﴿وَجَآءَت سَيَّارَة فَأَرسَلُواْ وَارِدَهُم فَأَدلَىٰ دَلوَهُ قَالَ يَٰبُشرَىٰ هَٰذَا غُلَام وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَة وَٱللَّهُ عَلِيمُ بِمَا يَعمَلُونَ﴿١٩﴾﴾
كم المدة التي مكث فيها سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام في البئر عندما أُلقِي؟ مكث سيدنا يوسف في البئر ثلاثة أيام وكان هذا البئر الذي أُلقي فيه سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام قليل الماء وكان ماؤه ملحًا يعني كان هذا الماء الذي في البئر مالحًا فعندما ألقي فيه سيدنا يوسف صار عذبًا. بلاء بإلقاء سيدنا يوسف عليه السلام في هذا البئر، لكن هذا البئر صار بعد ذلك عذبًا. وصار هذا البئر نافعًا لمن يشرب ويستقي منه، وهذا يدلنا أيضا على بركة سيدنا يوسف وعلى بركة الأنبياء.
فائدة:
حصل مع سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام أنه قد جعل من ريقه الشريف في بئرٍ مالحٍ جدًا فصار البئر عذبًا، هذه بركة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما حصل أن قد جاء واحدٌ من الصحابة إلى نبينا عليه الصلاة والسلام في بعض المعارك وقد سالت عينه، حدقته سالت على وجنته فأمسكها رسول الله صلى الله عليه وسلم وردها إلى مكانها، وبعد ذلك ما كان يدري أيّ عينيه قد أصيب. فالأنبياء لهم بركة، لهم بركة عند الله، ولذلك نحن نتبرّك بالأنبياء ونتبرّك بالأولياء والصالحين وتبرّكنا بالأنبياء وتوسّلنا بالأنبياء هو ليس عبادةً للأنبياء، بل هو عبادةٌ لله سبحانه وتعالى.
وما معنى البركة؟ البركة: هي الخير، وعندما نقول نحن نتبرك بسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام معناه: نحن نطلب من الله سبحانه وتعالى أن يعطينا البركة التي من نبينا محمد عليه الصلاة والسلام.
فهذا سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام مدة المكث في البئر ثلاثة أيام، فينقلب هذا البئر بقدرة الله عز وجل من بئر مالح إلى بئر عذب. بعد مضيّ هذه الأيام جاءت سيّارة مرّت رفقة قافلة، هذه القافلة كانت تسير من قبل مَدْيَنَ إلى مصر، هذا بعد مرور ثلاثة أيام من إلقاء يوسف الجبّ في البئر، تلك القافلة كانت قد أخطأت الطريق فنزلوا قريبًا من هذا الجبّ بتقدير الله عز وجل وهذا الجبّ كان في قفرة بعيدة من العمران
﴿وَجَآءَت سَيَّارَة فَأَرسَلُواْ وَارِدَهُم فَأَدلَىٰ دَلوَهُ﴾ أرسلوا واردهم هو مالك بن ذعر الخزاعيّ، هذا الوارد، القافلة أرسلت الوارد الذي يَرد الماء ليستقي للقوم اسمه مالك بن ذعر الخزاعيّ
﴿فَأَدلَىٰ دَلوَهُ﴾، رمى دلوًا في البئر
والبئر كما قلنا ماؤه قليل يعني لا يتوقّع أن تخرج كمية كبيرة من الماء، ألقى هذا الدلو، ﴿فَأَدلَىٰ دَلوَهُ﴾، أرسل الدلو ليملأها فمن تعلق تشبث بالدلو؟ يوسف عليه السلام تشبث بالدلو ثم سحب هذا الدلو، رأى أنه صار فيه شيء من الثقل، فهو ظنّ أن الدلو قد امتلأت ماءً فلما رفعه
﴿يَا بُشرَىٰ هَٰذَا غُلَام﴾ وأي غُلام هذا الذي كان؟ يوسف عليه الصلاة والسلام الذي في المعراج لما رآه النبي عليه الصلاة والسلام في السماء الثالثة، فقال يوسف: مرحبا بالأخ الصالح وسلّم على نبينا عليه الصلاة والسلام فسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام قال: “يوسف قد أوتي شطر الحسن” نصف الجمال، أما الجمال كله فهو جمال محمد عليه الصلاة والسلام كما قدمنا على شدة جمال يوسف عليه السلام وكان أبيضا مشربا بالحمرة عينه شديد البياض بياضها وشديد السواد سوادها، من حيث الطول كان أطول من سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام بشيء، مع كل ما نسمع عن جمال سيدنا يوسف عليه السلام إلّا أن جمال محمد عليه الصلاة والسلام كان أكثر، لماذا؟ ماذا قال العلماء؟ قالوا: لأن جمال محمد عليه الصلاة والسلام كان مغطًّى بالهيبة وسيدنا يوسف فيه هيبة لكن ذلك أكثر في نبينا محمد عليه الصلاة والسلام
فأي غلام؟ قافلة تخطئ الطريق فتصل إلى بئر فمن يكون في هذا البئر؟ سيدنا يوسف عليه السلام، هم ما عرفوا ﴿يَا بُشرَىٰ هَٰذَا غُلَام﴾ هذا الوارد ﴿قَالَ يَا بُشرَىٰ هَٰذَا غُلَام﴾ غُلامٌ جميلٌ حسن الوجه مشرق المُحيّا تعلّق بالدلو غُلامٌ جميلٌ حسن الوجه مشرق المُحيّا فاستبشر الرجل به وقال لأصحابه
﴿يَا بُشرَىٰ هَٰذَا غُلَام﴾ لكم البشرى أنا رجعت لكم بغُلام وقيل:
ذهب به لما تعلّق بالدلو ورفعه فتعلّق به ثم ذهب به إلى أصحابه فلما دنا من أصحابه صاح بذلك يبشرهم لكن أصحابه قالوا نحن في قافلة واحدة هذا يكون شركة بيننا وبينك أنت لا تنفرد به هذا لا يكون لك وحدك انظروا أيضا هنا الآن شدة البلاء مع سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام قالوا: هذا شِركة ليس لك، ثم بعضهم قال البعض اكتموه عن أصحابكم اكتموه عن البقية حتى لا يسألوكم الشِركة فيه قال: وإن سألوكم ما هو هذا الغلام؟
فقولوا: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَة﴾ قولوا استبضعناه من أهل الماء يعني اشتريناه من أهل الماء
هكذا قولوا لهم: أهلُ الماء وضعوه عندنا بضاعة حتى نبيعه في مصر ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَة﴾
ما هو حال إخوة يوسف؟ قلنا: هم قد رموْا سيدنا يوسف في البئر ورجعوا إلى أبيهم بقميص يوسف وقد لطّخوه بدم سخلة هل تركوا يوسف بعد ذلك؟ من شدة حقدهم قالوا: نريد أن نطمئن أن يوسف قد مات. فماذا فعلوا؟ رجعوا إلى البئر يترقبون ماذا حصل مع يوسف؟ أرادوا أن يتأكدوا من الإجهاز عليه والعياذ بالله، إخوة وهكذا يفعلون بأخيهم، استشعر إخوة يوسف أن القافلة حملت يوسف لحقوهم وقالوا: هذا غلامنا وهذا عبدٌ لنا قد أبَقَ هكذا صاروا يقولون عن أخيهم
قالوا: الآن في يد القافلة لكن إلى آخر لحظة قالوا: ننتفع بالمال نقول لهم هذا عبد لنا وأنتم أخذتموه وهذا أبقَ منا يعني هرب منّا فنحن نريد مالًا لم يكتفُوا بأذية يوسف عليه السلام ولم يكتفُوا بأذية يعقوب عليه السلام ولم يكتفُوا بإلقاء يوسف في البئر بل زيادة على ذلك لحقوا القافلة وقالوا: لهؤلاء الذين في القافلة هذا عبد لنا قد أبقَ وهرب.
صدّقهم أهل القافلة واشتروه منهم بثمن بخس دراهم معدودة، قليل من الدراهم
﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَة﴾ وأسرّوه يرجع الضمير هنا إلى الوارد، مالك بن ذعر الذي ذكرناه وإلى أصحابه الذين أخفوا عن الرفقة الحقيقة، أو يجوز أن يرجع الضمير ﴿وَأَسَرُّوهُ﴾ إلى إخوة يوسف لأنهم كما قلنا قالوا: هذا يوسف عبد لنا وأبقَ منّا.
وقد يسأل سائل: يوسف عليه الصلاة والسلام قد رأى إخوته في هذا الموقف وانظروا أيّ أَذًى يلحق أخًا كريمًا كسيدنا يوسف عليه السلام وهو يرى مبالغة إخوانه في أذيّته وأنا أدعوكم أن تبقوا على ذكر لهذا فإذا جئنا إلى آخر سورة يوسف كيف بعد ذلك قابل يوسف عليه الصلاة والسلام إخوته بعد كل هذا الأذى يوسف سكت وهم يقولون: هذا عبد لنا قيل: لماذا سكت؟ يرى إخوانه ويقولون هذا عبد وأبق ادفعوا لنا المال حتى نتركه لكم يوسف خاف أن يقتلوه فسكت على هذا.
﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَة وَٱللَّهُ عَلِيمُ بِمَا يَعمَلُونَ﴾ بما يعمل إخوة يوسف بأبيهم وأخيهم من سوء الصنيع.
كل هذا، الله تعالى عالم بكل هذا الأذى، وكل هذا الابتلاء، ونحن كذلك كل ما يصيبنا من أنواع البلاء، من أنواع الشدة حين نمرض حين نبتلى في أنفسنا حين نبتلى في أموالنا وقد يبتلى بعضنا في أقرب الناس إليه وأخصّ الناس إليه اذكر أن الله تعالى عليم بذلك واستحضارك لهذا المعنى أن الله تعالى عليمٌ بك هذا يقودك إلى أن تُسلِّم أمرك لله عز وجل الله تعالى عالم بي لو لم يعلم بي أحد من الناس قد ينزل ببعضنا بلاء لا يعلم حقيقة هذا البلاء إلا الله سبحانه وتعالى وأنت تواسي نفسك وتصبّر نفسك تقول حسبي أن ربي سبحانه وتعالى عليم بهذا البلاء الذي أصابني فالله سبحانه وتعالى عالمٌ وعلم الله تعالى أزلي أبدي عالمٌ بكل شيء قبل حصوله عالم سبحانه وتعالى بنا وبأحوالنا وبأبنائنا وبأرزاقنا وبمآلنا وبمعادِنا وبمكان قبورنا، عالمٌ بكل مصيبة ستصيبنا فإذا نحن سلّمنا أمرنا لخالقنا سبحانه وتعالى وتأسّينا بيعقوب عليه الصلاة والسلام وتأسّينا بيوسف عليه الصلاة والسلام سلمنا أمرنا لخالقنا سبحانه وتعالى
وتأسينا بيعقوب عليه الصلاة والسلام وتأسينا بيوسف عليه الصلاة والسلام سلمنا أمرنا لخالقنا سَلمْنَا أَمْرَنَا لِلهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، اليوم كم البلاء الذي يصيب هذه الأمة؟ بلاء شديد كم عدد من يمكر لأمة محمد عليه الصلاة والسلام اليوم؟ لا يعلم عددهم إلا الله لا يعلم عددهم إلا الله، لكن سأقول لكم شيئا ونحن في هذا السياق رأيتم هذه السماء الأولى؟ السماوات كلها مسكن للملائكة ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك قائم أو راكع أو ساجد ،السماء الأولى عدد الملائكة الذين فيها فقط في السماء الأولى أكثر من عدد الإنس والجن مجتمعين في سماء واحدة الله تعالى قادر أن يرسل ملكًا واحدًا فيقلب هذه الأرض، الله تعالى قادر أن يرسل لك ملكًا فيرفع البلاء عنك، وكل هذا العدد الذي ذكرنا من الملائكة في السماء الأولى. قالوا: عدد الملائكة الذين حول العرش أكثر من عدد الملائكة الذين في السماوات السبع، فكم يكون عدد الملائكة؟
﴿وَٱللَّهُ عَلِيمُ بِمَا يَعمَلُونَ﴾، إذًا سلّم أنت أمرك لله سبحانه وتعالى هذا سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام أُلقِي في البئر ثم بعد ذلك خرج ليملك مصر.