بسم الله الرحمن الرحيم
﴿۞نَبِّئ عِبَادِيٓ أَنِّيٓ أَنَا ٱلغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلعَذَابُ ٱلأَلِيمُ (50)﴾.
﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الغَفُورُ الرَّحِيمُ (49)﴾
يَدُلُّ هٰذَا عَلَى عَظِيمِ رَحْمَةِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَيَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، فَالغَفُورُ هُوَ الَّذِي تَكْثُرُ مِنْهُ المَغْفِرَةُ، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. فَالعَبْدُ مَهْمَا أَذْنَبَ، وَمَهْمَا وَقَعَ فِي المَعَاصِي، إِذَا تَابَ إِلَى اللهِ تَعَالَى تَوْبَةً صَادِقَةً، قَبِلَ اللهُ تَوْبَتَهُ وَغَفَرَ لَهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، فَالذَّنْبُ الَّذِي لَا يُغْفَرُ لِمَنْ مَاتَ عَلَيْهِ هُوَ الكُفْرُ بِاللهِ وَالإِشْرَاكُ بِهِ، أَمَّا مَا دُونَ ذٰلِكَ فَهُوَ تَحْتَ المَشِيئَةِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ»، فَالجَنَّةُ وَرَحْمَةُ اللهِ فِي الآخِرَةِ لَا تَكُونُ إِلَّا لِمَنْ خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى نِعْمَةِ الإِيمَانِ. وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يُقَلِّبُ القُلُوبَ، فَقَدْ تَقَعُ مِنَّا المَعَاصِي، ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْنَا وَيَسْتُرُنَا. وَكَانَ الإِمَامُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ انْقُلْنِي مِنْ ذُلِّ مَعْصِيَتِكَ إِلَى عِزِّ طَاعَتِكَ. فَالمَعْصِيَةُ ذُلٌّ، وَأَعْظَمُ مَا يُقْلِقُ القَلْبَ أَنْ يَعْصِيَ العَبْدُ مَوْلَاهُ الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْهِ بِأَعْظَمِ نِعْمَةٍ، وَهِيَ نِعْمَةُ الإِيمَانِ. فَمَنْ خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا كَافِرًا بِاللهِ، فَلَا رَحْمَةَ لَهُ وَلَا مَغْفِرَةَ، وَلَا يُتَرَحَّمُ عَلَيْهِ، وَلَا يُسْتَغْفَرُ لَهُ، لِأَنَّ ذٰلِكَ يُخَالِفُ نُصُوصَ القُرْآنِ. أَمَّا مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى تَكْثُرُ مِنْهُ المَغْفِرَةُ مَا دَامَ العَبْدُ يَتُوبُ وَيَرْجِعُ. وَلِذٰلِكَ كَانَ مِنْ دُعَاءِ الصَّالِحِينَ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا تَوْبَةً قَبْلَ المَوْتِ، وَتَوْبَةً عِنْدَ المَوْتِ، حَتَّى نَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا وَقَدْ غُفِرَتْ ذُنُوبُنَا.
قَالَ النَّسَفِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: الغَفُورُ هُوَ السَّاتِرُ لِلْعُيُوبِ، العَافِي عَنِ الذُّنُوبِ. وَكَانَ بَعْضُ الصَّالِحِينَ مِنْ شِدَّةِ اتِّهَامِهِ لِنَفْسِهِ يَقُولُ: لَوْ كَانَ لِلذُّنُوبِ رَائِحَةٌ مَا جَالَسْتُمُونِي. وَتَجَرَّأَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ اليَوْمَ عَلَى مَعْصِيَةِ اللهِ تَعَالَى، تَارَةً بِالعَيْنِ، وَتَارَةً بِالأُذُنِ، وَتَارَةً بِاللِّسَانِ، وَبِاليَدِ، وَبِالرِّجْلِ، وَبِالبَطْنِ. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقَعُ فِي المَعْصِيَةِ لِعَدَمِ تَعَلُّمِ عِلْمِ الدِّينِ الضَّرُورِيِّ، فَلَا يَعْرِفُ مَا افْتَرَضَ اللهُ عَلَيْهِ، فَيَقَعُ فِي الحَرَامِ وَهُوَ لَا يَدْرِي. فَعِلْمُ الدِّينِ هُوَ حَيَاةُ الإِسْلَامِ، وَهُوَ المِيزَانُ، وَبِهِ النَّجَاةُ عَلَى الصِّرَاطِ، وَتَعَلُّمُ الفَرْضِ العَيْنِيِّ أَحَبُّ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللهِ، كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ القُدُسِيِّ: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ». فَبِعِلْمِ الدِّينِ نَعْرِفُ الحَلَالَ وَالحَرَامَ، وَنَعْرِفُ الصَّلَاةَ وَشُرُوطَهَا وَأَرْكَانَهَا، وَنَعْرِفُ مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَمَا يُبْغِضُهُ.
كَانَ بَعْضُ الصَّالِحِينَ مِنْ شِدَّةِ خَوْفِهِ يَقُولُ: أَنْظُرُ فِي المِرْآةِ كُلَّ يَوْمٍ خَوْفًا أَنْ أَرَى أَنْفِي قَدِ اسْوَدَّ مِنَ المَعَاصِي. وَكَانَ بَعْضُ الأَكَابِرِ عَلَى فِرَاشِ المَوْتِ، فَقِيلَ لَهُ: مَاذَا تَشْتَكِي؟ فَقَالَ: الذُّنُوبَ. وَقِيلَ لَهُ: مَاذَا تَرْجُو؟ فَقَالَ: رَحْمَةَ رَبِّي. فَالتَّوْبَةُ وَاجِبَةٌ مِنْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا، وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ مُجَرَّدَ قَوْلِ اللِّسَانِ، بَلْ هِيَ رُجُوعٌ حَقِيقِيٌّ عَنِ المَعْصِيَةِ إِلَى الطَّاعَةِ. وَمِنْ أَسْبَابِ المَعَاصِي شَهْوَةُ النَّفْسِ، وَالغَفْلَةُ، وَوَسْوَسَةُ الشَّيْطَانِ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ». وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾. فَكَثْرَةُ المَعَاصِي تُورِثُ سَوَادَ القَلْبِ وَقَسْوَتَهُ، وَمِنْ أَشَدِّ الأُمُورِ خَطَرًا أَنْ يَعْتَادَ القَلْبُ الذَّنْبَ فَلَا يَتَأَثَّرُ بِالقُرْآنِ وَلَا بِالمَوْعِظَةِ. وَمِنْ أَسْبَابِ عِلَاجِ ذٰلِكَ الإِكْثَارُ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ، فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَاللهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي اليَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً». وَقَالَ ﷺ: «تُوبُوا إِلَى اللهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ، فَإِنِّي أَتُوبُ فِي اليَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ». وَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ وَجَدَ رَاحِلَتَهُ بَعْدَ أَنْ فَقَدَهَا فِي أَرْضٍ فَلَاةٍ»، وَمَعْنَى فَرَحِ اللهِ هُنَا أَنَّهُ يَرْضَى عَنِ العَبْدِ وَيَقْبَلُ تَوْبَتَهُ، لَا عَلَى مَعْنَى الانْفِعَالِ. وَقَدْ قَالَ ﷺ: «إِنَّ اللهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا».
﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ العَذَابُ الأَلِيمُ (50)﴾
فِي هٰذِهِ الآيَةِ تَحْذِيرٌ شَدِيدٌ، فَمَعَ سِعَةِ رَحْمَةِ اللهِ، فَإِنَّ عَذَابَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ، فَلَا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَغْتَرَّ بِالرَّجَاءِ دُونَ عَمَلٍ، وَلَا أَنْ يَقْنَطَ مِنَ الرَّحْمَةِ، بَلْ يَجْمَعُ بَيْنَ الخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، فَيَسِيرُ إِلَى اللهِ تَعَالَى بَيْنَ جَنَاحَيْنِ، يَرْجُو رَحْمَتَهُ، وَيَخَافُ عَذَابَهُ، حَتَّى يَلْقَاهُ وَهُوَ عَنْهُ رَاضٍ.