﴿وَٱستَبَقَا ٱلبَابَ وَقَدَّت قَمِيصَهُ مِن دُبُر وَأَلفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا ٱلبَابِ قَالَت مَا جَزَآءُ مَن أَرَادَ بِأَهلِكَ سُوٓءًا إِلَّآ أَن يُسجَنَ أَو عَذَابٌ أَلِيم﴿٢٥﴾﴾
وكان ذلك من جملة الكرب البلاء على نبي الله يوسف الصديق عليه الصلاة والسلام بعد أن غلّقت امرأة العزيز عليه الأبواب، سبعة أبواب عمِلت حيلة بمكرٍ وتدبيرٍ منها غلّقت الأبواب على يوسف عليه الصلاة والسلام وهمّت بالسوء أمّا هو عليه الصلاة والسلام فهو النبي الكريم بن الكريم بنِ الكريم بنِ الكريم الذي برّأه الله سبحانه وتعالى من الهمّ الخبيث فما همَّ يوسف عليه الصلاة والسلام بشيءٍ خبيث؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد أراه البرهان.
وفي قصر العزيز بعد أن عمِلت امرأة العزيز تلك الحيلة الخبيثة أسرعت إلى يوسف عليه الصلاة والسلام واستبقا الباب تسابقا إلى الباب أما هي فالِطّلب، لطلب سيدنا يوسف عليه السلام وأما يوسف عليه الصلاة والسلام ففرَّ منها وهذا ليس جبنًا إنّما بعدًا عن السوء وكانت هي قد أمسكت ثوب يوسف عليه السلام من الخلف فتمزَّق قميص يوسف عليه السلام ومع ذلك ظلّت تلاحقه وهما يستبقان ويتراكضان إلى الباب ويوسف عليه السلام يريد الوصول إلى الباب ليفتحه ليتخلص منها ماذا يدفعه إلى ذلك؟ الخوف من الله، الخوف من مولاه سبحانه وتعالى وأمّا امرأة العزيز فأرادت أن تَحول بين يوسف وبين الباب تدفعها إلى ذلك الشهوة الجامحة والاستجابةُ لوساوس الشيطان في تلك الأحيان عندما وصلا إلى الباب وصل زوجها في تلك اللحظة وصل العزيز فوجدها في هذه الحالة خلفَ يوسف لكنّها هي من بادر بالكلام وصارت تُحرّضُ زوجها على يوسف وحاولت أن تنسُب إلى يوسف عليه الصلاة والسلام محاولة إغوائها والاعتداء عليها مدّعيةً أنها امتنعت وهربت منه فنسبت إلى يوسف عليه السلام الخيانة وبرّأت نفسها ولكن قميص يوسف عليه السلام قُدَّ من دُبر ،اجتذبته من خلفه فانقدَّ انشقَّ حين فرَّ منها إلى ناحية الباب فبادرت بالقول
﴿قَالَت مَا جَزَآءُ مَن أَرَادَ بِأَهلِكَ سُوٓءًا إِلَّآ أَن يُسجَنَ أَو عَذَابٌ أَلِيم﴾ ما جزاؤه؟ أي ليس جزاؤه إلا السجن أو عذاب أليم فما هنا نافية، ما جزاؤه؟
يعني ليس جزاء من أراد بأهلك السوء إلا أن يسجن أو عذاب أليم وهو الضرب بالسياط ونلاحظ هنا أنها لم تُصرّح بذكر اسم يوسف عليه السلام بل ذكرت على العموم ما قالت ما جزاء يوسف؟ قالت ما جزاءُ من أراد بأهلك سوءًا لأنها من ناحية أرادت أن تخوف يوسف أرادت أن تجعله تحت التهديد وأنه إن لم يعطها ما طلبت سيناله السَجن أو العذاب الأليم ولذلك لمّا وصل الأمر إلى هذا الحد وعَرّضَتُه للسجن وللعذاب عندها كان على يوسف عليه السلام الدفاعُ عن نفسه
﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتنِي عَن نَّفسِي﴾ ولولا ذلك لكتَم عليها ولم يفضحها لكنها هي من بادرت وأرادت أن تُبرئ نفسها وأن تدفع عن نفسِها وتلقي الأمر على يوسف عليه الصلاة والسلام فعندها يوسف ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتنِي عَن نَّفسِي﴾ هي التي فعلت ويسّر الله سبحانه وتعالى شاهدًا فيما يُروى لم يكن في هذا القصر في المكان الذي عملت فيه زليخة هذه الحيلة أليس قلنا غلقت سبعة أبواب؟ لم يكن إلا طفلٌ رضيع يقال: كان ابن خال أو ابن عمٍ لها من أهلها لم يكن إلا هو
﴿وَشَهِدَ شَاهِد مِّن أَهلِهَآ﴾ هذا هو أنطقَه الله سبحانه وتعالى.
﴿وَشَهِدَ شَاهِد مِّن أَهلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُه قُدَّ مِن قُبُل فَصَدَقَت وَهُوَ مِنَ ٱلكَاذِبِينَ﴿٢٦﴾ وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُر فَكَذَبَت وَهُوَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ﴿٢٧﴾﴾
بعد أن اتهمت امرأة العزيز يوسف عليه السلام بأنه حاول الاعتداء عليها بالفاحشة وبرأت نفسها رد يوسف عليه الصلاة والسلام هذه التهمة عنه ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتنِي عَن نَّفسِي﴾ في هذا الوقت إذًا أنطق الله القادر على كل شيء هذا الشاهدَ من أهلها طفلٌ صغيرٌ في المَهْد؛ لتندفع التهمة عن يوسف عليه السلام ولتكون الحجّة على المرأة التي اتهمته زورًا ولتظهر براءةُ يوسف عليه الصلاة والسلام واضحةً أمام عزيز مصر ووزيرها، فهذا الشاهد أنطقه الله تعالى لتكون أوجب للحجة عليها وأوثق لبراءة يوسف عليه الصلاة والسلام
﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُل فَصَدَقَت وَهُوَ مِنَ ٱلكَاذِبِينَ﴾ لماذا؟ لأنه إن كان قميصه قُدَّ من قُبُل يكون هو قد راودها فدفعته حتى شقّت قميصه فتكون التهمة بذلك على يوسف لأنه يسرع خلفها ليلحقها فيتعثر في مقادم قميصه فيشقه ولأنه يُقبل عليها وهي تدفعه عن نفسها فيتخرّقُ قميصه من قُبُل ثم قال :
﴿وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُر﴾ من الخلف
﴿فَكَذَبَت وَهُوَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ﴾ وهذا الذي حصل أي لأنه يكون قد تركها وذهب فتَبِعَتْه وتعلّقت به من الخلف فانشق قميصه بسبب ذلك وتكون التهمة بذلك على امرأة العزيز.
﴿فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُر قَالَ إِنَّهُ مِن كَيدِكُنَّ إِنَّ كَيدَكُنَّ عَظِيم﴿٢٨﴾﴾
لما رأى العزيز قِطْفير قميص يوسف.
ونذكر في قصة القميص عندما ألقي سيدنا يوسف عليه السلام في البئر وكيف كان هذا القميص علامة ليعقوب عليه الصلاة والسلام أن إخوة يوسف كذبوا حين قالوا: أكله الذئب؛ لأن قميصه ما كان قد أصابه شيء ولا تمزّقَ وهذا القميص كان علامة هنا وفي آخر السورة يبعث يوسف عليه السلام بقميصه إلى أبيه يعقوب بعد ثمانين سنة من الغياب فيضعه يعقوب على وجهه فيَرجِع إليه بصره الذي فقدَه لوقت من شدة الحزن على يوسف عليه السلام.
فكان حتى في قميص يوسف عليه السلام كان فيه آية وكان فيه عبرة وتُقلَّب وتُصرّف هذه الآيات لنا حتى نكون دائمًا في عبرة وادّكار واتعاظ قد يجعل الله سبحانه وتعالى لنا آيةً في شيء لا نتوقعه لذلك في كل أحوالنا علينا أن نكون على التسليم لله عز وجل. امرأة عزيز وعزيز مَن؟ عزيز مصر وتحت ذاك الفرعون قصر والخدم كلّهم تحت زليخة ،وقطفير كان حُميْلًا ذلولًا تحتها مع أنه هو الوزير هي تديره والتدبير قد تم لها ويوسف عليه الصلاة والسلام فوّض أمره الى الله بقي هذا الطفل الرضيع هذا الشاهد كانت الحجة به، وأنطقه الله تعالى مستدلا بماذا؟ بقميص يوسف عليه الصلاة والسلام.
فلما رأى العزيز قِطْفير قميص يوسف قد انشق من خلف ﴿قَالَ إِنَّهُ مِن كَيدِكُنَّ﴾ كيد النساء.
أي هذا الأمر وهو الاحتيال لنيل الرجال والخطابُ لها ولأمتها لأنه ﴿قَالَ إِنَّهُ مِن كَيدِكُنَّ إِنَّ كَيدَكُنَّ عَظِيم﴾ أي هذا الذي جرى من مَكرِكُن أنتِ راودته عن نفسه ثم لتدفعي التهمة عن نفسك اتهمته بالباطل والبهتان ﴿إِنَّ كَيدَكُنَّ عَظِيم﴾، لأن النساء ألطفُ كيدًا وأعظمُ حيلةً وبذلك يغلِبْنَ الرجال والقصْريّات يعني اللواتي يعشْنَ في القصور معهنّ ما ليس مع غيرهنَّ من البوائِق يعني عندهنَّ من الحيل والمكر فهذه من الفتن التي ينبغي أن يُحتاط لها. إذًا العزيز الأمر واضح عنده يوسف عليه الصلاة والسلام ما أراد سوءًا ولا همَّ بسوء.
وهنا يذكر الله تعالى حكايةً عن العزيز :
﴿يُوسُفُ أَعرِض عَن هَٰذَا﴾ هذا العزيز يعني وكأنه يقول: يا يوسف تجاوز هذا ،هو أقرَّ ببراءته ﴿يُوسُفُ أَعرِض عَن هَٰذَا﴾
وإلى زليخة ﴿وَٱستَغفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلخَاطِـِٔينَ﴿٢٩﴾﴾
إذًا بعد أن ظهرت براءةُ يوسف عليه الصلاة والسلام قال العزيز ليوسف: أعرض عن هذا الأمر واكتمه ولا تتحدث به اترك ما نالَكَ من هذه المرأة يعني كأنه يقول: سامحها الذي قال هذا هو العزيز سيدُها وزوجها يعني وكأن العزيز يقول ليوسف: يا يوسف هوّن عليك ولو افترت عليك هذه المرأة
﴿يُوسُفُ أَعرِض عَن هَٰذَا﴾ هذا ليس خطابا من الله ليوسف إذًا هذا خطاب ممن؟ من العزيز ليوسف يا يوسف تجاوز عنها ثم قال العزيز لزوجته: أن تستغفر لذنبها الذي صدر منها وأن تتوب إلى ربها. ويقال: كان العزيز رجلًا حليمًا قليلَ الغيْرة حيث اقتصر على هذا القول بعد أن رأى كل ما رأى. والآن هذه الحادثة التي كانت بين هذه الأبواب السبعة المغلقة ككثير من الأحاديث والروايات والأحوال التي تكون في أبواب مغلقة ولكن أخبارها تنتشر في كل الدنيا، هذه القصة خرجت إلى مصر