بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَلَقَد أَرسَلنَا مِن قَبلِكَ فِي شِيَعِ ٱلأَوَّلِينَ (10) وَمَا يَأتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِۦ يَستَهزِءُونَ (11) كَذَٰلِكَ نَسلُكُهُ فِي قُلُوبِ ٱلمُجرِمِينَ (12) لَا يُؤمِنُونَ بِهِۦ وَقَد خَلَت سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ (13) وَلَو فَتَحنَا عَلَيهِم بَابا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعرُجُونَ (14) لَقَالُوٓاْ إِنَّمَا سُكِّرَت أَبصَٰرُنَا بَل نَحنُ قَوم مَّسحُورُونَ (15)﴾.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (10) ﴾
أَيْ: لَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا فِي فِرَقِ الْأَوَّلِينَ وَأُمَمِهِمْ، وَالشِّيعَةُ هِيَ الْفِرْقَةُ إِذَا اتَّفَقَ أَهْلُهَا عَلَى مَذْهَبٍ وَطَرِيقَةٍ. وَلَمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ قَوْلِهِمْ: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْ هٰؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ كَيْفَ كَانُوا يُكَذِّبُونَ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا ﷺ، وَيَسْتَهْزِئُونَ بِهِ، وَيَصِفُونَهُ بِالْجُنُونِ، وَهُوَ وَصْفٌ شَنِيعٌ فِي حَقِّ نَبِيٍّ عَظِيمٍ كَرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَيَزِيدُهُ شِدَّةً أَنَّهُ صَادِرٌ مِنْ أُنَاسٍ مِنْ قَوْمِهِ وَأَقْرِبَائِهِ، جَاءَتْ هٰذِهِ الْآيَةُ تَسْلِيَةً وَتَخْفِيفًا عَنْهُ ﷺ، لِيَعْلَمَ أَنَّ مَا يَلْقَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ لَقِيَهُ الرُّسُلُ مِنْ قَبْلِهِ، وَأَنَّ طَرِيقَ الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ مَفْرُوشٌ بِالِابْتِلَاءِ وَالْأَذَى، فَلْيَصْبِرِ الدَّاعِي، وَلْيَتَأَسَّ بِصَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ. فَإِنَّ الدَّاعِي قَدْ يَدْعُو إِلَى الْحَقِّ، وَيَتَكَلَّمُ بِكَلَامِ الْحَقِّ، وَيَذْكُرُ أَدِلَّةَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، فَيُغْمَزُ فِي قَنَاتِهِ، وَيُتَكَلَّمُ عَلَيْهِ، وَيُحَطُّ مِنْ قَدْرِهِ، وَيُسَفَّهُ وَيُقَبَّحُ، وَقَدْ يُوصَفُ بِأَزْرَى الْأَوْصَافِ، فَيَعْجَبُ وَيَقُولُ: لِمَاذَا؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ أُوذُوا مِنْ قَبْلِنَا، وَأَنَّ نَبِيَّنَا ﷺ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ أَحَدٌ فِي الْأَخْلَاقِ مَا بَلَغَهُ، قُوبِلَ بِالِاسْتِهْزَاءِ وَالْأَذَى، وَكَذٰلِكَ الْعُلَمَاءُ الْعَامِلُونَ الصَّالِحُونَ الَّذِينَ مَضَوْا فِي الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ، كَمْ حُورِبُوا، وَبِمَاذَا اتُّهِمُوا، وَلِمَاذَا كُذِبَ عَلَيْهِمْ؟ إِنَّمَا كَانَ ذٰلِكَ لِأَنَّهُمْ قَالُوا الْحَقَّ. وَلَا يُنْسَى فِي هٰذَا الْمَقَامِ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: «بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مِنْ سُنَّتِي مَا أَفْسَدَ النَّاسُ»، فَيَكْثُرُ الْفَسَادُ فِي زَمَانٍ، وَيَكْثُرُ مَنْ يَكْذِبُ عَلَى دِينِ اللَّهِ، فَمَنْ جَاءَ بِالْحَقِّ كَانَ غَرِيبًا فِي وَسَطِهِ، فَيُحَارَبُ، وَقَدْ يَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ: إِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ تُعَادِي هٰذَا الشَّيْخَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِالْحَقِّ، وَلِمَاذَا؟ وَيَقُولُ آخَرُونَ: مَا دَامَ كَثِيرٌ يَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ فَهُوَ لَيْسَ جَيِّدًا. وَيُقَالُ لَهُمْ: فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ، فَهٰذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الدَّاعِينَ إِلَيْهِ، فَمَا دَعَا أَحَدٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِحَقٍّ إِلَّا حُورِبَ، وَكَذٰلِكَ كَانَ الْأَنْبِيَاءُ مِنْ قَبْلِنَا. وَلِهٰذَا، لَمَّا اشْتَدَّ أَذَى الْمُشْرِكِينَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، جَاءَتْ هٰذِهِ الْآيَاتُ تَسْلِيَةً لَهُ، وَتَخْفِيفًا عَنْهُ، بِأَنَّا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا فِي الْفِرَقِ الْمَاضِينَ، فَكُذِّبُوا وَأُوذُوا. وَفِي ذِكْرِ مَا جَرَى لِلْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِهِ تَثْبِيتٌ لِقَلْبِهِ ﷺ، كَمَا كَانَ فِي قِصَّةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ التَّخْفِيفِ عَلَيْهِ ﷺ، فَإِذَا قُصَّ عَلَيْهِ مَا تَعَرَّضَ لَهُ مَنْ قَبْلَهُ كَانَ فِي ذٰلِكَ مَزِيدُ تَسْكِينٍ وَتَسْلِيَةٍ.
﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (11)﴾
قَوْلُهُ ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ﴾ حِكَايَةُ حَالٍ مَاضِيَةٍ، أَيْ: مَا كَانَ يَأْتِي الْأُمَمَ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَكَ رَسُولٌ إِلَّا قَابَلُوهُ بِالِاسْتِهْزَاءِ. وَفِي ذٰلِكَ تَعْزِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وَبَيَانٌ لِمَا كَانَ مِنَ التَّخْفِيفِ عَلَيْهِ. وَيَنْبَغِي لِلدَّاعِي إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَ ذِكْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَاضِرًا فِي قَلْبِهِ، فَإِنَّهُ كُلَّمَا اعْتَرَضَتْهُ شِدَّةٌ، وَبَلَغَ الْأَذَى مَبْلَغَهُ، تَذَكَّرَ مَا كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَا أَحَدَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَمَعَ ذٰلِكَ أُوذِيَ، وَحُورِبَ، وَحَاوَلَ قَوْمُهُ قَتْلَهُ، وَتَآمَرَ عَلَيْهِ الْيَهُودُ فِي الْمَدِينَةِ، فَإِذَا كَانَ أَكْرَمُ الْخَلْقِ ﷺ قَدْ أُوذِيَ، فَكَيْفَ يَسْتَبْعِدُ الْعَبْدُ أَنْ يُؤْذَى؟ وَقَدْ قِيلَ فِي وَصْفِ الدُّنْيَا: إِنَّهَا دَارُ غُرُورٍ، ضَحِكَتْ عَلَى أَهْلِهَا، وَقَدْ أُوذِيَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأُوذِيَ فِيهَا الْأَنْبِيَاءُ، وَقُتِلَ يَحْيَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقُتِلَ زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَتَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ جَمَاعَةً مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَحَاوَلُوا قَتْلَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَرَفَعَهُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَهٰذِهِ دَارٌ لَا تُعْطِي صَفْوَهَا لِأَحَدٍ، وَالْمُؤْمِنُ يَمْضِي فِيهَا عَلَى الصَّبْرِ وَالِاحْتِسَابِ.
﴿كَذَٰلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (12)﴾
نَسْلُكُ الشَّيْءَ أَيْ: نُدْخِلُهُ، كَمَا تُسْلِكُ الْخَيْطَ فِي الْإِبْرَةِ فَتُدْخِلُهُ فِيهَا، فَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَذَٰلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ أَنَّنَا نُدْخِلُ فِي قُلُوبِهِمْ ذٰلِكَ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ، إِمَّا الْكُفْرَ، وَإِمَّا الِاسْتِهْزَاءَ وَالتَّكْذِيبَ، فَيَسْتَقِرُّ فِيهَا وَيَتَمَكَّنُ. وَفِي ذٰلِكَ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَيْ: اِصْبِرْ، فَإِنَّ مَا يَظْهَرُ مِنْهُمْ مِنَ الِاسْتِهْزَاءِ وَالْعِنَادِ إِنَّمَا هُوَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَمَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَمَرَهُمْ بِاجْتِنَابِ الْكُفْرِ، وَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ، وَلَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَدَّرَ بِعِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُخْتَمُ لَهُ عَلَى الضَّلَالَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَهْتَدِي، فَقَدْ هَدَى اللَّهُ طَائِفَةً، وَيَسَّرَ لَهَا الْإِيمَانَ، وَأَكْرَمَهَا بِالْهِدَايَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنَ﴾ [البلد: ١٠]، وَقَالَ تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧]. فَيَسْأَلُ الْعَبْدُ رَبَّهُ التَّوْفِيقَ وَالثَّبَاتَ، وَيَدْعُوهُ بِمَا وَرَدَ: اَللَّهُمَّ اهْدِنَا فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَيَقْرَأُ فِي الْفَاتِحَةِ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، وَيَسْأَلُهُ أَنْ يُثَبِّتَهُ عَلَى صِرَاطِ الَّذِينَ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ، وَأَنْ يَعْصِمَهُ مِنْ طَرِيقِ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَلَّمَنَا وَجَعَلَنَا مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ.
وَهٰذِهِ الْآيَةُ مِنْ أَدَلِّ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَا يَقَعُ مِنْ أَحْوَالِ الْكَافِرِينَ فَهُوَ بِخَلْقِ اللَّهِ وَمَشِيئَتِهِ، وَأَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ، فَهٰذَا مُؤْمِنٌ وَهٰذَا كَافِرٌ، وَكُلُّ ذٰلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَخَلْقِهِ. وَفِي ذٰلِكَ بَيَانٌ لِمَسْأَلَةٍ عَظِيمَةٍ فِي الْقَدَرِ، وَهِيَ مُنْسَجِمَةٌ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٧-٤٩]، فَلَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ الْمُجْرِمِينَ أَنَّهُمْ يَنْفُونَ الْقَدَرَ، جَاءَ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ. وَمِنْ هُنَا يَعْلَمُ الْعَبْدُ أَنَّهُ إِذَا أَصَابَهُ هَمٌّ أَوْ غَمٌّ فَلْيُسَلِّمْ أَمْرَهُ لِلَّهِ، وَلْيَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ، فَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِخَلْقِ اللَّهِ وَمَشِيئَتِهِ، فَلَوْ أَخَذَ الْعَبْدُ بِأَقْصَى أَسْبَابِ الِاحْتِيَاطِ لِدَفْعِ الْمَرَضِ، ثُمَّ قَدَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْمَرَضَ لَأَصَابَهُ، وَلَوْ أَخَذَ بِأَقْوَى الْأَسْبَابِ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ، فَلَنْ تَدْخُلَ فَاهُ لُقْمَةٌ إِلَّا بِمَا قَدَّرَهَا اللَّهُ لَهُ، وَلَنْ يُوَفَّقَ لِعَمَلٍ صَالِحٍ إِلَّا إِذَا كَتَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، فَلِذٰلِكَ يَسْأَلُ الْمُؤْمِنُ رَبَّهُ دَوَامًا التَّوْفِيقَ لِمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ، لِأَنَّ التَّوْفِيقَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَمَعْنَاهُ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ فِي الْعَبْدِ الْقُدْرَةَ عَلَى الطَّاعَةِ.
وَمِنْ مَعَانِي هٰذَا السَّلْكِ فِي الْقُلُوبِ أَنَّ نُورَ الْإِيمَانِ لَا يَجِدُ مَسْلَكًا إِلَى قُلُوبِ بَعْضِ الْكَافِرِينَ لِيَدْخُلَ، وَلَا تَجِدُ ظُلْمَةُ الْكُفْرِ مَسْلَكًا مِنْ قُلُوبِهِمْ لِتَخْرُجَ، فَيَقَعُ فِيهِمُ الْخَتْمُ وَالطَّبْعُ وَقُفْلُ الْقَلْبِ، وَيَكُونُ إِنْذَارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَهُمْ غَيْرَ نَافِعٍ فِي حَقِّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ. وَمَعْنَى الْآيَةِ أَيْضًا: كَمَا سَلَكْنَا ذٰلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ مِنَ الْأُمَمِ الَّتِي كَفَرَتْ فَأَهْلَكَهَا اللَّهُ تَعَالَى، كَذٰلِكَ يَجْعَلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِيمَنْ شَاءَ بِحِكْمَتِهِ. فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ أَنْ تُقْفَلَ قُلُوبُنَا، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْكُفْرِ وَالضَّلَالَةِ.
﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (13)﴾
أَيْ: لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، أَوْ بِالذِّكْرِ الَّذِي نَزَلَ، وَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ اللَّهِ فِي الْأَوَّلِينَ، وَهِيَ طَرِيقَتُهُ فِي إِهْلَاكِ مَنْ كَذَّبَ رُسُلَهُ، وَفِي هٰذَا وَعِيدٌ لِأَهْلِ مَكَّةَ، أَيْ: كَمَا أَهْلَكَ اللَّهُ الْأُمَمَ الَّتِي قَبْلَكُمْ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهَا، فَإِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إِهْلَاكِكُمْ إِنْ أَقَمْتُمْ عَلَى تَكْذِيبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (15)﴾
أَيْ: لَقَالَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ شِدَّةِ عِنَادِهِمْ وَغُلُوِّهِمْ فِي الْجُحُودِ: إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا، أَيْ حُيِّرَتْ أَوْ حُبِسَتْ وَمُنِعَتْ مِنَ الْإِبْصَارِ، أَوْ أُصِيبَتْ بِالسُّكْرِ أَوِ السَّكَرِ، وَفِي قِرَاءَةِ مَكِّيٍّ: أَيْ حُبِسَتْ كَمَا يُحْبَسُ النَّهْرُ عَنِ الْجَرْيِ. وَالْمَعْنَى أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بَلَغَ مِنْ شِدَّةِ عِنَادِهِمْ أَنَّهُمْ لَوْ فُتِحَ لَهُمْ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ السَّمَاءِ، وَيُسِّرَ لَهُمْ مِعْرَاجٌ يَصْعَدُونَ فِيهِ إِلَيْهَا، وَرَأَوْا ذٰلِكَ عِيَانًا، لَقَالُوا: إِنَّ هٰذَا شَيْءٌ نَتَخَيَّلُهُ وَلَا حَقِيقَةَ لَهُ.
﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾
أَيْ: بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ قَدْ سُحِرْنَا، إِمَّا بِمَا جَاءَنَا بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، أَوْ بِمَا رَأَيْنَاهُ مِنْ أَمْرِ الْمَلَائِكَةِ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ أَيْ يَصْعَدُونَ فِي ذٰلِكَ الْبَابِ، وَقِيلَ: أَيْ رَأَوُا الْمَلَائِكَةَ يَعْرُجُونَ إِلَى السَّمَاءِ، وَمَعَ ذٰلِكَ مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا. وَذِكْرُ الظُّلُولِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَظَلُّوا﴾ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ ذٰلِكَ كُلَّهُ يَكُونُ فِي النَّهَارِ، لِيَكُونَ أَبْعَدَ عَنِ الِالْتِبَاسِ وَأَوْضَحَ فِي الرُّؤْيَةِ، فَلَوْ رَأَوْا ذٰلِكَ بِأَعْيُنِ رُؤُوسِهِمْ، وَعَايَنُوا الْأَمْرَ عِيَانًا، لَقَالُوا مَا قَالُوا مِنَ الْجُحُودِ، وَلَبَتُّوا الْقَوْلَ بِأَنَّ ذٰلِكَ لَيْسَ إِلَّا تَسْكِيرًا لِلْأَبْصَارِ مِنْ شِدَّةِ عَمَى الْقُلُوبِ. فَمَهْمَا رَأَوْا مِنَ الْآيَاتِ، وَمَهْمَا فُتِحَتْ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، أَوْ عُرِجَ بِهِمْ فِيهَا، أَوْ رَأَوُا الْمَلَائِكَةَ يَصْعَدُونَ، مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا، لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمْ يَشَأْ لَهُمُ الْإِيمَانَ، وَهٰذَا مُنْسَجِمٌ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَذَٰلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾.
وَقَدْ وَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ، يَأْتِينِي خَبَرُ مَنْ فِي السَّمَاءِ صَبَاحَ مَسَاءَ»، وَالْمُرَادُ بِمَنْ فِي السَّمَاءِ جِنْسُ الْمَلَائِكَةِ، أَيْ أَنَّهُ ﷺ أَمِينُ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ يَأْتُونَهُ بِخَبَرِ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً، فَإِذَا كَانَ أَمِينًا عِنْدَ سُكَّانِ السَّمَاءِ، فَكَيْفَ لَا يَكُونُ أَمِينًا عِنْدَ أَهْلِ الْأَرْضِ فِيمَا يُبَلِّغُهُمْ عَنْ رَبِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.