﴿وَلَقَد جَعَلنَا فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (16) وَحَفِظنَٰهَا مِن كُلِّ شَيطَان رَّجِيمٍ (17) إِلَّا مَنِ ٱستَرَقَ ٱلسَّمعَ فَأَتبَعَهُ شِهَاب مُّبِين (18)﴾.
﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦)﴾
قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿جَعَلْنَا﴾ أَيْ: خَلَقْنَا. وَقَوْلُهُ ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ أَيْ: خَلَقْنَا فِيهَا. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ ﴿بُرُوجًا﴾ أَحَدُ مَعَانٍ ثَلَاثَةٍ: أَحَدُهَا أَنَّهَا النُّجُومُ، وَالثَّانِي أَنَّهَا قُصُورٌ فِيهَا الْحَرَسُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَالثَّالِثُ أَنَّهَا مَنَازِلُ لِلنُّجُومِ. وَقَوْلُهُ ﴿وَزَيَّنَّاهَا﴾ أَيْ: زَيَّنَّا السَّمَاءَ، وَقَوْلُهُ ﴿لِلنَّاظِرِينَ﴾ أَيْ: لِمَنْ يَنْظُرُ إِلَيْهَا فَيَعْتَبِرُ وَيَتَأَمَّلُ.
وَخَلَقَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى السَّمَاءَ وَجَعَلَهَا مَكَانًا مُشَرَّفًا، وَمَهْبِطًا لِلرَّحَمَاتِ وَالْبَرَكَاتِ، فَنَحْنُ إِذَا دَعَوْنَا اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى رَفَعْنَا أَيْدِيَنَا إِلَى السَّمَاءِ امْتِثَالًا لِمَا جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لِأَنَّ السَّمَاءَ قِبْلَةُ الدُّعَاءِ، وَلَيْسَتْ مَسْكَنًا لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، كَمَا أَنَّنَا أُمِرْنَا بِاسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ فِي الصَّلَاةِ، لَا لِأَنَّ اللَّهَ يَسْكُنُهَا، وَلَكِنْ لِأَنَّهَا قِبْلَتُنَا فِي الصَّلَاةِ. فَكَذٰلِكَ السَّمَاءُ قِبْلَةُ الدُّعَاءِ لِأَنَّهَا مَهْبِطُ الرَّحَمَاتِ وَالْبَرَكَاتِ، وَمَكَانٌ مُشَرَّفٌ عَظَّمَهُ اللَّهُ، كَمَا عَظَّمَ الْكَعْبَةَ وَالْمَسَاجِدَ وَالْجَنَّةَ وَالْعَرْشَ. فَمَنْ شَتَمَ مَا عَظَّمَهُ اللَّهُ فَقَدْ شَتَمَ دِينَ اللَّهِ، وَلَا يَكُونُ مُسْلِمًا إِذَا فَعَلَ ذٰلِكَ.
وَهٰذِهِ السَّمَاءُ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ فَوْقَ هٰذِهِ الْأَرْضِ جَعَلَهَا مَسْكَنًا لِلْمَلَائِكَةِ، وَفِيهَا مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مَا لَا يُحْصَى، وَهِيَ مَشْحُونَةٌ بِالْمَلَائِكَةِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ قَائِمٌ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ». فَهِيَ مَكَانٌ مُهَيْبٌ عَظِيمٌ، وَالنَّفْسُ تَجِدُ فِيهَا رَاحَةً إِذَا نَظَرَتْ إِلَيْهَا، فَإِذَا ضَاقَ الصَّدْرُ بِالْهَمِّ فَلْيَنْظُرِ الْعَبْدُ إِلَى السَّمَاءِ، فَإِنَّ فِي السَّمَاءِ خَبَرًا، كَمَا أَنَّ فِي الْأَرْضِ عِبَرًا.
وَالسَّمَاءُ أَكْبَرُ مِنَ الْأَرْضِ بِآلَافِ الْمَرَّاتِ، وَمَعَ سَعَةِ الْأَرْضِ لَمْ نُحِطْ بِهَا عِلْمًا، وَلَمْ نَبْلُغْ أَقْطَارَهَا، فَكَيْفَ بِالسَّمَاءِ؟ وَبَيْنَنَا وَبَيْنَ السَّمَاءِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، وَسُمْكُهَا خَمْسُمِائَةِ عَامٍ، وَبَيْنَ كُلِّ سَمَاءٍ وَسَمَاءٍ مِثْلُ ذٰلِكَ، وَالسَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرَضُونَ السَّبْعُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَرْشِ كَنُقْطَةٍ فِي بَحْرٍ. وَقَدْ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْعَرْشَ إِظْهَارًا لِقُدْرَتِهِ، وَلَمْ يَتَّخِذْهُ مَكَانًا لِذَاتِهِ».
وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ﴾ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السَّمَاءَ مَخْلُوقَةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَوْجُودٌ قَبْلَ خَلْقِهَا، فَخَالِقُ الْمَكَانِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى مَكَانٍ، وَخَالِقُ الزَّمَانِ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ زَمَانٌ. وَمَنْ نَسَبَ إِلَى اللَّهِ الْجُلُوسَ أَوِ السُّكْنَى فِي السَّمَاءِ فَقَدْ شَبَّهَهُ بِخَلْقِهِ، وَهٰذَا شَتْمٌ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، كَمَا أَنَّ مَنْ نَسَبَ إِلَيْهِ الْوَلَدَ فَقَدْ شَتَمَهُ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ: «شَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَيْسَ لَهُ ذٰلِكَ، أَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَبِقَوْلِهِ إِنَّ لِي وَلَدًا».
وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ النَّظَرَ إِلَى السَّمَاءِ يَزِيدُ الْقَلْبَ خَشْيَةً وَإِجْلَالًا لِلَّهِ، فَإِذَا نَظَرَ الْعَبْدُ إِلَى هٰذَا الْخَلْقِ الْعَظِيمِ امْتَلَأَ قَلْبُهُ تَعْظِيمًا لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَشَهِدَ شُهُودًا قَوِيًّا عَلَى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ.
﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧)﴾
قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَحَفِظْنَاهَا﴾ أَيْ: حَفِظْنَا السَّمَاءَ. وَقَوْلُهُ ﴿مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ أَيْ: مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَلْعُونٍ مَطْرُودٍ، رَجِيمٍ أَيْ مَرْمِيٍّ بِالشُّهُبِ. فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حَفِظَ السَّمَاءَ أَنْ تَخْتَرِقَهَا الشَّيَاطِينُ، فَلَا تَقْدِرُ شَيَاطِينُ الْجِنِّ عَلَى اخْتِرَاقِهَا، مَعَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ سُكَّانُ السَّمَاوَاتِ، وَهُمْ أَقْوَى خَلْقِ اللَّهِ، مَعَ أَنَّهُمْ لَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ وَلَا يَنَامُونَ، وَقَدْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ، فَهُمْ يَهِيبُونَ الشَّيَاطِينَ وَيَقْهَرُونَهُمْ. وَإِذَا تَحَصَّنَ الْعَبْدُ بِذِكْرِ اللَّهِ وَالطَّاعَةِ حُفِظَ بِإِذْنِ اللَّهِ مِنَ الشَّيَاطِينِ، وَإِذَا تَرَكَ التَّحَصُّنَ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلْأَذَى، فَإِنَّ كَثِيرًا مِمَّا يَقَعُ مِنَ الْأَذَى إِنَّمَا سَبَبُهُ التَّفْرِيطُ فِي التَّحَصُّنِ وَالذِّكْرِ.
﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨)﴾
قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ أَيْ: إِلَّا مَنْ سَرَقَ الْمَسْمُوعَ، وَالْمُرَادُ أَنَّ بَعْضَ الشَّيَاطِينِ يَتَقَرَّبُونَ إِلَى السَّمَاءِ دُونَ أَنْ يَخْتَرِقُوهَا، فَيَسْتَمِعُونَ خُفْيَةً إِلَى مَا تَتَحَدَّثُ بِهِ الْمَلَائِكَةُ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ أُمُورِ الْقَدَرِ، كَقَوْلِهِمْ: فُلَانٌ يُرْزَقُ كَذَا، وَفُلَانٌ يَقَعُ لَهُ كَذَا فِي أَرْضِ كَذَا. فَالْجِنُّ وَالشَّيَاطِينُ لَا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ، وَلَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَلَكِنَّهُمْ يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ لِأَغْرَاضٍ خَبِيثَةٍ، مِنْهَا إِغْوَاءُ النَّاسِ وَإِيهَامُهُمْ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ.
وَقَوْلُهُ ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ أَيْ: شِهَابٌ ظَاهِرٌ بَيِّنٌ لِلْأَبْصَارِ، وَهُوَ نَجْمٌ يَنْقَضُّ عَلَيْهِ، فَيُصِيبُهُ، فَإِمَّا أَنْ يَقْتُلَهُ، وَإِمَّا أَنْ يُخَبِّلَهُ وَيُذْهِبَ عَقْلَهُ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يُصَابُ بِالشِّهَابِ وَهُوَ يُسْرِعُ بِمَا سَمِعَهُ، فَيُلْقِي الْخَبَرَ إِلَى أَعْوَانِهِ قَبْلَ أَنْ يَهْلِكَ، فَيَكُونُ الْخَبَرُ حَقًّا فِي أَصْلِهِ، وَلَكِنَّهُ يُخْلَطُ بِمِئَاتِ الْأَكَاذِيبِ، فَيَقَعُ النَّاسُ فِي الْفِتْنَةِ. وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ أَنَّ مَا يَقُولُهُ الْكُهَّانُ وَالْعَرَّافُونَ وَالسَّحَرَةُ إِنَّمَا هُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ وَافَقَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ شَيْئًا وَاحِدًا، فَهُوَ مَخْلُوطٌ بِكَثِيرٍ مِنَ الْكَذِبِ، وَقَصْدُهُمْ مِنْ ذٰلِكَ أَنْ يُوقِعُوا النَّاسَ فِي الْكُفْرِ وَالضَّلَالَةِ.
فَالْوَاجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ لَا يَطْرُقَ أَبْوَابَ الْكُهَّانِ وَلَا الْعَرَّافِينَ، وَلَا يَطْلُبَ شَيْئًا إِلَّا مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَإِذَا أَرَادَ حَاجَةً رَفَعَ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ: يَا اللَّهُ، وَاعْتَمَدَ عَلَى رَبِّهِ وَوَثِقَ بِهِ، وَسَأَلَهُ وَحْدَهُ، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي بِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٍ، وَهُوَ الَّذِي يُجِيبُ مَنْ دَعَاهُ إِذَا دَعَاهُ.