْرِيلُ مِنَ المَشْرِقِ فَسَدَّ مَا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ، فَصَعِقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ؛ أَيْ غُشِيَ عَلَيْهِ مِنْ هَيْبَةِ المَنْظَرِ وَعِظَمِ الخِلْقَةِ. ثُمَّ إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَحَوَّلَ إِلَى الصُّورَةِ البَشَرِيَّةِ، فَضَمَّهُ إِلَيْهِ تَطْمِينًا وَتَسْكِينًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَا جِبْرِيلُ، مَا ظَنَنْتُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى خَلَقَ أَحَدًا عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ». فَقَالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «إِنَّ اللهَ خَلَقَنِي عَلَى سِتِّمِائَةِ جَنَاحٍ، وَمَا نَشَرْتُ مِنْهَا إِلَّا جَنَاحَيْنِ، وَإِنَّ اللهَ خَلَقَ إِسْرَافِيلَ عَلَى سِتِّمِائَةِ جَنَاحٍ، الجَنَاحُ الوَاحِدُ مِنْهَا مِثْلُ كُلِّ أَجْنِحَتِي».
وَيُوجَدُ مِنَ المَلَائِكَةِ مَنْ هُوَ أَعْظَمُ خِلْقَةً مِنْ جِبْرِيلَ، كَحَمَلَةِ العَرْشِ، وَقَدْ أَخْبَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَعْضِهِمْ فَقَالَ: «أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللهِ مِنْ حَمَلَةِ العَرْشِ، إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ»؛ فَهَذَا يُبَيِّنُ ضَخَامَةَ خِلْقَتِهِ وَعِظَمَ شَأْنِهِ، حَتَّى إِنَّ كَتِفَهُ عِنْدَ العَرْشِ وَرِجْلَهُ فِي الأَرْضِ السَّابِعَةِ.
سَابِعًا: الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ المَلَائِكَةَ لَا يَتَشَكَّلُونَ بِأَشْكَالِ النِّسَاءِ
مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ أَنَّ المَلَائِكَةَ لَا يَتَشَكَّلُونَ بِأَشْكَالِ النِّسَاءِ، وَقَدْ دَلَّ القُرْآنُ عَلَى إِبْطَالِ مَقَالَةِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ المَلَائِكَةَ إِنَاثٌ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ المَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى﴾، فَذَمَّهُمْ عَلَى هَذَا البُهْتَانِ وَنَسَبَتِهِمُ الكَذِبَ إِلَى عَالَمِ الغَيْبِ بِغَيْرِ عِلْمٍ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلُوا المَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَٰنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾؛ أَيْ: كَيْفَ يَحْكُمُونَ عَلَى المَلَائِكَةِ بِهَذَا الحُكْمِ وَهُمْ لَمْ يَشْهَدُوا خَلْقَهُمْ؟! وَفِي هَذَا تَقْرِيرٌ قَاطِعٌ لِأَنَّ مَا زَعَمُوهُ بَاطِلٌ، وَأَنَّ المَلَائِكَةَ لَيْسُوا إِنَاثًا، وَلَا يَتَصَوَّرُ فِيهِمْ مَا يَتَصَوَّرُ فِي البَشَرِ مِنْ ذُكُورَةٍ وَأُنُوثَةٍ.
ثَامِنًا: تَشَكُّلُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَتَصْحِيحُ فَهْمِ العِبَارَاتِ
وَمِنَ الثَّابِتِ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَحْيَانِ عَلَى هَيْئَةِ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَكَانَ مِمَّنْ يَتَشَكَّلُ بِصُورَتِهِ الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ دِحْيَةُ الكَلْبِيُّ. وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ تَشَكُّلَهُ يَكُونُ فِي صُورَةِ الرِّجَالِ جَمِيلِي الصُّورَةِ، لَا فِي صُورَةِ النِّسَاءِ.
وَأَمَّا مَا يَقُولُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ أَنَّ جِبْرِيلَ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي صُورَةِ السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، فَهُوَ قَوْلٌ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلقُرْآنِ، وَمُخَالِفٌ لِمَا ثَبَتَ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ مِنْ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ بِصُورَةِ عَائِشَةَ فِي قُمَاشَةٍ، أَيْ: حَمَلَ لَهُ صُورَتَهَا وَأَرَاهَا إِيَّاهُ، وَلَمْ يَأْتِ مُتَشَكِّلًا فِي هَيْئَتِهَا. وَفَرْقٌ بَيِّنٌ بَيْنَ أَنْ يُقَالَ: «أَتَى بِصُورَةِ فُلَانٍ» وَبَيْنَ أَنْ يُقَالَ: «أَتَى فِي صُورَةِ فُلَانٍ»؛ فَالأُولَى تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ جَاءَ بِشَيْءٍ يُمَثِّلُ الصُّورَةَ، وَالثَّانِيَةُ تَدُلُّ عَلَى التَّشَكُّلِ فِي ذَاتِ الصُّورَةِ، وَهُنَا يَظْهَرُ أَثَرُ الدِّقَّةِ فِي اللُّغَةِ وَالعِلْمِ، وَأَنَّ حَرْفًا وَاحِدًا قَدْ يُغَيِّرُ المَعْنَى تَغْيِيرًا كَبِيرًا، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَانَ الجَهْلُ بِعِلْمِ الدِّينِ مُهْلِكًا لِصَاحِبِهِ وَلِغَيْرِهِ، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ.
خَاتِمَةٌ
وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الإِيمَانَ بِالمَلَائِكَةِ لَيْسَ مُجَرَّدَ إِقْرَارٍ بِوُجُودِهِمْ فَقَطْ، بَلْ هُوَ إِيمَانٌ يَشْمَلُ تَصْدِيقَ مَا وَرَدَ فِي حَقِّهِمْ مِنْ صِفَاتٍ وَأَخْبَارٍ، مَعَ تَنْزِيهِهِمْ عَنْ مَا لَا يَلِيقُ بِمَقَامِهِمْ مِنَ النُّقْصَانِ وَالتَّشْبِيهِ وَالبَاطِلِ. وَهُمْ عِبَادُ اللهِ المُكْرَمُونَ، لا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ، وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ، وَيَتَشَكَّلُونَ فِي صُورٍ جَمِيلَةٍ مِنْ صُوَرِ الرِّجَالِ، وَلَا يَتَشَكَّلُونَ فِي صُوَرِ النِّسَاءِ، وَفِي ذَلِكَ كُلِّهِ تَأْكِيدٌ لِأَنَّ العِلْمَ بِمَا أَخْبَرَ اللهُ وَرَسُولُهُ ﷺ هُوَ السَّبِيلُ الأَوْحَدُ لِلسَّلَامَةِ فِي العَقِيدَةِ وَالفَهْمِ وَالتَّصَوُّرِ.