بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ.
﴿اُدْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (46) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (47) لَا يَمَسُّهُم فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (48)﴾ [الحِجْر: ٤٦-٤٨].
﴿اُدْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ(46) ﴾
﴿اُدْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾ [الحِجْر: ٤٦]: أَيْ اُدْخُلُوا الجَنَّةَ دُخُولَ سَلَامَةٍ، فَتَدْخُلُونَ وَأَنْتُمْ سَالِمُونَ، أَوْ يَكُونُ المَعْنَى: يُسَلَّمُ عَلَيْكُمْ، فَتُسَلِّمُ عَلَيْكُمُ المَلَائِكَةُ، وَتَدْخُلُونَ دَارًا لَا خَوْفَ فِيهَا بَعْدَ خَوْفِ الدُّنْيَا وَعَنَائِهَا، فَلَا خَوْفَ عَلَيْهِم وَلَا هُمْ يَخَافُونَ.
﴿آمِنِينَ﴾ [الحِجْر: ٤٦]: آمِنِينَ مِنَ الخُرُوجِ مِنْهَا، وَآمِنِينَ مِنَ الآفَاتِ فِيهَا؛ فَلَا مَرَضَ يَعْرِضُ لَهُمْ، وَلَا نَكَدَ يَلْحَقُهُمْ، وَلَا تَعَبَ يَمَسُّهُمْ، وَلَا أَدْنَى أَلَمٍ يَقْرَبُهُمْ، وَلَا حَتَّى خَوْفُ فِرَاقٍ عَلَى وَلَدٍ، بَلْ هُمْ فِي أَمَانٍ مُقِيمٍ. وَهٰذِهِ السِّلْعَةُ غَالِيَةٌ، إِنَّهَا الجَنَّةُ. أَمَّا دَارُ الدُّنْيَا الَّتِي يَسْكُنُهَا الإِنْسَانُ اليَوْمَ فَإِنَّهُ مُفَارِقُهَا، إِمَّا أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا مَحْمُولًا عَلَى النَّعْشِ، وَإِمَّا أَنْ يَخْرُجَ إِلَى مَكَانٍ ثُمَّ يُحْمَلَ مِنْهُ إِلَى القَبْرِ؛ أَمَّا تِلْكَ الدَّارُ فَأَهْلُهَا آمِنُونَ مِنَ الخُرُوجِ مِنْهَا، فَهُم فِي أَمَانٍ دَائِمٍ.
﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ(47) ﴾
﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِنْ غِلٍّ﴾ [الحِجْر: ٤٧]: أَيْ نَزَعَ اللهُ تَعَالَى مَا فِي قُلُوبِهِم مِنْ غِلٍّ، وَهُوَ الحِقْدُ الكَامِنُ فِي القَلْبِ، فَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِم عَلَى آخَرَ شَيْءٌ مِنْ ذٰلِكَ فِي الدُّنْيَا، أَزَالَهُ اللهُ فِي الجَنَّةِ، وَطَيَّبَ نُفُوسَهُمْ، وَأَصْلَحَ ذَاتَ بَيْنِهِم.
وَقِيلَ: المَعْنَى أَنَّهُ طَهَّرَ قُلُوبَهُمْ مِنْ أَنْ يَتَحَاسَدُوا عَلَى الدَّرَجَاتِ فِي الجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَتِ الجَنَّةُ دَرَجَاتٍ، وَفِيهَا تَفَاوُتٌ بَيْنَ المُتَّقِينَ؛ إِلَّا أَنَّ العَبْدَ لِشِدَّةِ مَا يَجِدُهُ مِنَ النَّعِيمِ فِي مَنْزِلِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ لَا يَتَحَرَّكُ فِي نَفْسِهِ حَسَدٌ، وَلَا يَخْطُرُ لِقَلْبِهِ هَمٌّ أَنَّهُ لَيْسَ فِي مَنْزِلَةٍ أُخْرَى؛ لِأَنَّهُ يَرَى نَفْسَهُ فِي عُلُوٍّ وَنَعِيمٍ يَشْغَلُهُ عَمَّا سِوَاهُ. وَهٰذَا خِلَافُ حَالِ الدُّنْيَا؛ فَقَدْ يَمْلِكُ الإِنْسَانُ شَيْئًا كَثِيرًا، ثُمَّ يَقَعُ بَصَرُهُ عَلَى مَنْ هُوَ أَوْسَعُ مِنْهُ بَيْتًا، أَوْ أَكْثَرُ مَالًا، فَيَدْخُلُ نَفْسَهُ شَيْءٌ مِنَ التَّطَلُّعِ وَالتَّحَسُّرِ.
وَمِنْ هٰهُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مَا يَقُولُهُ بَعْضُ النَّاسِ: «الجَنَّةُ بِدُونِ نَاسٍ مَا بِتِنْدَاس»، فَإِنَّهَا دَارُ السَّلَامِ، وَفِيهَا يُقَالُ لِمَنْ يَدْخُلُهَا: ﴿اُدْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحِجْر: ٤٦]؛ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ فِيهَا وَحْشَةٌ؟ فِي الدُّنْيَا قَدْ يَسْتَوْحِشُ الإِنْسَانُ إِنْ كَانَ وَحْدَهُ فِي قَصْرٍ وَاسِعٍ، أَمَّا فِي الجَنَّةِ فَلَا يَدْخُلُ القَلْبَ شَيْءٌ يَجْلِبُ وَحْشَةً، وَلَا سَبَبَ لِهَا.
وَكَذٰلِكَ لَا يَصِحُّ قَوْلُ بَعْضِهِم: فُلَانٌ «مَا بِتْرَافِقُ وَلَوْ إِلَى الجَنَّةِ»، فَهٰذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ القُلُوبَ تُنَزَّهُ وَتُطَهَّرُ: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا﴾ [الحِجْر: ٤٧]. فَبَدَلَ هٰذَا يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ العَبْدُ: اللهُمَّ اجْعَلْنِي وَأَخِي فِي الجَنَّةِ، وَيَتَذَكَّرَ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ: «لَا تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا». فَالجَنَّةُ لَيْسَ فِيهَا تَنَافُرٌ، بَلْ تَحَابُبٌ وَصَفَاءٌ، وَكُلٌّ فِي نَعِيمٍ، قَلْبُهُ مُطَهَّرٌ، وَجَسَدُهُ مُنَعَّمٌ، وَهُوَ فِي دَارِ السَّلَامَةِ مِنَ الآفَاتِ وَالمَصَائِبِ وَالكُرُبَاتِ؛ وَالدُّنْيَا لَا تَخْلُو مِنْ تَعَبٍ وَلَا مَرَضٍ وَلَا مُصِيبَةٍ، إِنْ سَلِمَ الجَسَدُ فَقَدْ يُبْتَلَى القَلْبُ، وَأَنْوَاعُ البَلَاءِ كَثِيرَةٌ، أَمَّا هُنَاكَ فَلَا شَيْءَ مِنْ ذٰلِكَ.
﴿إِخْوَانًا﴾ [الحِجْر: ٤٧]: حَالٌ، أَيْ يَكُونُونَ فِي التَّآخِي وَالمَوَدَّةِ كَالإِخْوَانِ.
﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحِجْر: ٤٧]: أَيْ عَلَى أَسِرَّةٍ فِي غَايَةِ النَّعِيمِ، وَهُمْ مُتَقَابِلُونَ، يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَيَتَنَعَّمُونَ بِأُنْسِ المُجَالَسَةِ فِي أَكْمَلِ صُورِهَا، وَيُذْكَرُ أَنَّ السُّرُرَ تَدُورُ بِهِم حَيْثُ دَارُوا، فَيَبْقَوْنَ مُتَقَابِلِينَ فِي أَحْوَالِهِم.
﴿لَا يَمَسُّهُم فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ(48)﴾
﴿لَا يَمَسُّهُم فِيهَا نَصَبٌ﴾ [الحِجْر: ٤٨]: أَيْ لَا يَلْحَقُهُمْ فِي الجَنَّةِ تَعَبٌ أَبَدًا، فَلَا نَصَبَ وَلَا مَشَقَّةَ وَلَا عَنَاءَ.
﴿وَمَا هُم مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحِجْر: ٤٨]: وَهٰذَا تَمَامُ النِّعْمَةِ؛ فَإِنَّ النِّعْمَةَ تَكْمُلُ بِالخُلُودِ. وَهُوَ وَعْدٌ مِنَ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِأَهْلِ الجَنَّةِ أَنَّهُمْ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا أَبَدًا.
وَقَدْ جَاءَ فِي الحَدِيثِ: «إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَقُولُ لِأَهْلِ الجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ، فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، وَالخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ. فَيَقُولُ: هَلْ أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذٰلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: يَا رَبَّنَا، وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذٰلِكَ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ أَبَدًا». رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
تَذْكِيرٌ وَمَوْعِظَةٌ عَلَى ضَوْءِ الآيَاتِ
إِنَّ فِي القِيَامَةِ لَحَسَرَاتٍ، وَعِنْدَ الصِّرَاطِ لَعَثَرَاتٍ، وَإِنَّ الظُّلْمَ يَوْمَئِذٍ ظُلُمَاتٌ، وَكُتُبُ المَلَكَيْنِ تَحْوِي حَتَّى النَّظَرَاتِ. وَالنَّاسُ يَوْمَئِذٍ فَرِيقَانِ: فَرِيقٌ فِي الجَنَّةِ، وَفَرِيقٌ فِي النَّارِ. وَمَا بَيْنَ العَبْدِ وَبَيْنَ تِلْكَ الدَّارِ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: فُلَانٌ مَاتَ. وَهُنَاكَ يَقُولُ الكَافِرُ: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المُؤْمِنُون: ٩٩]. فَمَنْ عَلِمَ أَنَّ المَوْتَ آتٍ، كَانَ الِاسْتِعْدَادُ لَهُ أَوْلَى مِنَ الِاسْتِعْدَادِ لِطُولِ الحَيَاةِ، وَلَا بُدَّ مِنَ العَمَلِ، وَتَرْكِ طُولِ الأَمَلِ.
وَإِنَّ الجَنَّةَ دَارُ السَّلَامِ، وَهِيَ حَقٌّ ثَابِتٌ، وَهِيَ الآنَ مَوْجُودَةٌ، وَلَهَا أَبْوَابٌ، وَمِنْهَا بَابُ الرَّيَّانِ لِلصَّائِمِينَ. وَقَدْ وَرَدَ فِي الحَدِيثِ: «إِذَا سَأَلْتُمُ اللهَ الجَنَّةَ فَاسْأَلُوهُ الفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ، وَأَعْلَى الجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمٰنِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
وَمِنْ وَصْفِ نَعِيمِهَا أَنَّ سُرُرَهَا مَرْفُوعَةٌ: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ [الغَاشِيَة: ١٣]. وَأَنَّ أَدْنَى أَهْلِهَا نَعِيمًا لَهُ مَا يَعْظُمُ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا وَيَفُوقُهُمْ، فَكَيْفَ بِمَنْ هُوَ أَعْلَى؟ وَإِنَّ مِمَّا يَحُثُّ عَلَى شِدَّةِ الطَّلَبِ وَصِدْقِ السَّعْيِ قَوْلَهُ ﷺ: «هَلْ مُشَمِّرٌ لِلْجَنَّةِ؟ فَإِنَّ الجَنَّةَ لَا خَطَرَ لَهَا»، وَفِي رِوَايَةٍ: «هِيَ وَرَبِّ الكَعْبَةِ نُورٌ يَتَلَأْلَأُ، وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ، وَقَصْرٌ مَشِيدٌ، وَنَهْرٌ مُطَّرِدٌ، وَفَاكِهَةٌ نَضِيجَةٌ، وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ، فِي مُقَامٍ أَبَدِيٍّ، فِي حَبْرَةٍ وَنَضْرَةٍ».
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى كَرَمِهَا وَعِظَمِهَا أَيْضًا مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: «مَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا». رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
وَفِي وَصْفِ أَنْهَارِهَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ، وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ، وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ، وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [مُحَمَّد: ١٥]. وَفِيهَا مِنَ الفَاكِهَةِ مَا لَا يَنْقَطِعُ وَلَا يُمْنَعُ: ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الوَاقِعَة: ٣٣].
وَمِنْ أَعْظَمِ أَعْمَالِ السَّعْيِ إِلَيْهَا مَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ: «أَطْعِمِ الطَّعَامَ، وَصِلِ الأَرْحَامَ، وَصَلِّ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلِ الجَنَّةَ بِسَلَامٍ». وَفِي تَحْقِيرِ الدُّنْيَا عِنْدَ الآخِرَةِ: «مَا الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ فِي اليَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فَهٰذِهِ الآيَاتُ تُثَبِّتُ فِي القَلْبِ أَنَّ الجَنَّةَ دَارُ أَمَانٍ لَا يَنْقَطِعُ، وَسَلَامٍ لَا يَزُولُ، وَصَفَاءٍ لِلصُّدُورِ لَا يَشُوبُهُ غِلٌّ وَلَا حَسَدٌ، وَنَعِيمٍ لَا يَلْحَقُهُ نَصَبٌ، وَخُلُودٍ لَا يَعْرِضُ لَهُ فِنَاءٌ. فَمَنْ أَرَادَهَا فَلْيَسْعَ لَهَا سَعْيَ المُشَمِّرِينَ، وَلْيَغْتَنِمْ عُمْرَهُ قَبْلَ أَنْ يُقَالَ: فُلَانٌ مَاتَ.